|
الأخذ بالأسباب وعدم الركون إليها
حاجتنا اليوم للأخذ بالأسباب:
المتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثًا يجد هناك فرقًا عجيبًا بين حال
المسلمين بالأمس واليوم ! بالأمس كنا سادة واليوم أصبحنا في حالة يرثى
لها ،فبالأمس كنا في المقدمة واليوم أصبحنا في المأخره ،فما السبب في ذلك
؟ ما السبب أننا تأخرنا وتقدم غيرنا ؟
كان هارون الرشيد يقول للسحابة أمطري هنا أو أمطري هناك أينما تمطري فإن
خراجك سوف يأتي هنا.
اليوم :
أينما نظرت إلى الإسلام فى بلد تجده كالطير مقصوص جناحاه
لقد كان أمة الإسلام تبحث في الأسباب والمسببات ، وتنظر في العواقب
والمقدمات ، ثم بعد ذلك تأخذ بالأسباب ، وتلج البيوت من الأبواب ، فتجتاز
- بأمر الله - تلك الأزمات ، وتخرج من تلك النكبات ، فتعود لها عزتها ،
ويرجع لها سالف مجدها ، هكذا كانت أمة الإسلام في عصورها الزاهية .
وأما في هذه العصور المتأخرة التي غشت فيها غواشي الجهل ، وعصفت فيها
أعاصير الإلحاد والتغريب ، وشاعت فيها البدع والضلالات ، فقد اختلط هذا
الأمر على كثير من المسلمين ، فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأة
للإخلاد في الأرض ، ومسوغاً لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور ،
وسبل العزة والفلاح ، فآثروا ركوب السهل الوطيء الوبيء على ركوب الصعب
الأشق المريء .
فكان المخرج لهم أن يتكل المرء على القدر ، وأن الله هو الفعال لما يريد
، وأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن ، فلتمض إرادته ، ولتكن مشيئته ،
وليجر قضاءه وقدره ، فلا حول لنا ولا قوة ، ولا يد لنا في ذلك كله .
هكذا بكل يسر وسهولة ، استسلام للأقدار دون منازعة لها في فعل الأسباب
المشروعة والمباحة .
فلا أمر بالمعروف ، ولا نهي عن المنكر ، ولا جهاد لأعداء الله ، ولا حرص
على نشر العلم ورفع الجهل ، ولا محاربة للأفكار الهدامة والمبادئ المضللة
، كل ذلك بحجة أن الله شاء ذلك !
والحقيقة أن هذه مصيبة كبرى ، وضلالة عظمى ، أدت بالأمة إلى هوة سحيقة من
التخلف والانحطاط ، وسببت لها تسلط الأعداء ، وجرت عليها ويلات إثر ويلات
.
يقول الشيخ الغزالى:"التوازن فى حس المسلم بين الإيمان بالقدر وبين الأخذ
بالأسباب. وهو من أجمل خصائص العقيدة الإسلامية. إن المتواكلين يزعمون
أنهم يتوكلون على الله ثم يهملون الأخذ بالأسباب جملة فيصيبهم ما يصيبهم
من فقر ومرض وجهل وعجز وهوان فى الأرض. وإن الجاهلية الأوربية من جانب
آخر تأخذ بالأسباب منقطعة عن الله وقدره، فتنتج إنتاجاً مادياً ضخماً ما
يصيبها من قلق واضطراب وأمراض عصبية ونفسية وجنون وانتحار وضياع لأنها
تفقد الطمأنينة التى يجدها المؤمن لذكر الله ولقدر الله".(1)
" إن الواجب على الأمة الإسلامية اليوم لتنهض وتتقدم وتترقى في مصاعد
المجد أن تجاهد -بمالها ونفسها- الجهاد الذي أمرها الله به في القرآن
الكريم مرارا عديدة، فالجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف
بالعلوم كلها، فإذا تعلمت الأمة هذا العلم وعملت به دانت لها سائر العلوم
والمعارف". (2)
وجوب الأخذ بالأسباب:
أمر الله بالأخذ الأسباب في كل الأمور والأحوال:
ولقد وجه الله عباده المؤمنين إلى وجوب مراعاة هذه السنة في كل شئونهم
الدنيوية والأخروية سواء.
قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]،وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن
رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
ولقد أخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى طلب من السيدة مريم أن تباشر
الأسباب وهي في أشد حالات ضعفها، قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ
النَّخْلَةِ تُسَاقِطْعَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].
توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغبن بالعجز يوماً عن الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
النبي –صلى الله عليه وسلم –يأخذ بالأسباب:
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل المتوكلين كان أوعى الناس
لهذه السنة الربانية، فكان وهو يؤسس لبناء الدولة الإسلامية يأخذ بكل ما
في وسعه من أسباب، ولا يترك شيئا يسير جزافا.
ففي الهجرة لم يترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرا من الأمور
إلا أعد له عدته، وحسب له حسابه، ورسم له خطته على نحو يستوعب كل الطاقات
والوسائل.
فقد أعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الرواحل والدليل، واختار الرفيق
والمكان الذي سيتوارى فيه - هو وصاحبه - حتى يهدأ الطلب، ويفتر الحماس،
وأحاط ذلك كله بما يمكن للبشر من أخذ الحذر، والكتمان، وأسباب الاحتياط،
وترك للإرادة الإلهية - بعد ذلك - ما لا حيلة له فيه. (3)
وكذلك الأمر بالنسبة لغزوة بدر، وأحد، والأحزاب... وجميع غزواته - صلى
الله عليه وسلم -وكل أموره.
الأنبياء –عليهم السلام يأخذون بالأسباب:
فهذا نوح عليه السلام:{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ
بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ
فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }[المؤمنون : 27]. والفلك وسيلة للنجاة
من الطوفان ، ولحفظ بذور الحياة السليمة كما يعاد بذرها من جديد . وقد
شاء الله أن يصنع نوح الفلك بيده ، لأنه لا بد للإنسان من الأخذ بالأسباب
والوسائل ، وبذل آخر ما في طوقه ، ليستحق المدد من ربه . فالمدد لا يأتي
للقاعدين المستريحين المسترخين ، الذين ينتظرون ولا يزيدون شيئاً على
الانتظار! ونوح قدر الله له أن يكون أبا البشر الثاني؛ فدفع به إلى الأخذ
بالأسباب؛ مع رعاية الله له ، وتعليمه صناعه الفلك ، ليتم أمر الله ،
وتتحقق مشيئته عن هذا الطريق .
وجعل الله له علامة للبدء بعملية التطهير الشاملة لوجه الأرض المؤوف : {
فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ } وانبجس منه الماء ، فتلك
هي العلامة ليسارع نوح ، فيحمل في السفينة بذور الحياة : فَاسْلُكْ
فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } من أنواع الحيوان والطيور
والنبات المعروفة لنوح في ذلك الزمان ، الميسرة كذلك لبني الإنسان {
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ } وهم الذين
كفروا وكذبوا ، فاستحقوا كلمة الله السابقة ، وسنته النافذة ، وهي الهلاك
للمكذبين بآيات الله .
وصدر الأمر الأخير لنوح ألا يجادل في أمر أحد ، ولا يحاول إنقاذ أحد ولو
كان أقرب الأقربين إليه ممن سبق عليهم القول .{ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي
الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ } .
فسنة الله لا تحابي ، ولا تنحرف عن طريقها الواحد المستقيم ، من أجل خاطر
ولي ولا قريب!
ولا يفصل هنا ما حدث للقوم بعد هذا الأمر . فقد قضي الأمر ، وتقرر : {
إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ } ولكنه يمضي في تعليم نوح عليه السلام كيف يشكر
نعمة ربه ، وكيف يحمد فضله ، وكيف يستهديه طريقه :
{ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(28)
وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ
الْمُنزِلِينَ (29) }[المؤمنون ] . .فهكذا يحمد الله ، وهكذا يتوجه إليه
، وهكذا يوصف سبحانه بصفاته ، ويعترف له بآياته . وهكذا يتأدب في حقه
العباد ، وفي طليعتهم النبيون ، ليكونوا أسوة للآخرين .(4)
النبي- صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بالأخذ بالأسباب:
فكان يوجه أصحابه دائما إلى مراعاة هذه السنة الربانية، في أمورهم
الدنيوية والأخروية على السواء،
فيرشدهم دائما إلى الأخذ بما يمكن من أسباب للوصول إلى حياة كريمة بعيدا
عن ذل السؤال ومهانة العوز والحاجة، فعن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا من
الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عطاء، فقال الرسول - صلى
الله عليه وسلم -: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى. حلس نلبس بعضه، ونبسط
بعضه، وقعب نشرب فيه، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - بيده وقال: من يشتري مني هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما
بدرهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من يزيد على درهم؟ مرتين
أو ثلاثا، فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه فأخذ الدرهمين،
وأعطاهما الأنصاري، وقال له: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر
بالآخر قدوما فائتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عودًا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما،
فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال له
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا خير لك من أن تجئ المسألة نكتة
سوداء في وجهك يوم القيامة". (5)
وعن عمرو بن أمية الضمرى – رضى الله عنه- قال: قال رجل : يا رسول الله
أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال : " اعقلها وتوكل ".(6)
والصحابة والسلف الصالح يأخذوا بالأسباب ويحثون على ذلك:
وقد رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – بعض الكسالى القابعين في المسجد
يصلون ويسبحون
فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله، قال: كلنا نعبد الله، قال: من
يرزقكم؟ قالوا: الله، قال: أعلم أن الرازق هو الله ، لكن من يطعمكم
ويسقيكم؟ قالوا: جيران لنا، قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً،
فانتظروه وأغلق عليهم المسجد, وأتى بدرته فدخل عليهم وبطحهم على ظهورهم
وبطونهم ثم قال: فقال لهم :لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم
ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وإن الله تعالى يقول:
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِنْ فَضْلِ اللهِ...} [الجمعة: 10]. اخرجوا واعملوا
نعم، لابد من بذل الجهد، لأن الأخذ بالأسباب والكدح للحصول على ما يرغب
الإنسان في تحقيقه هو ذاته من سنن الله تعالى .
وقيل لأحمد : ما تقول فيمن جلس في بيته ومسجده وقال لا أعمل شيئا حتى
يأتي رزقي . فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم ، أما سمع قول النبي صلى الله
عليه وسلم : جعل رزقي تحت ظل رمحي .
قال سهل بن عبد الله التستري : من طعن في الأسباب فقد طعن في السنة، ومن
طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالدخول في الأسباب سنة النبي صلى
الله عليه وسلم، والتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عمل على سنته
فلا يتركن حاله.
حتى في أمور الآخرة لابد من الأخذ بالأسباب:
وكذلك بالنسبة لأمر الآخرة، لابد من الأخذ بالأسباب حتى يصل الإنسان إلى
ما يرجو من رحمة الله وجنته، قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ
وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم
مَّشْكُورًا} [الإسراء: 19]
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل والقدر:
الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر والتوكل بل هو جزء منه ، ولكن إذا وقع
القدر وجب الرضا به والتسليم له ، ويلجأ إلى قوله : " قدّر الله وما شاء
فعل " وأما قبل أن يقع فإن سبيل المكلف هو الأخذ بالأسباب المشروعة
ومدافعة الأقدار بالأقدار ، فالأنبياء أخذوا بالأسباب والوسائل التي
تحفظهم من عدوهم مع أنهم مؤيدون بالوحي والحفظ من الله ، وكان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - سيد المتوكلين
يأخذ بالأسباب مع قوة توكله على ربه . (7)
وقد ذم الله تعالى أهل اليمن لما كانوا يحجون من بلادهم ولا يحملون معهم
الزاد والطعام، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا وصلوا إلى مكة في الحج
سألوا الناس، فأنزل الله فيهم: { وَتَزَوَّدُوا } [البقرة:197] أي:
تزودوا بالطعام والشراب { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }
[البقرة:197].
وقد نصح رجلان بنى اسرائيل أن يأخذوا بالأسباب ويدخلوا على العمالقة
الباب ويتوكلوا على الله وسينتصرون عليهم بقدرة الله، قال تعالى:{
قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا
ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }
[المائدة : 23]
فلنعمل ونترك النتيجة على الله ،ولكن كيف يكون هذا العمل .
وعقيدة المسلم تجاه الأخذ بالأسباب:
1- عدم الاعتماد عليها، والتوكل عليها، والثقة بها ورجاؤها وخوفها، فهذا
شرك يرق ويغلظ، وبين ذلك.
فاعتماد القلب لا يجوز أن يكون على المخلوق، ويجب أن يكون على الله وحده،
سواء كان الذي يرجى حصوله أمراً عادياً أو كان أمراً عظيماً، فيجب أن
يكون اعتماد القلب على الله وحده.
2- عدم ترك ما أمر الله به من الأخذ بالأسباب، هذا أيضا قد يكون كفرا
وظلما وبين ذلك.
عن أبى هريرة -رضى الله عنه- عن النبى –صلى الله عليه وسلم –قال: المؤمن
القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك
واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شىء فلا تقل لو أنى فعلت كان كذا وكذا
ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان :أخرجه :مسلم
،وأحمد.
فعن أبى خزامة – رضى الله عنه- قال:سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
: أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقي بها ، وتقى نتقيها ، هل ترد من
قدر الله شيئا ؟ قال : هي من قدر الله".(8)
وعن زياد بن علاقة يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء فى الأرض إلا
وضع له دواء غير داء واحد الهرم".(9)
فالعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال . فهي ترد الأمر كله
إلى الله . ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من
شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع . أما أن تتحقق تلك
النتائج فعلاً أو لا تتحقق فليس داخلاً في التكليف ، لأن مرد ذلك في
النهاية إلى تدبير الله . (10)
لا تمكين بدون الأخذ بالأسباب:
إن من أهم السنن الربانية التي ترتبط بعلاقة مباشرة مع سنن التمكين سنة
الأخذ بالأسباب.
فقد قدر الله سبحانه وتعالى لدينه أن ينتصر، وللمسلمين أن يُمكنوا،
وللمشركين أن ينهزموا، ومع ذلك فهل قال الله تعالى للمسلمين: ما دمت قدرت
لكم النصر والتمكين فاقعدوا وانتظروا إنفاذ قدري، وهو لابد نافذ؟ كلا،
وإنما قال لهم: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ
وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ
وَعَدُوَّكُمْ...} [الأنفال: 60] وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ
اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}
[محمد: 4].
وقال عز وجل: {إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ،وليس الله - سبحانه وتعالى - عاجزا عن نصرة
الحق بغير الأدوات البشرية، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، ولكن هكذا
اقتضت مشيئته وهكذا تجري سننه. فلابد من اتخاذ الأسباب للنصر والتمكين،
وإن كان ذلك قدرًا مقدورًا من عند الله. (11)
علي المرء أن يسعي إلي الخير جهده وليس عليه أن تتمّ المطالب
علي المرء أن يسعي إلي الخير جهده وليس عليه إدراك المقاصد
إذا أردنا التقدم والرقى فلنأخذ بالأسباب:
وإن تأخر المسلمين اليوم عن القيادة العالمية لشعوب الأرض لم يكن ظلما
وقع بهم، بل كان نتيجة طبيعية لقوم نسوا رسالتهم، وحطوا مكانتها، وشابوا
معدنها بركام هائل من الأوهام في مجال العلم والعمل على سواء، وأهملوا
السنن الربانية، وظنوا أن التمكين قد يكون بالأماني والأحلام، ولكن
هيهات، بل هذا من صميم العدل الإلهي، قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران:
182]. (12)
السنن الإلهية لا تحابى أحدا:
فغير المسلمين لم يبلغوا ما بلغوه لأنهم أقرب من الله أو أرضى له، ولم
يبلغوا ما بلغوا بسحر أو بمعجزة أو لأنهم خلق آخر متميز، ولم يقيموا
الصناعات أو يجوبوا البحار، أو يخترقوا أجواء الفضاء لأن عقيدتهم حق، أو
لأن فكرهم سليم، إنهم بلغوا ذلك لأن السبيل إلى هذا التقدم درب مفتوح
لجميع خلق الله مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، قال تعالى: {مَن كَانَ
يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15].
إن الله - سبحانه وتعالى - جعل التمكين في الحياة يمضي بالجهد البشري،
وبالطاقة البشرية على سنن ربانية ثابتة، وقوانين لا تتبدل ولا تتحول، فمن
يقدم الجهد الصادق ويخضع لسنن الحياة يصل على قدر جهده وبذله وعلى قدر
سعيه وعطائه. (13)
فما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحصلوا كل أسباب القوة، فهم يواجهون
نظاما عالميا وقوى دولية لا تعرف إلا لغة القوة، فعليهم أن يقرعوا الحديد
بالحديد، ويقابلوا الريح بالإعصار، ويقاتلوا الكفر وأهله بكل ما يقدرون
عليه، وبكل ما امتدت إليه يدهم وبكل ما اكتشف الإنسان ووصل إليه العلم في
ذلك العصر من سلاح وعتاد واستعداد حربي، لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون.
(14)
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطئمناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح
اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك
يا رب العالمين.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الشيخ عبدالعزيز رجب
المصادر والمراجع:
(1)ركائز الإيمان – محمد الغزالى:408
(2) لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ الأمير شكيب أرسلان، ص164.
(3) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة المقبلة.د. القرضاوي، ص17، 18.
(4) في ظلال القرآن - سيد قطب(5/233)
(5) أخرجه: أحمد،و التِّرْمِذِي : وقال :حديثٌ حَسَنٌ
(6) أخرجه :الترمذى ، وقال : غريب . وابن خزيمة ،والبيهقى ،والطبرانى
(7) أركان الإيمان-110
(8) أخرجه: الترمذي وابن ماجة والحاكم وأحمد
(9) أخرجه:أحمد ، وأبو داود ، والترمذى وقال : حسن صحيح .
(10) في ظلال القرآن - سيد قطب(5/479)
(11) أنظر:مفاهيم ينبغي أن تصحح - ص262، 263 ،حول التفسير الإسلامي
للتاريخ - محمد قطب، ص104.
(12) الغزو الثقافي يمتد من فراغنا للغزالي، ص147: 150.
(13) أنظر:فقه النصر والتمكين –الصلابى - ص:250 وما بعدها
(14) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ لأبي الحسن الندوي، ص225.
|