منتدى موقع التاريخ

التعليم والنهضة

رغداء زيدان/ سوريا 


تمهيد

          سمعت قصة لا أعرف مدى صحتها تقول إن امبراطوراً لليابان في القرن التاسع عشر أرسل بعثات علمية إلى أوروبا من أجل أن يكونوا نواة لنهضة اليابان، وعندما عاد هؤلاء الطلاب أقام لهم حفلاً كبيراً، وفي الحفل راح يسأل كل واحد منهم عن دراسته وكيف سيساهم في نهضة البلاد، فقال أحدهم أنا تعلمت اللغات الأجنبية، وقال آخر أنا تعلمت فنون الرسم والتشكيل، وقال ثالث أنا تعلمت الموسيقى، وقال آخر وأنا تعلمت فنون الإتكيت والتعامل الراقي... إلخ، فلم يجد الإمبراطور في هذه العلوم ما يمكن أن يساهم في نهضة بلاده، فسألهم عن فائدة هذه العلوم ومدى حاجة البلاد لها، فلم يجد الجواب الشافي منهم، فقام من فوره وأصدر فرماناً يقضي بإعدام هؤلاء جميعاً، فأعدموا في نفس الحفلة التي أقيمت للترحيب بهم، وأرسل بعثات أخرى ليتعلموا علوماً يعرفون كيف تنهض باليابان.

إن فعلة إمبراطور اليابان على فرض صحتها وعلى الرغم من قسوتها تُظهر تفهّم هذا الإمبراطور لشروط النهضة، فهو لا يحتقر هذه العلوم لذاتها، ولكنه يريد منها أن تساهم فعلاً في نهضة بلاده، وهو عندما سأل الطلاب وجد أنهم أخذوا علوماً لم يعرفوا لماذا تعلموها، وماذا ستفيد بلادهم، تعلموا علوماً وحفظوها دون أن يحددوا هدفهم من تعلمها، لذلك فقد اعتبرهم الإمبراطور خونة، أو في أحسن الأحوال أغبياء، عالة، لا يهمهم بلدهم، ولا تهمهم نهضته، ومن المستحيل أن تقوم نهضة اليابان على أيديهم.

في بلادنا

          كثير من المثقفين في البلاد العربية يرون أن اقتداءنا بالنموذج الغربي سيحمل التقدم المنشود لبلادنا المتخلفة، فهم متأكدون من أن كل ما يمت إلى الغرب هو قمة التطور والرقي وكل ما يتصل بمجتمعاتنا من قريب أو بعيد هو تخلف وجمود.

          وحقيقة فإن هذه النظرة ما هي إلا مظهر من مظاهر الاستلاب التي يحكم الكثيرين في بلادنا، لأسباب كثيرة لسنا في معرض الحديث عنها الآن، ولكن ما يلفت النظر هو هذه السطحية في طريقة مطالبتهم بتطبيق النموذج الغربي في حياتنا، ومحاربة كل ما يميزنا، وكل ما يتصل بديننا ولغتنا وماضينا وحاضرنا وشعوبنا، لدرجة صار فيها كل من يتحدث عن هويتنا وخصوصيتنا أو عروبتنا وديننا هو متخلف رجعي عدو للتقدم والتطور جاهل غير ديمقراطي ولا يريد لأمتنا التقدم والتطور، (على اعتبار أنهم يطالبون بالنموذج الغربي من أجل الاصلاح والتطوير لهذه البلاد المتخلفة، حتى لو استدعى ذلك التخلي عن استقلالنا، فضلاً عن محق هويتنا وديننا).

          لا ننكر أن بلادنا العربية في حاجة ماسة للإصلاح، ولعل أهم القطاعات التي تحتاج إلى الإصلاح هو قطاع التعليم، لأنه أهم وسيلة للنهضة.

          وقد تعالت الأصوات منذ زمن طويل وفي كل مكان من عالمنا العربي مطالبة بإصلاح التعليم، وتغيير المناهج التعليمية لتكون قادرة على مواكبة الحضارة، وليكون العلم وسيلتنا للإصلاح والتطور.

          وبالطبع فإن النموذج الغربي كان هو النموذج الأرقى في نظر المتحضرين من مثقفينا، هذا النموذج الذي يهتم بتعليم العلوم واللغات والموسيقى والفن، والذي سيخرّج أجيالاً متحضرة، ديمقراطية، تعمل على الارتقاء بأمتنا إلى مصاف الأمم الحية.

وقد انتشرت في بلادنا مدارس أجنبية تعلّم اللغات، والموسيقى والفن الراقي والإتكيت، وتعلّم العلوم باللغات الأجنبية، لتخرّج في النهاية طلاباً يحملون شهادات دولية على مستوى عالي من الرقي. ولكن إذا سألنا أنفسنا ماذا استفادت بلادنا من هؤلاء المتخرجين؟، وكيف ساهم تعليمهم الراقي في تقدّم بلادنا؟ وهل اختلفوا في درجة اهتمامهم بمشاكل مجتمعاتنا عن غيرهم من طلابنا المساكين الذين يتعلمون في مدارسنا العامة؟ وهل استطاع التعليم الخاص الراقي تحقيق أهم هدف للتعليم برأيي وهو تخريج أعضاء فاعلين في المجتمع، أفراد يعملون لخدمة وطنهم بكل الوسائل المتاحة. فإذا كان تعليمنا العام قد فشل في تحقيق هذا الهدف لأسباب كثيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية، فهل استطاع التعليم الخاص تحقيق هذا الهدف؟

على الرغم من سوء الواقع التعليمي العام في البلاد العربية عموماً، فإن التعليم الخاص فيها ـ حتى لو كان قائماً على أساس منهجي غربي ـ فإنه لم يوجد له أثر يُذكر في تحسين وتطوير المجتمع، فهو يكلف الأهل مبالغ مالية ضخمة وفي النهاية يتخرج منه الطلاب وقد تعلموا اللغات الأجنبية، ودرسوا الموسيقى والفن ولكنهم لم يؤمنوا بضرورة تفاعلهم مع مجتمعاتهم، وضرورة خدمتهم لهذه المجتمعات، بل على العكس من ذلك، تزداد غربتهم عنها، ويصبحون أكثر استعلاءً واحتقاراً لمن حولهم على اعتبار أنهم الأرقى والأفهم بين أفراد المجتمع، فيتعالون على من حولهم ويحتقرونهم، ويعيشون اغتراباً عنهم، وبالتالي فإننا لا نلاحظ أن هذا التعليم الراقي قد رقّاهم فعلاً بحيث انتقلوا من مرحلة اللافعالية إلى مرحلة الفاعلية المجتمعية المطلوبة للتقدم.

التعليم والهوية

إن أي نظام تعليمي عالمي إذا درسناه نجده يراعي الخصوصية المجتمعية، فيعلّم الطلاب ما يجعلهم أكثر اندماجاً مع مجتمعاتهم، وبالتالي أكثر إنتاجية، ففي الولايات المتحدة مثلاً من أهم أهداف التعليم فيها تكوين المواطن الأمريكي الصالح وفق معايير المجتمع الأمريكي وفلسفته، ويتم ذلك عن طريق ترسيخ النظام والولاء المطلق للوطن وقيمه. وفي إنكلترا فإن النظام التعليمي فيها يعكس إلى حد كبير طبيعة النظام الإجتماعي السائد في المجتمع البريطاني.

وفي فرنسا كانت الخطط الإصلاحية بمجملها تهدف إلى جعل المناهج أكثر واقعية وعلى صلة بالحياة والمجتمع المحيط.

أما في اليابان فقد استطاعت أن تستغني عن الإقتباس من النظم التعليمية الغربية، وقادت تنمية حضارية جعلتها في سنوات معدودة تتربع على قمة الهرم العالمي بالمقاييس العلمية والحضارية والإقتصادية، دون أن تفقد هويتها، ودون أن تستغني عن لغتها، ودون أن تنبذ دينها وتقاليدها.

بينما نحن نأخذ القشور من هذه النظم، ونأخذها ممجوجة ممسوخة، فارغة من محتواها، ونريد منها أن تعمل في مجتمعاتنا وهي غريبة عنها، ليست نابعة من هويتنا وثقافتنا وخصوصيتنا. فنحن لا نعترف أصلاً بوجود خصوصية لمجتمعاتنا، لأننا نحتقر هذه الخصوصية، فلذلك نجد أن المثقفين الذين من المفترض أن يكونوا أكثر أفراد المجتمع فهماً لهذه الخصوصية، نجدهم أكثر الناس محاربة لها، لأنهم يرونها مصدراً للتخلف، فاللغة والدين والأعراف والتقاليد كلها أمور يجب أن ترمى في القمامة لأنها مصدر تخلفنا، ويجب أن نستعيض عنها بالنموذج الغربي الراقي، دون تحديد مدروس لجوانب الخلل، أو على الأقل دون تحديد مدروس للنموذج الذي نريد اقتباسه والعمل بموجبه.

