|
أسطورة نهاية التاريخ من منظور فلسفة
التاريخ
بقلم: الأستاذ خاليد فؤاد طحطح
تهدف فلسفة التاريخ إلى التعليل، وتجاوز السرد وحشو
الأخبار، ومن هنا يتجلى لنا أن مقولات فلسفة التاريخ تختلف اختلافا
جوهريا عن مقولات التاريخ، لأنها تجاوزت الزمان والمكان إلى ما وراء
الزمان والمكان، وهذا ما جعلها عرضة لانتقادات كثير من المؤرخين.
ورغم هذه الانتقادات فان فلسفة التاريخ تظل ذات أهمية
كبرى في فهم معنى التاريخ ومغزاه، إن نشوءها كان تلبية لنجاحات فكرية لدى
الإنسان، فعهود النكبات والأزمات في التاريخ الإنساني كانت دائما حافزا
للتفكير في الماضي وفي المصير.
وقد تطورت فلسفة التاريخ مع عدة أسماء منهم من ذكرنا،
ومنهم من لم نذكر أمثال القديس اوغسطينوس، وجاك بوسيه، وفولتير،
وكوندرسيه، ومالك ابن نبي، وغيرهم كثير ..وكان سبب عدم إدراج أفكار كل
هؤلاء المفكرين والفلاسفة طبيعة الموضوع التي تقتضي التركيز ما أمكن،
لذلك فقد اقتصر الأمر على دراسة أهم النظريات وأشهرها، وقد تتاح الفرصة
في المستقبل لمزيد من التوسع.
ولذلك وحتى تكون قراءتنا لهذه النظريات أكثر موضوعية،
يجب التطرق إليها في سياقها التاريخي الذي ظهرت فيه، قصد فهم العلاقة
التي تربط بينها .
ويأتي في مقدمة المؤرخين الذين اتجهوا إلى تفسير
التاريخ لأول مرة المؤرخ الكبير عبد الرحمن ابن خلدون، الذي تجاوز أخبار
الأيام والدول ليستشف حقيقتها، ويكشف عن أسبابها والقوانين التي تحكمها،
وقد وصل ابن خلدون رحمه الله إلى الاقتناع بفكرة التعاقب الدوري على
السلطة.
وفي أوربا يعتبر هيغل أول من تعمق في فلسفة التاريخ،
وتوصل إلى أن المنطق التاريخي يستند في أساسه إلى صراع الأضداد، وأن
العقل هو الذي يحكم التاريخ، وعلى أساس هذه النظرية الجدلية بنت
الماركسية مذهبها بعد أن ألبست هذا الجدل ثوبا ماديا صرفا، فجعلت العامل
الاقتصادي هو العامل الأول في تفسير التطور والتغيير لدى المجتمعات،
وأهملت باقي العوامل الأخرى.
ثم انتشرت في أوروبا نظرية لا تقل أهمية عن النظريتين
السابقتين، وهي نظرية التقدم التي أكدت أن الصفة الغالبة على سير الحضارة
هي التقدم لا التدهور، وأن الحياة تسير بالضرورة نحو تحقيق مزيد من الرقي
والازدهار، وذلك عبر مراحل معينة تختلف خصائصها من عالم لأخر، لكنها تتفق
كلها في أن المرحلة اللاحقة فيها تكون أعلى من السابقة وأكثر منها رقيا
وتقدما، والى أن ظهرت أفكار اوزفالد اشبنجلر(1880-1936) التي عبر عنها في
كتابه «اضمحلال الغرب» حيث جعل لكل حضارة دورة تبدأ بالنمو فالشباب
فالشيخوخة التي يتبعها الفناء، وأكد أن التاريخ ليس تقدما للإنسانية
دائما كما عبر فولتير، أو تقدم نحو سلام دائم كما توقع كانط، أو حرية
للروح كما ظن هيغل، أو نموا للمجتمع اللاطبقي وفقا لنظرية كارل ماركس.
وقد تنبأ اشبنجلر في كتابه السابق الذكر إلى أن
الحضارة الغربية سائرة نحو السقوط والاضمحلال، إلا أن توينبي رفض هذه
الحتمية المتشائمة عن نظرية التعاقب الدوري للحضارات لدى اشبنجلر، ورأى
أن لعجلة التاريخ إيقاعا أساسيا يتمثل في التحدي والاستجابة والانسجام
والعودة، ويرى أن موت الحضارات السابقة لم يكن قضاءا مقدرا و إنما كان
انتحارا .
وأشير إلى أن المواضيع المهتمة بفلسفة التاريخ لم
تتوقف لحد الآن، فهي ما زالت متواصلة، لكنها تختلف من حيث منطلقاتها
وأهدافها والأغراض التي أنشأت من أجلها، وتظل اغلب النظريات التي ظهرت في
وقتنا الحاضر بعيدة كل البعد عن المقاييس العلمية الدقيقة، مطبوعة
بالذاتية من جهة، وبالصبغة الأيديولوجية من جهة أخرى، وأقصد هنا نظرية
صدام الحضارات لصمويل هنتغون، ونظرية نهاية التاريخ وسقوط الأيديولوجية
التي أعلن عنها المعتز بأمريكيته الياباني الأصل فرنسيس فوكوياما في صيف
1989م، حيث أكد أن اللبرالية الديمقراطية قد انتصرت بعد سقوط الشيوعية
ونهاية الحرب الباردة، وأن هذا الانتصار يشكل نهاية للتاريخ.
فليس هناك اليوم عند فوكوياما أية أيديولوجية يمكنها
أن تحل محل التحدي الديمقراطي، ومن هذا المنطلق يكون قد أغلق باب التاريخ
نهائيا، فلا جديد اليوم وبعد اليوم إلا في حدود بعض الإصلاحات الطفيفة،
وسيستمر تفجر الأحداث، لكن لن يكون هناك أي تقدم أو تطور فيما يتعلق
بالمبادئ والعقائد والمؤسسات!
إن فوكوياما يعتقد أن الديموقراطية اللبرالية ستكون
الحلقة الأخيرة للإيديولوجية الإنسانية، والشكل النهائي لأنظمة الحكم في
العالم، فلا خيار للشعوب غيرها، وهي بهذا تعتبر نهاية للتاريخ باعتبار
أن الديموقراطية خالية من التناقض الذي كان موجودا في الأنظمة الأخرى.
إن هذا الطرح الإيديولوجي يحمل الكثير من الأخطاء،
ويناقض الحقائق الموجودة في الواقع، فالديمقراطية ليست دائما نقيضا
للديكتاتورية والاستبداد، فلقد جاءت الديمقراطية بالقوميين المتطرفين في
كثير من الدول، كما أنها ليست معيارا للنضج والتقدم والنظام والاستقرار،
فقد وصل هتلر إلى السلطة عبر الانتخابات، وحصلت الفوضى في الجزائر بسبب
نتائج الانتخابات الديمقراطية، ولو أجريت اليوم انتخابات نزيهة في العديد
من البلدان لأعطت نتائجها الأغلبية الساحقة للتيارات المعادية للغرب،
لذلك فأمريكا وحلفاؤها لن يساندوا بتاتا الديمقراطية في العالم، لأن
نتائجها ستكون كارثية عليهم وعلى مصالحهم الحيوية، لذلك فهم يفضلون
التعاون مع الأنظمة القائمة ويضفون عليها الشرعية ولو كانت ديكتاتورية
ويدعمونها ماديا وعسكريا.
كما أنه يصعب موضوعيا تحقيق الديموقراطية في دول
العالم الثالث لأسباب متعددة، منها أن خصائص الشعوب الدينية والتاريخية
والثقافية والقبلية لا تتوافق في كثير من الأحيان مع الأفكار والمفاهيم
اللبرالية، فالنموذج الغربي لا يلقى استجابة واسعة في البلدان الإسلامية
والآسيوية، إذ ليست هناك قيم توحد العالم، فالقيم الأمريكية تتناقض في
الكثير من الأحيان مع القيم الدينية و الثقافية والحضارية للدول الأخرى،
مما يعني أن الحضارة الغربية ستواجه مصاعب مع كثير من الدول ذات الحضارات
المختلفة عنها. كما أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في نظر
العديد من شعوب العالم قوة عظمى شريرة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة دون
الالتفات إلى مصالح الآخرين، ولا شك أن كثير من الدول غير راضية اليوم
على الوضع القائم، فكثير من حلفاء الأمس تحولوا إلى أعداء اليوم بسبب
السياسة الأمريكية.
إن اللبرالية الغربية لا تستطع تحقيق الرفاهية للجميع،
ولا تأخذ في اعتبارها إلا مصلحة الأقلية، لذلك فالاستياء لدى شعوب العالم
الثالث في ظل التوزيع الغير المتكافئ للثروات سيتزايد.
إن الرأسمالية الغربية لا تفكر في حل للهوة المتزايدة
بين شعوبها وشعوب العالم الثالث، مما سيغذي الصراع بين شعوب العالم
المتقدم وشعوب العالم المتخلف، ولن تكون الديموقراطية اللبرالية هي العصا
السحرية لحل المشاكل المعقدة، كما أن شعارات مثل المساواة وحقوق الإنسان
والحرية والديمقراطية تظل شعارات بلا معنى، فسياسة القتل والتعذيب والعنف
والإرهاب والكيل بمكيالين هي ما نراه ونشاهده يوميا على شاشات التلفزيون.
إن الصراع الجديد في العالم سيتخذ أشكالا مختلفة، ولن
يعرف العالم أبدا الاستقرار مادامت الخلافات العالمية في ازدياد والفجوات
في اتساع ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيكون عليه حال الرأسمالية الغربية
مستقبلا في ظل تنامي المخاطر واستمرار التناقضات وانتشار الكراهية .
إن دخول القرن الجديد يطرح معه العديد من الأسئلة بخصوص
المصير، فالأخطار التي تهدد العالم لا تنبيء بأي حال عن نهاية محتملة
للتاريخ، والديمقراطية ليست النهاية المنطقية له، فالولايات المتحدة
نفسها لا تشعر بالأمان، وهي تدرك أكثر من غيرها أن هناك أخطارا حقيقية
تهدد مستقبلها، فسقوط الاتحاد السوفيتي لم يعني أبدا نهاية الأحداث وتوقف
التاريخ إلى الأبد، بل بالعكس تسارعت الوقائع السياسية والعسكرية بشكل
مخيف، والتطورات المقبلة لن تكون دائما في مصلحة النظام العالمي الجديد
لأن الدول التي ترى نفسها مهددة ستسعى بكل عزم إلى امتلاك الأنظمة
الدفاعية التي تتيح لها البقاء، بما في ذلك امتلاك الأسلحة النووية
والهيدروجينية، التي يعني استخدامها القبول بتدمير محتمل للكوكب الأرضي
الذي نعيش فيه، وهذا ما ستسعى إليه كل الدول التي تصنفها أمريكا في خانة
الدول الشريرة والمعادية، حتى تقي نفسها خطر الزوال إذا أصبحت مستهدفة في
يوم من الأيام.
لذلك نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل جاهدة
للحيلولة دون حصول الدول التي صنفتها في خانة الأعداء على القدرات
العسكرية المتطورة من أسلحة الدمار الشامل، كما أنها تعمل بحزم للوقوف
دون قيام أي نظام يحتمل أن يشكل خطرا عليها حتى ولو اضطرت إلى القيام
بحرب وقائية، عادة ما تكون آثارها سلبية على استقرار العالم، ونتائجها
سيئة على الشعب المستهدف، حيث تنتشر أعمال الفوضى والقتل ويعم الدمار
والعنف، مما يترك مستقبل العالم في ظل هذه الأوضاع مجهول المصير.
وفي الواقع لقد انتهى التاريخ فلسفيا مرات عديدة
وذلك قبل فوكوياما، لكنه في الحقيقة لم يتوقف، واستمر بعدهم وسيستمر بعد
فوكوياما، وربما باندفاع أكبر، وكما هو واضح فإن دعوة نهاية التاريخ
والفكر لا تقل في انغلاقها و جبريتها عن الحتمية التاريخية... وإذا كان
هناك بالأمس من أوقف التاريخ عند الاشتراكية، فثمة اليوم الوجه الآخر وهو
إيقافه عند الرأسمالية.
إن الأبحاث في ميدان فلسفة التاريخ لم تتوقف كما رأينا،
ولن تتوقف نظرا لارتباطها بحاضر البشرية ومستقبلها، كما أنها ستظل دائما
مثارا للجدل والخلاف مادامت الحياة مسرحا للأحداث والوقائع ومرتعا
للمتغيرات.
لذلك فإن باب التاريخ لن يغلق، ونافذة الفكر لن تنتهي
إلا بزوال الإنسان عن هذه الأرض، أما عن المستقبل فيبقى دائما هناك
إمكانية مفتوحة قابلة للتشكل، ولجميع الاحتمالات، فمسارات التاريخ كثيرة،
وربما كان هذا ما يسوغ الأعمال والأفكار والأحلام الإنسانية قديما وحاضرا
و مستقبلا.
|