|
بحثاً عن السعادة الوطنية
د.ناجي صادق شراب
أستاذ العلوم السياسية /جامعة الأزهر
يلازمني شعور غريب يؤرقني ويسبب لي قلقاً وأرقاً وهو الرغبة الجارفة في
الهجرة والبحث عن أرض أخرى- ولا أقول وطن بديل- لعلي أجد نفسي فيها أو
أجد السعادة والاطمئنان وهذا الإحساس بالانفصال والاغتراب رغم الأرض التي
ولدت عليها ومنحتني هديتها، والناس الذين تعايشت وتفاعلت معهم فاكتسبت
معهم وبهم شخصيتي الوطنية والثقافية التي أتميز بها عن غيري.
لهذا السبب رأيت أن أكتب في هذا الموضوع، مؤكداً أن ما أهدف إليه هو
إجلاء الحقيقة والبحث عن إجابة لعلها تهدأ من هذه الرغبة الجارفة، وأبدأ
في ذلك من خلال الملاحظات التالية:
وأول هذه الملاحظات أن هذه الرغبة ليست قاصرة لدى فقط، بل وجدتها قوية
عند كثير ممن أقابلهم وأصارحهم بما يجول في داخلي من ثورة عارمة على
الهروب من الذات، والأمر الذي أفزعني وأخافني كثيراً أن الكثيرين يبحثون
عن أرض أخرى لعلهم يجدون أنفسهم بها، والكارثة في الأمر أن هذه الرغبة
لمستها لدى الكثير من الشباب يمثلون قوة الأمة وتعيش عالة على غيرها.
والأمر الآخر الأكثر سوداوية إن هذه الرغبة زحفت لدى المواطن العادي الذي
لم يعد يجد سهولة في كسب عيشه وعيش أولاده.
وقادتني هذه الرغبة إلى استرجاع أولى دروس التربية الوطنية في مراحل
الطفولة، وكيف نفدي هذا الوطن بالدم والروح، وتذكرت كم كان يستفيض في شرح
معاني الولاء والانتماء والهوية والآمال المشتركة والمستقبل الواحد لهذه
الأمة التي تتجاوز حدودها حدود الوطن الصغير. تذكرت هذه الدروس في تعلم
الوطن والوطنية شعرت معها بغيبوبة قصيرة وبحالة دوران زمنية عميقة، لعلها
تعيد لي الهدوء إلى نفسي، وتقتل رغبتي في الهجرة والبقاء على هذه الأرض
مكتفياً بشعاره الفداء والتضحية وتقديم المزيد من التضحية حتى يسعد
الآخرون وهم يمثلون قلة وحفنة بسيطة تحتكر السلطة والثروة.
ترحمت هنا على مدرس التاريخ وأشفقت عليه لأنه فشل في أن يعلمنا درساً في
السعادة الوطنية، وليس فقط في حب الوطن.
ولعل السبب المباشر وراء كتابة هذه المقالة تلك المقارنة التي حدثت بيني
وبين إخوة وأصدقاء لي يحملون الجنسية الكندية، وكم لمست أنهم سعداء
مرتاحون، صحيح أنهم يتحدثون اللغة العربية مثلي، ولم يفقدوا حبهم لوطنهم
وأرضهم، لكنني اكتشفت أنهم يتحدثون بلغة جديدة أفتقدها، لغة المواطن الذي
يتمتع بالحقوق وبالحرية وأن هناك من يحميه حتى لو أعتقل هنا أو هناك، أو
حتى بمجرد أن تعرض للإهانة، وجدت فخراً وزهواً وهم يتحدثون عن أوطانهم
الجديدة ليس بلغة الوفاء والانتماء فقط، ولكن بلغة الحب والسعادة ولغة
الحقوق والامتيازات والخدمات التي تقدمها لهم الدولة، ولمست أكثر من ذلك
لغة الاطمئنان وعدم الخوف من المستقبل، فهذا يحدثك عن تعاليم أولاده،
والآخر يحدثك عن التزام الدولة بتقديم خدمات ومساعدات له حتى لو لم يعمل،
وثالث غير خائف من مرض يداهمه لأن الخدمات الصحية ومهما قلت متوفرة،
وهكذا دواليك قصص طويلة في الحقوق والحريات والامتيازات، وأنا أحدثهم عن
الولاء والانتماء والفداء والتضحية مما أثار غضب أحدهم متسائلاً: وماذا
أخذت من كل هذه الشعارات!!؟
***
هذه المقارنة دفعتني إلى البحث في أسباب ومسببات الرغبة في الهجرة،
ولماذا يسيطر عليَ شعور بعدم القدرة على التكيف رغم التقدم في العمر، هل
العيب فينا ؟ أم العيب في عملية بناء الدولة والعلاقات التي تحكم
مكوناتها ؟ أم أن الأسباب تكمن في عملية التنشئة السياسية والاجتماعية
الطويلة التي غرست فينا مفاهيم وقيم لم تترجم إلى الواقع ترجمة صحيحة أو
بمعنى أدق هذه الفجوة الواسعة التي كبرت مع كبر العمر نكتشف يومياً معها
هذا الانفصال بين الدولة بمفهومها القانوني البوليسي الأمني وبين الحقوق
والحريات التي تتغنى بها دساتير هذه الدولة، وبين هذه الفجوة الكبيرة
والمتضخمة بين من يملكون كل شئ أو بين من هم محرومون من كل شئ. الأسباب
كثيرة ولكن يمكن أن أجملها في سبب واحد هو افتقاد الإحساس بالطمأنينة
وعدم الخوف والسعادة التي وجدها إخوة وأصدقاء في بلاد بعيدة عن أرضهم،
هنا اكتشفت لماذا على سبيل المثال لا يسهى الفرنسي أو الإنجليزي مثلاً
للحصول على الجنسية الأمريكية أو الكندية؟ لأنهم جميعاً في الحقوق
والحريات والامتيازات والسعادة التي يتمتع بها أقرانهم هناك، ولذلك هم لا
يفكرون في الهجرة والاغتراب، واكتشفت عندها السبب إننا نفتقد لهذه القيم
والمعاني والعلاقات الأساسية التي تجعل الجميع يلتفون حول دولهم، منهم
يعرفون حقوقهم وحقوق دولهم. أما نحن فلا حقوق إلا للدول والسلطة المطلقة
أما غير ذلك فإنه يعتبر خيانة وخروج عن الوطنية. وستظل رغبتي قائمة ما
دمت أبحث عن السعادة التي أفتقدها. |