هناك هوة كبيرة جداً بين الرغبة في التقدم الذي نريده ونتمناه، وبين تحديد الطرق اللازمة له، فنحن أمة كسولة مستلبة لا نشغل فكرنا بدراسة مشاكلنا، ولا نشتغل بالتفكير بأسباب نهضتنا، ولا يهمنا فعلاً السعي الجدي لتخطي حالة الركود التي نعيشها، لأننا لم نصل بعد للمرحلة التي نؤمن معها بضرورة الوصول لحل مشاكلنا، فنحن نعرف أننا متخلفون، ولكننا نأخذ حلول غيرنا لمشاكلنا نحن، دون أن نتعب أنفسنا بالتفكير بخصوصية مشاكلنا وبأننا يجب أن نبحث عن حل لها يأتي بعد دراسة وتمحيص، دون نفاق أو استلاب. هل عرفنا فعلاً ما هي مظاهر تخلفنا؟ أو ما هي الأمور التي أدت بنا إلى ما نحن فيه من انحطاط؟ نحن نردد أننا متخلفون، لكن هل درسنا لماذا نحن كذلك؟ هل فهمنا مشاكلنا حقاً؟

على الرغم من حالة المدارس السيئة بل والمزرية في كل البلاد العربية عموماً، وعلى الرغم من انحطاط نظم التعليم العربية، فإن أي قرار يصدر من الجهات المسؤولة عن التعليم لا يكون نابعاً عن دراسة جادة بل يكون مجرد استجابة خرقاء غالباً لضغوط إما خارجية أو داخلية، أو أنه في أحسن الأحوال هو تجريبي يخضع لرؤية أحادية لشخص أو لفئة محدودة من المسؤولين الذين يتم تعيينهم في مناصبهم بالوساطة غالباً وليس عن جدارة يستحقونها. بالإضافة إلى أن أي قرار يصدر يجد معارضين له لمجرد المعارضة، دون تحديد دقيق لمساوئ أو محاسن هذا القرار، فالفوضى عامة سواء عند من يصدرون هذه القرارات أو من ينتقدونها، لذلك فنحن لا نعلّم حقيقة، بل نحن نخرّج أفواجاً من الأميين يحملون شهادات جامعية لكنهم غالباً يجهلون أبسط قواعد السلوك الحضاري، أجيال فاقدة للاهتمام، فاقدة للحماسة، مؤمنة أن تخلفنا هو تخلف أزلي لا سبيل إلى الخروج منه.

لذلك فإن نظامنا التعليمي لم يستطع المساهمة في بناء نهضتنا المنشودة، بل على العكس من ذلك، كان أحد الأسباب الرئيسة في زيادة هذا التخلف.

كلمة أخيرة

إذا أردنا فعلاً أن ننهض ببلادنا عن طريق التعليم، وجب علينا أولاً دراسة المشاكل التي تقف عائقاً أمام تعليم طلابناً تعليماً نهضوياً يكون هو عماد نهضتنا المنشودة. فتشخيص المرض هو الخطوة الأولى في طريق العلاج.

كما يجب علينا معرفة نوعية العلوم التي تحتاجها بلادنا للرقي والحضارة، ومعرفة كيفية تقديم هذه العلوم لطلابنا بطريقة تغرس في نفوسهم حب العمل والسعي له، وتجعلهم يثقون بأنفسهم وبقدراتهم على الإبداع الخلاق، وتؤمّن لهم انسجاماً مع واقعهم، لينمو اهتمامهم بضرورة العمل لنهضة أمتهم، مع المحافظة على هويتها وخصوصيتها وتميزها بين أمم الأرض.

ولا مانع من الإستفادة من تجارب الأمم والشعوب الأخرى، ولكن دون نبذ لهويتنا ولغتنا وكياننا القومي والإجتماعي، وإلا فإننا سنكون كذاك الغراب الذي أراد تعلّم مشية الطاووس، فأمضى عمره محاولاً ذلك، وعندما دب اليأس في نفسه أراد العودة لمشيته الأولى فلم يستطع لأنه نسيها، فصار يمشي بطريقة مضحكة، لا هي كمشية الطاووس، وليست تقرب مشية الغراب في شيء.

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا