منتدى موقع التاريخ

 

ما هكذا تورد الإبل

( رد على  مقال الدكتور صلاح أرقه دان)

طارق حميدة – فلسطين

مركز نون للدراسات القرآنية


كتب الدكتور صلاح أرقه دان بتاريخ 25/4/2000 في الرأي العام الكويتية، مقالاً بعنوان "الفقه والسياسة بين التجديد والتقليد"، صدّره بقصة الرشيد عندما قدم الرقة فانجفل الناس خلف الفقيه ابن المبارك حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة ، إلى الحد الذي جعل إحدى نساء الخليفة تقسم قائلة: "هذا والله المُلك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا  بشُرَطٍ وأعوان".

وقد ساق الكاتب هذه القصة ليؤكد أن "المسألة الدينية حية فاعلة في النفوس" وأن "الخطأ في استخدام الرمز-الديني- والفتوى أشد فتكاً من ابتلاءات السياسة والسياسيين ، فللأولى قدسية لا ترتقي إليها الأخرى، وهي قدسية ذات أبعاد خطيرة إن أسيء فهمها أو أسيء استخدامها".

والكلام من حيث المبدأ لاغبار عليه ، فقد قيل من قبل :" زلة العالَم في زلة العالِم " ونبه ابن القيم العلماء والمفتين إلى وجوب الحذر فيما يقولون لأنهم يوقّعون باسم الله تعالى ، وذلك في كتابه "إعلام الموقّعين " ... لكن الكاتب يحاول الدفاع عن موقف سياسي معين في مواجهة فتاوى شرعية، حتى وهو يتظاهر بأنه يسعى للفصل بين " الكم الهائل والمتناقض من الأحكام (الدينية) والفتاوى (الشرعية) التي سالت على ألسن الناس في كل معسكرات التراشق الكلامي"، وذلك "قبيل المعركة- يقصد العدوان على العراق- وأثناءها وبعدها". فهو يرى بأن هذه الفتاوى قد "اقتحمت أو أقحمت نفسها – لاحظ التعبير الذي يريد القول بأنه ما كان ينبغي لأصحاب هذه الفتاوى أن يتدخلوا فيما لا يعنيهم، أو ألا يتدخلوا بالطريقة التي تدخلوا بها حيث أزعجوا الدكتور الفاضل وغيره أيضاً - في معركة سياسية / عسكرية" .

ويسخّف الكاتب من الفتاوى التي أدارت ظهرها " للحق  البين الذي لا يختلف عليه اثنان في الوقوف بوجه الظالم ومنعه من ظلمه ولو أدى ذلك  إلى  قتاله ، كما في قوله تعالى ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)  " حيث يرى بأننا دخلنا في "موقف  ضبابي" استند على " نظرية المؤامرة وعلى ادعاء الحرص على وحدة الأمة وعزتها وكرامتها ".... ولم يقل لنا الكاتب الفاضل إن كانت هذه الآية الكريمة تخاطب المؤمنين أم الأمريكان .. وبالنسبة للعراقيين الذين رافقوا الأمريكان ، هل هل تراهم حرروا شعبهم أم استبدلوا ظالم بأظلم ، وكان مثلهم مثل شاهد الزور الذي جيء به إلى المحكمة راكباً مكرماً ، ثم تُرك بعدما أدلى بشهادته ليرجع وحده ماشياً ذليلاً .

وما دام الكاتب، يدعو إلى مقاومة الظالم وقتاله إذا لزم الأمر، فقد كان أحرى به وقد انتهت الحرب وذهب الظالم الطاغية أن ُيفعّل ذات الفتوى في الدعوة إلى مقاتلة الظالم الجديد الذي لا يخفى على فطنته ..

والسؤال هل كان رفض العدوان الأمريكي رفضاً غبياً مستنداً إلى خرافة نظرية المؤامرة التي يؤمن بها المتخلفون من أمثالنا ؟ أم أن غالبية التحليلات السياسية ، والأجنبية منها قبل العربية ، كانت تتهم النوايا الأمريكية في هذه الحرب ؟ وهل كان الحديث عن تهديد الأمريكان لوحدة الأمة وعزتها وكرامتها مجرد مزاعم لا وجود لها إلا في أوهام المفتين الذين يدّعون الحرص عليها !! لاحظ كيف يتهم  المعارضين للعدوان في نياتهم. ويقول  بأنهم يدعون الحرص على وحدة الأمة وعزتها وكرامتها .

ثم يقول الكاتب :"والسؤال عن حاجتنا إلى فهم أعمق للمصطلح الإسلامي سؤال وجيه في كل زمان، وهو الآن أكثر وجاهة بعدما رأينا الواقع على الأرض مختلفاً تمام الاختلاف عما نقرأه في كتب الأولين ، وعما يردده أصحاب المنابر... فماذا تعني (دار الإسلام ) و ( دار الكفر ) لنا بعدما استعان بعض المظلومين من أهل ( دار الإسلام) بحكام دار الكفر ليخلصوهم من ظالم خط بيده كلمة ( الله أكبر) على لواء العراق، وارتكب بالأخرى كل جريمة نكراء على جباه العراقيين ؟ ... وماذا يعني مصطلح ( الأمة الواحدة ) وقد فرقت السياسة والاقتصاد والمصالح ما جمعته الفكرة؟"

من الواضح أن الكاتب يعتمد التدليس فيما يكتب، وانظر إليه وهو يقول بأن بعض المظلومين قد "استعانوا"، فهل حقاً قد استدعى العراقيون الأمريكان؟ أم أن ذريعة أمريكا كانت أسلحة الدمار الشامل؟ واستدعى الأمريكان بعض العراقيين لإضفاء الشرعية على احتلالهم العراق؟

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنه يخلط بين أمرين مختلفين تماماً  وهما :( تفهم وإعذار) المضطهدين المظلومين حين يفقدون البوصلة ويتصرفون خلافاً للعقل والمنطق والمصلحة، والثاني : ( تبرير وتسويغ ) هذا الخلل النفسي والسلوكي و(إضفاء الشرعية) عليه ، والبحث عن مؤيدات عقلية وواقعية لترسيخه .

نعم قد نعذر الأخوة الكويتيين في موقفهم تجاه الأمريكان وقوى التحالف، بسبب النكبة التي أحلها بهم النظام العراقي ، حيث أدى ذلك إلى اهتزازات كبيرة لدى الكثيرين منهم تتعلق بالمفاهيم والقناعات السابقة .. لكننا لاحظنا أيضاً أن قطاعات كبيرة من الكويتيين أنفسهم ، قد عوفوا مما أصابهم بعدما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ، وعارضوا بالفم الملآن العدوان الأمريكي على العراق، ونقول الأمر نفسه بالنسبة للعراقيين حيث إن الكثيرين من المعارضة العراقية رفضوا هذا العدوان .

لقد خاطب الفاروق رضي الله عنه ولاته بالقول: (لا تضربوا أبشار المسلمين فتذلوهم ، ولا تظلموهم فتكفروهم)، وقد رأينا ما يصدق قوله في واقعنا المعاصر ، بدءاً مما سمي وقتها بالثورة العربية الكبرى وحتى العدوان الأخير . ولا شك أن في هذه الوقائع دروساً عظيمة للحكام الظلمة أولاً إذ لم تسلم لها كراسيها ، وللشعوب المظلومة ثانياً إذ استبدلت بالغاشم من هو أغشم ... وليس ذلك فحسب وإنما لماذا لا تفكر الشعوب وعلى رأسها أصحاب الرأي والفكر فيها بضرورة تغيير الواقع السيء فإما اعتدل الحكام أو عزلناهم ، ولماذا ننتظر أمريكا حتى تهدم لنا الأصنام الصغار فنعبدها مكانهم ، ونحن أمة التوحيد الذين نتلو صباح مساء دعاء إبراهيم عليه السلام (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ؟ 

ثم يتابع الكاتب قائلاً إنه بسبب هذه الفتاوى فقد "اختلط الأمر على كثير من الشباب المتحمس حتى إن بعضهم تطوع للدفاع عن العراق في وجه التحالف الغربي ، فإذا به يكتشف أنه يدافع عن نظام اختفى كالسراب" .

وهنا نرجع إلى الكاتب لنسأله وهو يدعو إلى "تجديد الفقه": هل يعني التجديد بنظرك أن يتخلى المسلمون عن مناصرة بعضهم البعض؟ وهل يحل لمسلم أن يخذل إخوانه في محنتهم، والرسول عليه السلام يقول بأن المسلم أخو المسلم .. لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله "ألا ترى أن القضية "نصّية" وليست "اجتهادية" ؟ فكيف تعيب على المتطوعين الذين هبوا لنصرة إخوانهم ولا تعيب على الدول والجيوش التي خذلت العراق فضلاً عن الذين شاركوا في حربه؟ وليتك فعلت كما فعل بعض أهل العلم، كالشيخ سلمان العودة حفظه الله، الذين لم يوجبوا الذهاب للقتال مع العراقيين بسبب المخاطر المتوقعة هناك مع إقرارهم بوجوب التناصر بين المسلمين.

ومرة أخرى هل نحن بحاجة إلى "مجتهد شجاع" - على حد تعبير الكاتب – ليلغي مصطلح "الأمة الواحدة " بما أنها قد فرقتها السياسة والاقتصاد والمصالح؟

وهل نلغي مصطلحي" دار الإسلام" و "دار الكفر" بما أن الكفار قد نصرونا وأنقذونا من حكامنا في دار الإسلام ؟ ولماذا لا يتضمن الفقه الجديد الذي يدعو إليه الكاتب المحترم إدراج الأمريكان ضمن الأمة الواحدة ، ومبايعة رئيسها خليفة لدار الإسلام ؟ يسوّغ ذلك ظلمُ بعضنا لبعض من جهة، وانتصارُ الأمريكان في معركتهم علينا... ولنقل مع أبي سفيان بعد أُحد: أعل هبل!


الفسطاط: عدد أيار/مايو 2003

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا