منتدى موقع التاريخ

الإصلاح في فكر محب الدّين الخطيب *

تمهيد  

يُعتَبر السيِّد محب الدّين الخطيب([1]) من العلماء الذين قضُّوا حياتهم في خدمة الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، وهو من المفكِّرين الذين أغنوا المكتبة العربية والإسلامية بكثير من الكتابات والتحقيقات التي بَعَثَتْ تراث العروبة والإسلام . إلا أنَّ البعض يأخذ عليه حسَّه القومي ، ومشاركته في الثورة العربية الكبرى التي قامت في عام 1916م ، والتي كانت السبب في القضاء على الخلافة الإسلامية ، متناسين أن هذه الخلافة كانت مسؤولة بشكل كبير عن الوضع المزري الذي وصلنا إليه ، من خلال سياسة سلاطينها التجهيلية ، وضيق أفقهم ، وظلمهم وتهاونهم بمصالح البلاد والعباد .

وهناك آخرون لا يرون في محبِّ الدين غير داعية لمحاربة الشيعة وكشف عقيدتهم ، حتى أنّهم صادروه لمصلحتهم ، وحجَّموا هذا الكاتب الكبير في نوع واحد من الكتابة ، لا يعبِّر أبداً عن فكر الرجل الكلِّي ، الداعي إلى رفعة العرب والمسلمين في كلِّ مكان . وصار محب الدين عند الكثيرين عدوّ الشيعة الأول، ومن رؤوس السلفيَّة التي اتخذت من مبدأ الولاء والبراء سلاحها لتكفير كلِّ من يخالفها في آرائها ، حتَّى صنَّفه بعضهم بأنَّه من رؤوس التشيُّع السنِّي ([2]) .

        وفي الحقيقة فإن في هذا ظلماً كبيراً للرجل ، فمُحب الدين رجل من البشر يخطئ ويصيب ، وهو وإن كان أخطأ في بعض مواقفه وأقواله وكتاباته ، فهذا يجب أن لا يمنعنا عن إعطائه مكانته التي يستحقُّها كعالم محبٍّ لأمَّته ، مفتخر بدينه . ويجب أن لا يمنعنا عن قراءة مقالاته لفهم أفكاره ، فإذا فعلنا ذلك فسوف نعرف أنَّ محب الدين الخطيب هو من أكثر المدافعين عن أمَّته وأصالتها ، وأنَّ دعوته للعروبة لا تتناقض بتاتاً مع التزامه بدينه ودفاعه عنه .

        أمَّا مهاجمته للشِّيعة فناتجة عن رغبته بالدفاع بصورة رئيسية عن حملة رسالة الإسلام ، الذين نشروه في كلِّ بقاع الأرض ، لذلك فقد وجد في كتابات الشيعة ما يمسُّ إيمانه الراسخ بفضل الصحابة حملة رسالة الإسلام ، فهاجم مذهبهم بالطريقة التي نعرفها . وما أحوجنا لفهم أفكار الرجل ، ووضعها في سياقها الظرفيِّ والتاريخيِّ ، فأمَّتنا أحوج ما تكون إلى رصِّ الصُّفوف ، ومحاربة الطائفيَّة البغيضة ، التي تضعف أمَّتنا ، وتشتت قواها . لذلك فقد أردت من هذا البحث أن يكون نافذة تكشف جانباً مهمّاً من فكر السّيّد محب الدّين, وتظهر لنا ذلك الكاتب المفكر, الّذي كان يسعى لخدمة أمّته ودينه.

        عاش محبُّ الدين في فترة هامَّة من فترات التاريخ العربي ، هذه الفترة التي استقلَّ فيها العرب عن التُّرك ، وبدؤوا بتكوين دولتهم الخاصَّة البعيدة عن أيِّ سيطرة خارجيَّة كما كانوا يعتقدون . وكان الأمل كبيراً بعد الإستقلال بأنْ يعمل العرب للنَّهضة ، واللِّحاق بركب الحضارة ، وتعويض ما فاتهم من تقدُّم ، إلا أنَّ هذا الأمل لم يدم طويلاً ، فقد ظهر خداعُ الأوروبيين وسيطروا على البلاد العربية ، وزادوا من تخلُّفها وجهلها ، ومنعوا نهضتَها من القيام ، بل قتلوا الأمل الذي شعَّ في النفوس البائسة ، ولم يخرجوا إلا بعد أن جعلوا الوضع أسوأ مما كان عليه أيام التُّرك ، فالتَّخلُّف واحد ، والاستبداد واحد ، إلا أنَّ البلاد مجزَّأة ، والقوى مهدرة ، وليس هناك مَن يستطيع أن يجمع الصُّفوف ، ويوحِّد القلوب . هذه الحالة التي استولت على العرب ، ردَّتْهم إلى الجاهليَّة الأولى ، فماذا يفعل صوت مفكِّر ينادي بالوحدة ؟ أو صوت مصلح ينادي بالإصلاح ؟ وبالرَّغم من هذا الوضع المتردِّي لم تسكت الأصوات المنادية بالوحدة والإصلاح .

        وكان السيد محب الدين من المفكرين الذين دعوا إلى إصلاح الأمَّة ، فهي بحاجة إليه في كلِّ المجالات الإجتماعيَّة والإقتصاديَّة والسِّياسيَّة والتَّربويَّة . وهو يعرف أنَّ الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة هي أمَّة متخلِّفة ومتأخِّرة ، وتحتاج إلى الكثير من العمل الجادِّ والمخلص لتستطيع أن تنهض وتلحق بركب الحضارة . وكان في كلِّ كتاباته يصوِّر حالَ هذه الأمَّة ، الحال المحزنة التي وصلت إليها من التخلف والتأخُّر ، والضَّعف وتسلُّط الأعداء . هذه الحال المتردِّية التي وصلت إليها الأمَّة ، كانت برأيه نتيجة من نتائج السيطرة التُّركيَّة عليها ، فقد أرسى الأتراكُ التَّخلُّف والجهل في البلاد العربية ، « فكان العِلْم الدِّينيُّ الإسلاميُّ في دولة السُّلطان عبد الحميد([3]) (كما وصف السيد محبُّ الدين) يُوزن أهله بموازين الرُّتَب الرَّسميَّة ... وكانت قبلةُ المسلمين في زمن ملك البرَّيْن والبحرين ، وخادم الحرمين الشَّريفين ، المثلَ الأكمل للفوضى والجوع وسفك الدِّماء ... وبغداد تحوَّلت زمن الحكم الحميدي إلى قرية خربة لا تساوي عُشر قيمتها اليوم . واليمن كانت دار حرب تُسفك فيها دماء العرب والتُّرك جميعاً على توالي السِّنين باستمرار حتَّى سُمِّيَت بحقٍّ مقبرة الأناضول . ومقاطعة طرابلس الغرب ... صارت مُقْفِرة من العلم والتعليم ، فلا يوجد فيها مِن أبنائها حامل شهادة عالية إلا رجل واحد ... ومكَّة والمدينة لم تكن توجد فيهما مدرسة واحدة تستحقُّ أن تُسمَّى ابتدائية ... وكانت المدرسة الأميرية الثانوية التي تعلَّمتُ أنا فيها بدمشق ، عاصمة الأمويين ، تُدرِّس جميع المواد فيها بالطَّمطمانيَّة التُّركيَّة ... وكانت المناصب المهمَّة كالقضاء والإدارة لا تُشْتَرط لولايتها كفاءة علمية ، حتى ولا شهادات معيَّنة ، بل تُمنح لمن يتقرَّب بالبذل لمن بيده التَّعيين »([4]) .

        فمحبُّ الدين كان يُحَمِّل العثمانيين ومِن بعدِهم الاتحاديين مسؤوليَّة التَّخلُّف والجهل الذي عانت منه الأمةُ العربية ، مما أدَّى إلى سيطرة من نوع آخر على هذه البلاد ، هي سيطرة الأوروبيين الذين استغلُّوا  « ضَعف الأمة العربية القوميَّ والاجتماعيَّ من ألف سنة أو تزيد ، فجريمة ضَعفنا هي التي جرَّت علينا مساوئَ الحكم السابق للاحتلال الفرنسيِّ ، ومساوئ ذلك الحكم هي التي صارت بنا إلى احتلال أوروبا العسكري » ([5]) . وقام هؤلاء المستعمرون الأوروبيُّون بالتخطيط لامتلاك رقاب الشُّعوب العربية ، فجعلوهم يهتمُّون بتوافه الأمور وزخارف الدُّنيا ، ولم يثيروا فيهم الاهتمام بالعلم أو التقدُّم الحقيقي ، فالغرب برأيه لَمَّا أراد أن يملك رقاب الشُّعوب ... استهواها بملاهيه وزخارفه وأهوائه وموبقاته ، ولا خلاصَ لهذا الشرق العربي مِن شِراك الغرب إلا إذا عدل أهله عن تلك الزخارف والموبقات([6]) .

        ومن خلال قراءتي لكتابات محبِّ الدين الخطيب أستطيع أن أُجْمِلَ نظرته للإصلاح بالنِّقاط التالية :

1 ـ التّربية والتّعليم :

        كان محبُّ الدين يرى أنَّ التعليم في البلاد العربية والإسلامية هو تعليم متخلِّف ، ليس له هدف ولا غاية إلا الحصول على الوظيفة ، فمنذ عهد العثمانيين كانت « آمال النَّشءِ العربي في كلِّ مدرسة للدولة العثمانية في البلاد العربية ، أن يحذقوا لغةَ التُّرك تكلُّماً وإنشاءً وأدباً ، ليتولَّوا بعد ذلك وظائف الدَّولة في بلادهم ، والبلاد العثمانية الأخرى » ([7]) ، وظلَّ هذا الهدف في نفوس طلابنا حتَّى بعد أن استقلَّت البلاد العربية عن الدولة العثمانية وذلك لأنَّ المستعمر الأوروبي قد رسَّخ هذا الهدف في نفوس طلابنا ، فأصبح همُّهم « الحصول على تلك الورقة التي يسمُّونها شهادة ، لِيتسنَّى السَّعْي بواسطتها للوظائف التي اشترطت تلك الشهادة للحصول عليها » ([8]) .

وكان يرى أنَّ أكثر العيوب التي نجدها في مدارسنا « أنَّها معاهد تعليم لا معاهد تربيَّة ، وأنَّ التَّعليم فيها نظريٌّ ، قلَّما يستفيد منه صاحبه في معترك الحياة وميادين العمل . وأنَّ هذا التعليم النظري يتناول الذاكرة والحفظ أكثر مما يتناول الوعي والفقه » ([9]) . فهذه المدارس لا تهتمُّ بتربية النَّشء بقدر ما تهتمُّ بتلقيتهم مجموعة من العلوم لا تفيدهم في مواقعهم ، فيبقى الطالب جاهلاً بما يجب عليه أ ن يتعلَّمه ، ويتعلَّم أشياء للحفظ دون الاستخدام ، وهي لا تميِّز بين تعليم علوم الثقافة وتعليم علوم الطبيعة والرياضيات والعلوم العالمية الأخرى .

وكما نلمس في وقتنا الحاضر ، فإنَّ هذا الوصف ما زال على حاله ، وما زالت مدارسنا ومناهجنا تعاني من القصور نفسه ومن التخلُّف عينه ، ومازال الطلاب لا يفهمون الرابط بين ما يدرسونه في مدارسهم وما يعيشونه في واقعهم ، لأنَّ مناهجنا ما زالت نظرية بعيدة عن التطبيق ، ومازال هؤلاء الطلاب يطلبون العلم سعياً وراء غايات وأهداف بعيدة عن رُقِيِّ العلم وهدف الحضارة وبناء المجتمع . وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على أننا ما زلنا نراوح في مكاننا ، وما زلنا نعاني من نفس المشاكل التي عشناها منذ سنين طويلة .

ومحبُّ الدين الخطيب كان يرى أنَّ هذه المدارس كانت بحاجة إلى إصلاح ، ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح بتغيير مفهوم وهدف التعليم في نفوس الطُّلاب . ويجب أنْ نغيِّر من أساليب ومناهج التعليم عندنا بما يتناسب مع حاجاتنا العلمية والعامة ، والتي تخدم تطلُّعنا نحو الحضارة والتقدُّم . فقد كان يرى أنَّ برنامج مدارس الناشئة يجب أنْ يُقتَبَس من أحوال مدرسة المجتمع الكبرى فالذي تصدَّى لتنشئة أبنائنا يجب عليه أن يطيل النظَرَ في مدرستنا الاجتماعية الكبرى ، ويكتشف ما غمَّ فيها من عيوبنا ونقائصنا ، فيعمل في مدارس أبنائنا على إصلاحه وتلافي أضراره ، وبهذا تخرج مدارسنا من الشكل التقليدي البارد ، المؤسسة برامجه على أحوال بلاد غير بلادنا ، أو أزمان غير زماننا » ([10]) .

وهنا يقدِّم السيد محبُّ الدين فكرة مهمَّة ، وهي ضرورة الإصلاح ، وعدم التغافل عنه ، وضرورة أن يناسب هذا الإصلاح حياتنا وهويَّتنا وديننا ، فليس المطلوب التغيير لمجرد التغيير ، بل لابدَّ أن يكون هذا التغيير مدروساً ، ومتلائماً مع حاجة المجتمع ، ومتناسباً مع صبغتنا العامَّة وهويَّتنا الخاصَّة .

وكان يرى أن وظيفة المدرسة ليست قاصرة على شحن الذاكرة بمعلومات لا يعرف الناشئون كيف يستفيدون منها في معترك الحياة, ، لكنَّ وظيفة المدرسة ، برأيه ، أن تُعِدَّ للبلاد رجالاً ذوي مطامح بعيدة المرمى شريفة السمعة ، يسعون إليها بأجسام قوية ، وعزائم ثابتة ، وصبر جميل ، سالكين أقرب طرقها ، ومُتَحَلِّين بالمعلومات النَّافعة لهم ، في أعمالهم الخاصَّة وواجباتهم العامَّة » ([11]) .

وكان يؤمن بتأثير التَّربية على كلِّ شيء فينا ، فبها نكون رجالاً صالحين في المجتمع ، أو لصوصاً وقتلةً ومتشرِّدين ، وبها نكون كرام النفوس محبِّين للإحسان ، أو لِئاماً وبخلاء ومفسدين . وبها نكون صحيحي الأجسام نشيطين مرنين ، أو ضعافاً وكسولين ومتقاعسين ([12]) .

وكان يعتبر أنَّ المعلِّم هو الأساس ، وهو الذي يتحمَّل أكبرَ المسؤولية في عملية التعليم ونجاحِها ، وفي تحسين هذه العملية ، وفي نقل الطالب من مرحلة الحفظ دون الفهم ، إلى مرحلة الفهم والاستيعاب . وللمعلِّم الدور الأكبر في التغلُّب على النواقص التي توجد في المناهج التعليمية ، ويجب عليه أن يحاول إصلاحها ، ويتدارك الأخطاء الموجودة فيها . ويوجب على علمائنا أن يعدلوا عن أساليبهم الحاضرة في كلِّ شيء ، ولا يكون ذلك إلا بأمرين ، يتجلَّى في أحدهما جمالُ الجديد ، وفي الآخر جلالُ القديم ، فأمَّا الأول فهو أن تُؤلَّف للدراسة في المعاهد الدينية الإسلامية كُتُبٌ جديدة خالية من الحشو ، بريئة من التردُّد ، سهلة المأخذ ، حسنة التأليف والتبويب والتقسيم ، تُوصِل الطالب إلى فهم القواعد بأقصر وقت ، وتضمن تثبيت القواعد في ذهنه بالأمثلة الواضحة ... أمَّا الأمر الثاني الذي يتجلَّى فيه جلال الماضي ، فهو تعويد الطلبة مراجعة كتب الصدر الأول في جميع العلوم الإسلامية والآداب العربية ، لأنَّ فيها ينبوع الإسلام الصافي ، وأدب العرب الجزل ، وثمرات عقول السلف أيامَ النضوج ([13]) .

وكان يُردِّد بشكل مستمر ، بأنَّ المعلِّم هو المسؤول الأول ، وبشكل كبير ، عن نقل الأمَّة من حالة التخلُّف والجمود ، إلى حالة الرُّقيِّ والتقدُّم ، وهو مسؤول عن انتقاء المواد التي يعلِّمها لطلابه ، لذلك يجب عليه أن يعرف ماذا يختار من العلوم التي  تفيدهم في حياتهم . وكان ينادي : « مَن لي بمن يخبر معلمي المدارس بما أخذوا على أنفسهم من الواجبات العظمى ؟ إننا لا نطلب من معلمي المدارس أن يعلِّموا أولادنا أشياء كثيرة ، يكفي أولادنا من مسائل العلم ما يحتاجون إليه في هذه الحياة ، أمَّا نحن فقد كان معلِّمونا يعلِّموننا أشياء لم تلزم لنا حتَّى الآن ، وفاتَهُم أن يعلِّمونا أموراً تلزم كلَّ إنسان » ([14]) .

وهذا المعلِّم لا يكون معلِّماً صالحاً ، برأيه ، ويستطيع إعدادَ الرجال العظماء ، ما لم يُغَطِّ على عيوب المنهج ، كما يغطِّي القاضي الحكيم على جوانب النَّقص في القانون . والمعلِّم الصالح أَبٌ نصوح ، وضع اللهُ يدَه في أيدي رجال الغد ليذهب بهم إلى المُهِمَّة التي تنتظرهم في الغد ، فيزوِّدَهم بالمبادئ السديدة ، والقواعد الرشيدة ، التي يناولون بها الفلاح فيما يضطلعون به من عمل ، فيكونوا أعضاء نافعين في المجتمع ([15]) .

ومحبُّ الدين كان يدعو الجميع إلى المساهمة في تهيئة معسكر التربية والتعليم لإخراج جنود قادرين على مصارعة الجهل والشُّرور والرذائل ، وإبادة الضَّعف والفقر والخمول ، والقضاء على اليأس والتفرُّق والانحلال ([16]) . ويجب علينا ، برأيه ، أنْ نُعِدَّ الجيل إعداداً مناسباً ، ونَبْنِيهِ بناءً مناسباً ، من أجل النهضة المرتقبة ، ولا يكون ذلك إلا بتضافر الجهود مجتمعة ، المدرسةُ مِن جهة ، والمعلِّمُ من جهة أخرى ، والمجتمع ككل من جهة ثالثة . فالبناء الجديد الذي من رسالة الجيل الجديد أن يقوم به يدور حول مهمَّتَيْنِ اثنتين ، أمَّا أُولاهما فَبَعْثُ تراثنا القومي من تاريخ وأخلاق وعلوم وسنن ووصايا ، وتعيين أهدافنا إلى أن نعرف كياننا القومي كما كان في الماضي ، وكما يجب أن يكون في المستقبل ... أمَّا المهمَّة الثانية ، فهي مطاردة آثار الاستعمار في نفوس أبناء الجيل ، وفي مرافقهم ، وفي بيوتهم ، وفي عاداتهم وأنظمتهم ، ثمَّ مطاردة معاني الضَّعف التي طرأت على مفهوم الدين في عقول العامَّة وأشباه العامَّة ما لم يكن للصَّحابة والتابعين علم به ، في نفوس الجيل العربي الجديد ... وبذلك نبعث سنن الإسلام الصحيحة في مجتمعنا الإسلامي المعاصر ([17]) . ولن يتمَّ لنا ذلك إلا إذا عرفنا أهمية التربية والتعليم ، فبهذه التربية تُبنَى الدَّولة ، وبها نصل إلى الأهداف التي نريد ، يقول : « إنَّ أسلوب التَّربية والتثقيف في المدارس والجامعة هو الذي يبني الدولة ، وهو الذي يكوِّن الوحدة ، وهو الذي يسير بالأمَّة إلى الأهداف » ([18]) .

2 ـ فقدان الهويّة :

عالج محب الدين الخطيب مسألة أخرى كان يعتبرها السبب الرئيس في تخلُّف العرب والمسلمين ، وهذه المسألة هي فقدان الهوية الخاصَّة التي تلزم للتقدُّم والرقي . والمقصود بهذه المسألة هو الهوية الاجتماعية التي يجب أن تُمَيِّز الأمَّةَ العربيَّة والإسلاميَّة عن غيرها من باقي الأمم ، وتميِّز تقدُّمها وحضارتها ، بحيث تُعرَف بين أمم الأرض بهذه الهوية وهذه السِّمَة . ويجب أن لا تذوب هذه الأمَّة في الأمم الأخرى لأنَّها أمَّة عريقة ذاتُ حضارة وعلم ، ولكنَّ الظُّروف المحيطة لم تساعدها على إظهار هذه الهوية بالشكل المطلوب . وكان يرى أنَّ هذا الأمر هو مرضٌ أصاب الأمَّة العربية : « من جملة الأمراض التي أصابتْها جرَّاء التخلُّف الذي حلَّ فيها ، وقد جاءنا أيضاً من إهمال أهل الرأي فينا تنظيم حياتنا الاجتماعية وجَعْلها ملائمة لديننا من جهة ، ولمصلحتنا من جهة أخرى . وهنا نعود فنقول : العيب في القيادة . أي في الذين بيدهم القيادة الفكرية أولاً ، والقيادة المالية ثانياً » ([19]) .

وكان يعتبر أنَّ البلاد العربية والإسلامية فقدتْ قيادتها الفكرية ، وفقدت بالتالي هويَّتها الحقيقية ، لأنَّ أهل الرأي والفكر تركوا الأمور تسير دون ترشيد أو تصحيح أو تحسين ، ولم يحاولوا إزاحة ما فيه ضرر على عقيدتنا وهويَّتنا ، وأصبحت الأمور مختلطة ، لا يُعرف الصحيح من الخاطئ ، « فالتطور الاجتماعي الجديد قد هاجمنا كالسيل المتدفِّق ، سواء أردناه أو لم نرده ، ومن سوء حظِّنا أنَّ طلائعه جاءتنا ممزوجة الخير بالشرِّ ، مختلطة النفع بالضرِّ ، فإذا أردنا أن نجعل هذا الوطن وطن علم وقوَّة ونظام وغنى ، يجب علينا أن نأخذ بما في هذا التطور الاجتماعي الجديد من أسباب الخير ، ونُنَصِّب أنفسنا دعاة لها ، ومحرِّضين عليها ، فنرفع بلادنا إلى مستوى البلاد الراقية ، وأنْ نهذِّب أخلاقنا ، ونطهِّر أعراقنا باجتناب ما جاءنا مع هذا التطور الاجتماعي من أسباب الشر ، ونُنَصِّب أنفسنا نهاة عنها ، ومحذِّرين منها » ([20]) .

ويجب ، برأيه ، أن نعرف أنَّ أمَّتنا قد امتازت بميزة أساسية ، وهي أنَّ آخرها متَّصل بأولها ، وأنَّ ماضيها من ثروة حاضرها ، وأنَّ أهداف مستقبلها مرسومة في سنن أسلافها ([21]) . وعلى هذا فإنَّ نهوض الأمة منوط بمعرفة ماضينا والمحافظة على تراثنا وهويَّتنا ، وسيكون تقدُّمنا الاجتماعي مرتبط بمدى معرفتنا لهويَّتنا ولتراثنا ، فلا نأتي بما يخرجنا عن هذه الهوية . لذلك فإنَّ « الخوف علينا ليس من أعدائنا مهما كانوا ، وإنَّما الخوف علينا من تقصيرنا وغفلتنا » ([22]) . وهذا الذي كان يُحَذِّر منه ويدعو إليه ، هو نفسه الذي وقع فيه العرب والمسلمون فيما بعد, حيث عانوا من آثاره ونتائجه السيئة في كلِّ مرافق حياتهم . لذلك فإنَّ العرب والمسلمين اليوم مطالبون بأن يرسموا الخطط اللازمة لنهضتهم الاجتماعية ، لأنَّ الزمن الذي كان يرتجل فيه المسلمون مخرجاً لكلِّ نازلة قد انقضى ، وآن لهم أن يرسموا لاتجاههم العام خططاً ، يتَّصل آخرهم بأوِّلهم ، ويتعاون على تحقيقها باديهم وحاضِرُهم ، ويؤمن بضرورة الوصول إلى أهدافها أفرادهم وجماعاتهم ([23]) .

ويجب على العرب والمسلمين أن يعرفوا أنَّ هناك عقبات تعترض طريقهم للسِّيادة والترقِّي والحضارة ، ويجب عليهم أن يعرفوا هذه العقبات ليسهل عليهم إزاحتها . وبيَّنَ السيد محبُّ الدين في إحدى مقالاته أنَّ هناك عقبتين تعترضان طريق العرب والمسلمين للسيادة « أمَّا أولاهما ، وهي أصعبهما ، فانصرافنا عن الإنتفاع بما أنعم الله به علينا من هداية ديننا ومزايا قوميَّتنا وكنوز أوطاننا ، والقوى التي أودعها الله في نفوسنا . أمَّا العقبة الأخرى التي تَحُول في الدَّور المنصرم بيننا وبين السّيادة ، فتكالُب أعدائنا علينا ، واستعمارهم لبلادنا بصناعاتهم العليا ، ومتاجرهم الواسعة ، وأموالهم النامية بالأنظمة الدقيقة . وأقبح ألوان استعمارهم لنا استعمارهم لعقولنا وقلوبنا ونفوسنا ، بما رسموه لنا من مناهج التربية والتعليم ، وبما سلَّطوه علينا من أذواق وآراء وأفكار واتجاهات واقتناعات ، حتى انسَلَخْنا عن ماضينا ، وتحوَّلنا عن أهدافنا ، وجَهِلنا أنفُسَنا ، واستخففنا بها وبأصولها ، وسخرنا بكلِّ ما لا يدمجنا في كيانهم المعنويِّ ، وكلِّ ما لايصبغنا بلونهم الأدبي ([24]) .

ولا أدري ماذا سيقول السيد محبُّ الدين لو أنَّه عاش هذا الذي نحن فيه من ذوبان وتقليد واستلاب وضياع ، حتَّى صار كلُّ صوت يدعو للمحافظة على الهويَّة ، هو صوت متخلِّف ، وحتَّى غدا كل مدافع عن تراثنا وديننا متحجِّراً لا يقبل التغيير والتطوير ، وحتَّى صارت كلُّ دعوة للمراجعة والاستفادة من الأخطاء والاعتبار هي دعوة للرُّجوع إلى ماضٍ عفى عليه الزمان , فللَّهِ الأمر من قبل ومن بعد .

3 ـ الاقتصاد :

ومن المجالات التي دعا محبُّ الدين إلى إصلاحها أيضاً الاقتصاد ، لأنَّ الاستقلال الحقيقي لأيِّ دولة لا يتمُّ إلا باستقلالها الاقتصادي . فقد كان يقول : « أنا أفهم للاستقلال معنىً واحداً وهو أن تكون الأمَّة غير مقيَّدة بمصالح دولة أخرى تَحُول بينها وبين اكتساب المرونة الصناعية ، والاستثمار الزراعي والمعدني ، والتوسُّع المالي والتجاري ، والاستعانة بالآداب الناشئة وإعدادها لجليل الأعمال ، وحسن استخدام مرافق البلاد وقوى سكانها في سبيل الغايات المشار إليها . فإذا قيَّض اللهُ لأمَّةٍ أن تتخلَّص من ربقة الانقياد لإرادة أمَّة أخرى كانت ذات مصالح مخالفة لمصالحها ، فإنَّ هذا التخلُّص يكون حينئذ نعمة سلبية لا إيجابية ، أيْ أنَّ هذه النعمة تكون مبنيَّة على أساس زوال الضَّيْر ، لا على أساس تحصيل الخير . ولا يتأتَّى تحصيل الخير إلا بنهوض الأمَّة كلِّها للسَّعي له في طريقي الاستقلال الاقتصادي ، والأخلاق الفرديَّة والاجتماعية » ([25]) .

ودعا محب الدّين إلى تأسيس مصرف ماليٍّ عربي ، مؤَسَّس على أساس متين ، ويكون خطوة من خطوات الإصلاح الاقتصادي في بلاد العرب والمسلمين . وكان يرى أنَّ المصارف الوطنية هي عنوان الاستقلال ، فنحن الآن أمام فرصة سانحة لإلقاء أخطاء اقتصادية كثيرة بتأسيس مصرف ماليٍّ عربي تشترك الأمَّة والحكومة معاً في تأسيسه ... المصارف الوطنية عنوان الاستقلال الاقتصادي ، والاستقلال الاقتصادي دعامة الاستقلال السياسي ([26]) .

وعندما تصبح الأمَّة قادرة على تربية أبنائها تربية اقتصادية صحيحة ، ليكونوا تُجَّاراً وطنيين ، أو صُنَّاعاً وطنيين أو زُرَّاعاً وطنيين ، عند ذلك تملك اقتصادها ، وعند ذلك سوف تستطيع أن تكون أمَّة ناهضةً راقي&#