|
كأس العالم بين الرياضة و السياسة
د. أحمد طويل
يعيش العالم حاليا أجواء احتفالية بمناسبة كأس العالم لكرة القدم, و
يتابع عشاق المستديرة بشغف نتائج المباريات في مختلف الأدوار.
و بالرغم من الشعارات الرنانة التي تطلقها وسائل الاعلام و التي تتبلور
بمجملها حول وحدة العالم و وحدة الشعور أثناء المونديال, و بالرغم من
تأكيد القائمين على اللعبة على التنافس الشريف بعيدا عن كل الخلافات
السياسية و النزاعات المذهبية و الاتنية, الا أن يعكس صورة مغايرة تثبت
ارتباط كل شيء –حتى الرياضة- بالسياسة.
فخلال مباراة ألمانيا و جارتها انكلترة تكررت عبارات الثأر و العداء
التاريخي, و حين لعبت الجزائر مع الولايات المتحدة وقف العرب بل المسلمون
بعواطفهم و أمنياتهم مع المنتخب الجزائري العربي و المسلم الذي يلعب ضد
منتخب الدولة التي كانت – و لا تزال- ترعى إسرائيل و تدفع عنها أذى
جيرانها أو ملاحقات ما يسمى المجتمع و القانون الدوليين لقادتها. و هم
أيضا يلعبون ضد منتخب الدولة التي احتلت أفغانستان تحت ذريعة مكافحة
الإرهاب و تنظيم القاعدة, فحشدت حلفائها في الناتو لتحتل و تدمر و تقتل
دون حساب. نفس الدولة التي احتلت العراق بعد أن حاصرته لسنوات طويلة, ذاق
خلالها اخواننا العراقيون صنوف الجوع و الحرمان, و لم تكتف بذلك, بل طرحت
شعارا "النفط مقابل الغذاء" كعنوان قذر ينم عن محتوى السياسة الأمريكية و
الغربية عموما تجاه قضايا أمتنا الإسلامية, و يذكرنا بشعار اخر أكثر سخفا
طرحته هذه الدول كعنوان لمفاوضات السلام بين العرب و إسرائيل و هو "الأرض
مقابل السلام", أي يجب على العربي أن يعطي ما في باطن أرضه من نفط و غاز
و غيره حتى يحصل على ما يسد رمقه, و عليه أن يتنازل عن أرضه و يرهن
كرامته حتى ينعم بسلام مزعوم مع عدو قال عنه الله تعالى «لا يرقبون في
مؤمن الا و لا ذمة», و حذرنا سبحانه و تعالى من عدم مصداقيته «كلما
عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم».
و هكذا, و قبل كل مواجهة كروية بين فريق عربي أو من دولة اسلامية أو حتى
احدى دول العالم الثالث كغانا و كوريا الشمالية و بين احدى الدول الغربية
التي تسمى الدول الرأسمالية ذات الماضي الاستعماري كالولايات المتحدة
الأمريكية و فرنسا و انكلترة و ايطاليا و غيرها تتداعى إلى ذهن الغالبية
من المشاهدين في العالم المقهور صور و ذكريات لسلسلة طويلة من المؤامرات
و الحروب و المجازر و التجويع و القتل... و ينعكس ذلك على ميوله الكروية
فتراه دائما يرغب بهزيمة (الكبار) أمام الطامحين من (الصغار), عل الرياضة
تمنح هذا المشاهد نشوة انتصار حرمته منها السياسة.
المؤلم أنه حتى الرياضة تأبى الا أن تكون مع الأقوى و الأفضل في عالم لا
يعيش فيه الا الأقوياء, و اذا حصلت بعض التجاوزات لهذه القاعدة كما فعلت
غانا, فان الفرحة لا تكتمل حتى النهاية.
مما سبق, أستطيع الحكم بأنه لا يمكن فصل الرياضة عن الواقع السياسي و
الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي المؤسف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية و
الإسلامية, و بأن المواطن العربي يحمل همومه و قضاياه المصيرية معه حيثما
حل و ارتحل, حتى إلى ملاعب كرة القدم.
|