|
فقه
الاستسلام؟!
د.
صلاح الدين أرقه دان – كاتب وأكاديمي لبناني
الرأي العام – السبت – 18/10/2003
arkadan@yahoo.com
(توصلنا إلى نتيجة.. أننا يجب أن نقاتل.. يجب أن نقتل.. كل الذين يبحثون
لهم عن وطن.. يجب أن نقتل.. حتى يكون لنا وطن.. من النهر إلى النهر!
في
فبراير (شباط) من العام 2000 أطلق وزير الخارجية الإسرائيلية –آنذاك-
المغربي الأصل (ديفيد ليفي) تصريحاً أعمى هدد فيه بحرق لبنان بشراً
وحجراً، وتعمّد تقليد زعيم النازية (أودولف هتلر) في نطقه للكلمات وفي
تقاسيم وجهه وفي حركات يديه، ولم يكن تصريحه زلّة لسان رجل موتور، بل كان
تعبيراً عن حقيقة السياسة الإسرائيلية تجاه العرب، وتأكيداً للمنطق
النازي الذي يسيطر على العقلية الإسرائيلية قيادةً وقاعدةً.
وهو
منطق لا يقتصر على أهل السياسة الإسرائيلية، بل ينسحب على قطاعات أهل
الفكر والأدب في المجتمع الإسرائيلي، والقارئ للشعر العبري الإسرائيلي
المعاصر يلاحظ تحريض الشعراء اليهود المستمر لسفك الدماء وملء الأرض
بالجثث وإحراق البيوت وتدميرها على ساكنيها من النساء والأطفال والشيوخ،
وهي تعبئة يحتاجها إرهابيو الكيان الإسرائيلي لاستساغة جرائمهم في
الأراضي المحتلة والأراضي اللبنانية والسورية المجاورة لها، وهي مجرد
إضافة لتعاليم كبار رجال الدين اليهود الذين لا يرون في العرب أكثر من
عقارب وأفاعي تستحق القتل والسحق على النسق الذي قامت به كل الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة، يمينية ويسارية، يومياً منذ إعلان الدولة العبرية
وحتى اليوم.
ولم
يخرج إبشلوم كور، في قصيدته بملحق معاريف (5/7/1988) وأعلاه بعض مقاطعها،
عن مسار هذه الفلسفة المعادية للمعاني السامية وللحقوق الطبيعية التي
أقرت بها كل الأديان والشرائع للإنسان، لأن القيادة الإسرائيلية –الدينية
والمدنية- لا ترى الإنسان العربي جديراً بالحياة ولا بالاحترام، وتعمل
على تشويهه في كل ميدان من ميدان الإعلان والإعلام التي تشكل العقل
المعاصر، كالسينما والمسرح والدراسات التوثيقية والكتابات الأدبية،
والمتابع لحركة الإنتاج العالمي سيجد ما يثقل قلبه ويزيد همه لحجم مخرجات
الافتراء على التاريخ وعلى الواقع العربي، وهي تستهدف كل ما يتعلق بأمتنا
وخصوصياتها الثقافية والحضارية، حتى وصل العبث إلى القرآن الكريم وإلى
شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وكان الإسرائيليون أصحاب
المبادرة في الدعوة إلى تغيير آيات القرآن لتتوافق مع سياسات النظام
الدولي المعاصر(!)
ولئن
كان من المتوقع أن يقوم العدو بكل ما يملك من طاقة وإمكانيات بما يكيد
عدوه ويفت في عضده ويزيد من ضعفه وتراجعه، فإن العاقل لا يستسلم لإرادة
العدو ومخططاته، ولا يساهم في إنجاح أهدافه وسياساته، ولا يعمل على تكييف
واقعه بحيث يصبح متطابقاً مع تصورات عدوه ميسراً لسبل سيطرته، وهو أمر
تمارسه بيننا حركة الاستسلام الفكري التي بدأت بأصوات حيية خجولة ثم ما
لبثت أن وجدت التشجيع الكافي لتتحول إلى تيار له رموزه وأدبياته وآلياته
ومنابره، ومن المفردات التي يطرحها هذا الاتجاه الدعوة للتخلص من معوقات
التقدم والتنمية الفكرية والروحية والثقافية، ولا مانع لدى بعض أفراده من
التصريح بأنها الإسلام ونصوصه الثابتة –القرآن والسنة-، وأنماط التفكير
والعمل والعلاقات الاجتماعية التقليدية إلخ.
وللأسف، يستمد رموز هذا التيار جل طاقتهم ومبرراتهم من واقع المسلمين ومن
حالة التردي المعاصر التي تمر فيها الأمة، ملقين بالثقل كله على مبادئ
الإسلام لا على كاهل أشباه المتفيقهين، ولا على التطبيق المشوّه للقواعد
الشرعية.
تقرأ
غثاء يتسلل إلى كل تفاصيل ومفردات الحياة الإسلامية، في كل وسيلة متوفرة
من وسائل التأثير، لا تستنثي من ذلك الكتاب المدرسي ولا الصحيفة اليومية
ولا أجهزة التلفزة، وأخطرها وأكثرها انتشاراً هذه الأيام صفحات الانترنت،
وبعضها يملكه ويشرف عليه من يفترض أن يكون للأمة لا عليها.
إن
حالة الاستسلام هذه لا تقف عند حدود الكلمة، لأسباب كثيرة على رأسها عدم
تكافؤ الفرص بينها وبين تيار الإصرار والمعالجة، فترى حركة الاستسلام
تمتد داخل جسد الأمة لتعيق عمل دعاة الإصلاح، وتثبط من عزيمة دعاة
التغيير، وتخيل السوء الذي يتركه الضغط المتواصل على الضحية لتخفض من صوت
استغاثتها أو ردة فعلها، وانظر إلى أصبع الاتهام الكبير الموجه إلى أية
دولة أو جماعة تعمل على امتلاك أسباب القوة سياسة كانت أم اقتصادية أم
عسكرية، بل إن الأمر تعدّى ذلك كله ليصل إلى التصدي للبحث العلمي ومنعه.
إن
الاستعلاء الإسرائيلي لا يرتكز فقط على قوة الصهيونية وحلفائها، ولكنه
يرتكز في المقام الأول على ضعف الأمة، وهو ضعف لم ينتج عن قلة عدد ولا
إمكانيات، وإنما نتج عن غياب الآليات الفاعلة، وعن الوهن الذي يحققه
الناخرون في جسد الأمة، وأولويات المبتلى بالأمراض أن يعالج نفسه قبل أن
يواجه غيره، ومن عزم على شيء أعدّ له عدته.
|