|
قال
لي صاحبي وهو يحاورني
بقلم:
أحمد فال بن الدين
"عجيب
أمركم، لن أتستطيع فهمكم أبداً الأمور
عندكم منكسة والمفاهيم عندكم مقلوبة."
قالها
صاحبي وهو مقبل إلي باسم الثغر متظاهراً
بالمزح، لكنني أعرف صاحبي تمام
المعرفة، إنه من ذلك النوع الذي يمزح
جاداً ويجد مازحاً، لا يرسل الجمل
اعتباطاً، لا يرسلها إلا ولها أعمق
الأثر في نفسه. حاولت التظاهر بعدم
الاكتراث وحولت مجري الحديث قائلا: كيف
أمورك يا صديقي؟ أجاب على الفور: أموري
بخير لو تركتمونا! عجيب أمره يوظف كل
كلمة لاستفزازي، أو
قل بعبارة أخرى، لتوريطي معه في نقاش
ساخن سخونة الشاي الصباحي الموجود
بيننا علي الطاولة. اعتدلت في جلستي
وقلت بهدوء مفتعل: وماذا بعد يا صديقي؟
أسرع صاحبي قائلا: لدي سؤال واحد أريد أن
أوجهه لك وأتمني لو أخذت إجازة ولو
مؤقتة من طريقتك في اللف والدوران
لتجيبني عليه! أريد الإجابة كذلك أن
تكون صريحة علي غير عادتكم. قل لي: لماذا
تكرهوننا؟
وقع
السؤال على صاحبكم وقع الصاعقة لسبب
بسيط، هو أن الإجابة علي هذا السؤال
مفصلة بطبيعتها ويستحيل اختزالها في
كلمة أو اثنتين لذلك ستكون فرصة لصاحبي
ليتهمني باللف والدوران وعدم تلبية
طلبه بالصدق والاختصار. رددت علي صاحبي
قائلا: نحن لا نكرهكم، هذه أسطورة روجها
بعضكم. نحن لا نكرهكم لذواتكم أو
لاختلاف ثقافتنا عنكم؛ مشكلتنا معكم تكمن
في سبب آخر هو طريقة تعاملكم معنا. وقبل
أن أتعافي من وقع هذا السؤال رأيته
يرميني -وبعنف- بسؤال آخر: هل صحيح أن كل
مسلم يتمنى أن يقتل أي مسيحي؟ وهل صحيح
أنها أكثر الطرق اختصاراً إلى الجنة؟
هنا بدأت في الإجابة وقررت أن أكون
مسرعاً في إجابتي وأن لا ألتفت ورائي
لئلا يرميني بأسئلة أخرى، فقلت: نحن
كمسلمين ليس بيننا وبينكم إلا المجادلة
بالتي هي أحسن، فكتاب ربنا يقول: »وجادلهم
بالتي هي أحسن«
وأنتم النصارى لكم ميزة خاصة عندنا وهي
أنكم أهل الكتاب، فقد نبهنا ربنا علي
ذلك وأعطاكم امتيازات كثيرة، فنحن نأكل
ذبائحكم ونتزوج نسائكم، وهاتان ركيزتان
أساسيتان للتعياش السلمي المنسجم-
ونحترم عيسي عليه السلام تماما كما
نحترم نبينا، فنؤمن بأنه عبد الله
ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وهذا التاريخ جاثم أمامك فاسأله عنا
عندما كنا نحن من يحكم وكنتم أنتم
تعيشون في ظل الدولة الإسلامية الوارف
هل وقع عليكم أي ظلم أو حيف؟ بالعكس لقد
كنتم مواطنين من الدرجة الأولى سواسية
مع المواطنين المسلمين، كما لكم حقوقكم
المدنية والدينية تدفعون الجزية ويدفع
المسلمون الزكاة، والدولة الإسلامية
تحمي الجميع!
مع أن ذلك كان في وقت لا يوجد فيه علي وجه
هذا الكوكب من يحترم حقوق الأقليات
غيرنا، وستترائي لك في أثناء ذلك صورة
خليفتنا عمر بن الخطاب عندما جاءه عجوز
يهودي قد عمي شاكياً له أن الوالي طلب
منه
الجزية فاعتذر العجوز اليهودي بأنه قد
عمي فلم يقبل الوالي منه ذلك، فثار عمر
وأرسل إلى الوالي قائلا: بئس ما جزيتموه.
خذلتموه في شيخوخته بعد أن دفع الجزية
في شبابه؟ وأجرى له ولأمثاله راتباً
شهرياً من بيت المال. آه..اعذرني يا
صديقي هكذا أنا دائما عند ما يتعلق
الأمر بالتاريخ أسير في أزقته المضيئة
والمظلمة وأنسى من يسير معي، بل إنني لا
أتتذكره وأظنني وحيداً. ولكن دعني أسألك
و أرجو أن تجيبني!
قل
لي هل تحب
هؤلاء الشباب الذين ضربوا بلدك يوم
الحادي عشر من سبتمبر؟
لا شك أنك تحبهم أو علي الأقل تشعر
بالتعاطف معهم, أليس كذلك؟ ثار صديقي
ووقف من مكانه كأنه أصيب بحمىالهستيريا،
صاح: أنا أحب القتلة؟ أحب قتلة شعبي؟ هل
أتعاطف مع من قتلوا الناس بالآلاف؟
هنا بدأت أرحمه. لقد استفززته كثيراً.
بدأ لون وجهه
يتغير من
لون إلى لون حتى أنني رأيت علي محياه بعض
الألوان التي لا أعرف أو على الأقل لم
أشاهدها من قبل. هدأته وكان بودي أن أنهي
الحوار هنا لكن ذلك غير ممكن فهناك بعض
النقاط
التي
لابد من توضيحها، ثم أردفت قائلا: هؤلاء
الشباب ما مشكلتك معهم؟ هل تكرههم لمجرد
أنهم من الشرق الأوسط، أو أنهم من قارة
غريبة عنك، أم أنهم مسلمون؟
نسيت نعم
تكرههم لأنهم مسلمون.
صاح: لا.. لا ..لا أكرههم لأنهم مسلمون،
بل لأنهم
قتلوا شعبي. صحت في وجهه: ها قد أتيت بها،
هذه هي مشكلتنا معكم، تصور أن هؤلاء
الشباب الذين تكرهونهم هذا الكره
وكرهتم بسببهم أو علي الأصح ازدادت
كراهيتكم لشعوبهم تصور أنهم لم يقتلوا
إلا ثلاثة آلاف. انظر هل تعرف كم طفلاً
قتلتم في العراق وفي أفغانستان
والقائمة تطول؟ هل تعرف كم سحبتم من
ثروات وجففتم من منابع؟.هذا هو سبب كره
هذه الشعوب لكم. هنا بدأت أشعر أن ثورته
بدأت تهدأ شيئاً فشيئاً. بدأ يميل في
مقعده وكأنه يريد أن يواري فيه بعض
المشاعر التي كانت تخالجه. ثم انه ابتسم
ابتسامة ميتة لا روح فيها كأنه استصدر
قراراً أن يصنعها دون أن يحالفه الحظ في
ذلك فأرسلها وكأنها الخاتمة. على
أنه أضاف بعد ذلك: ليس هذا كل شئ ما زال
لدينا الكثير. علي أن
أناقشه مرة أخرى.
|