منتدى موقع التاريخ

قرابين خطة الطريق..

يين رياح المقاومة والربان الأمريكي!


(قبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة من البديهي أن العالم الحر وكل الذين يتوقون للحرية والسلام يجب أن يعتمدوا الشدة والحزم مع حماس وقتلة الإسرائيليين)

لم يكن (أرييل شارون) ولا أركان حكومته في حاجة إلى تصريح الرئيس الأمريكي (بوش الابن) الوارد أعلاه ليستمروا في سياسة اعتقال وتصفية قادة المقاومة الفلسطينية جسدياً، في شطري فلسطين، أراضي 48 وما بعدها، ولكن التصريح جاء في سياق اندفاع الولايات المتحدة بعد التخلص من نظام صدام حسين لإنهاء بؤرة التوتر الأكثر تأثيراً على ماضي ومستقبل المنطقة العربية الغنية بالبترول وبثروات بشرية وطبيعية أخرى.

ويمكن القول بكل ثقة أن التصريح جاء ليعطي حقنة تبرير أخلاقي للأمريكيين أنفسهم أمام حملة التصفية القادمة التي تستهدف كوادر حماس من السياسيين والتنظيميين، مع استمرار قتل القادة الميدانيين العسكريين، ولتشجع حلفاء البيت الأبيض في أوروبا والعالم الثالث على موقف صارم من خيار المقاومة المسلحة، وليس من حركة حماس وحدها، وذلك لحساسية الولايات المتحدة المفرطة تجاه أية مقاومة مسلحة، لاسيما الآن، وجنود التحالف يواجهون وضعاً صعباً في كل من أفغانستان والعراق، وفي العراق تحديداً، حيث انتقلت عمليات اصطياد الجنود الأمريكيين ثم البريطانيين بالتدرج من مناطق تسكنها غالبية عربية سنية إلى مناطق تسكنها غالبية شيعية.

والقيادة الأمريكية نجحت حتى الآن في فبركة الاتهامات الجاهزة للقوى الفلسطينية، واستطاعت أن تلبس الإرهاب الإسرائيلي المدعوم بكل الإمكانيات ثوب الضحية، وأن تلبس الفلسطيني المقاوم لحرب الإبادة ثوب الإرهاب، وفي هذا الإطار تذكر تقارير صحفية تنسيقاً إسرائيلياً-أمريكياً على أعلى المستويات للبحث في أفضل السبل لتصفية حركة حماس سياسياً وأمنياً، فقد نقلت وكالات الأنباء  زيارة (افي ريختر) وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي للولايات المتحدة لعرض تقارير مفصلة حول منظمات (الإرهاب الفلسطيني) وخطط القضاء عليها.

ووفقاً لبعض التقارير الصحافية فإن (ريختر) الإسرائيلي سيعرض على الطرف الأمريكي معلومات تفصيلية حول هيكلية كل تنظيم فلسطيني مسلح وسبل عمله والقوى المؤثرة فيه والقادة الفلسطينيين في السلطة الذين لهم علاقات بهذه التنظيمات ودور الرئيس عرفات شخصياً في دعمها.

ويرى الإسرائيليون أن الإدارة الأمريكية تتفهم الآن خطورة حركة حماس، وإمكانية انتقالها من النشاط الإقليمي ضد (إسرائيل) إلى نشاط دولي ضد (الولايات المتحدة) ومصالحها الحيوية، وهم بذلك يفسرون هذا الحرص الأمريكي على رعاية حملة تصفية حماس وقادتها بنفس اندفاعهم لرعاية الكيان الإسرائيلي والاستمرار في تفوقه العسكري والاقتصادي على العالم العربي مجتمعاً.

ولكن ما لم يشر إليه الإسرائيليون هو التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب على الساحة العراقية، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تخف قط رغبتها في تدفق أنابيب البترول من كركوك إلى ميناء حيفا، وفي فتح أبواب السوق العراقية الواسعة أمام رجال الأعمال الإسرائيليين، ولم يعلن الإسرائيليون عن يدهم العليا في مد الأمريكيين بخبراتهم في مجال مواجهة الشعوب المحتلة، وتوفير غلالة رقيقة من التبرير القانوني والأخلاقي لانتهاك حقوق الإنسان تحت عنوان مقاومة الإرهاب، والذي يتابع أجهزة الإعلام المصورة يرى مدى تطابق عمليات المداهمة والاعتقال في مدن العراق ومدن الضفة الغربية وبلداتها، بما في ذلك بعض التفاصيل الصغيرة كاستخدام أحزمة البلاستيك لتقييد حرية المعتقلين، وتغطية رؤوسهم بأكياس البلاستيك السوداء وبعضهم أطفال لم يبلغوا الحلم.

إذن موقف الإدارة الأمريكية من حركة حماس مرتبط بوضع قوات التحالف وسياساتها في العراق، حيث يبدو أنها ترغب في البقاء فيه أطول فترة ممكنة، وبالتالي ترتفع الحساسية لديها تجاه أي عمل مقاوم ذي طابع عسكري، وهو في الأغلب عمل ينطلق من داخل مجموعات منظمة ذات فكر عقدي تتبنى قضايا الموت والاستشهاد والمواجهة، ومثل هذه القوى تنتعش بوجود حركات مثيلة تحقق توازن رعب أو خطوات اقتصاص –ولو وئيدة- كما تفعل حركة حماس وأخواتها، وبالتالي تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى هذه الحركات نظرتها إلى القرابين الواجب تقديمها على مذبح تحقيق السياسات الاقتصادية والسياسية للتحالف الوثيق بين الولايات المتحدة والدولة العبرية.

لا تريد الإدارة الأمريكية، كما لا يريد الإسرائيليون شرق أوسط عربي ممزوجاً بالمنغصات، والمنغصات هنا جيوب المقاومة التي تحمل شعار (العين بالعين والسن بالسن) ولا مانع لديهما من مقاومة هادئة مدجنة تكتفي من المسألة كلها بكلمة احتجاج هنا أو بمظاهرة سلمية هناك، وهو ما أشار إليه المعارض السابق محمد باقر الحكيم في خطبة جمعة ألقاها في النجف.

باختصار تريد الولايات المتحدة مرحلة من الهدوء لتقطف ثمرة ما بذلته لتربض بهدوء فوق ينابيع النفط، فهل توافق رياح الشرق المقاوم أحلام الربان الأمريكي؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.


د. صلاح الدين أرقه دان

الرأي العام –الجمعة– 3/7/2003

arkadan@yahoo.com

الفسطاط 7/2003

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا