|
القومية
عند العرب
لغة الأمة دليل نفسيتها ـ القومية العربية جسم حي ـ الصلة بين أعضاء هذا
الجسم ـ
العرب كلهم شيء واحد ـ العرب وملوكهم الأعاجم ـ نحن ولغتنا اليوم
بقلم محب الدين الخطيب
لغة الأمة دليل نفسيتها
يرى المشتغلون بالقانون أن مجموعة القوانين في أمة من الأمم مرآة أخلاقها
، وترجمان سجاياها ، لأنه ما من مادة وضعت في قانون حكيم إلا لحاجة
أخلاقية عامة دعت إلى وضع تلك المادة فيه. وهذه القضية صحيحة لولا أنه
آفة التقْنينِ التقليد ولاسيما في الشرق لعهدنا هذا ؛ لأن الدولة وهي في
دور ضعفها لا تستمد قانونها من نفسيتها ، ولا من الأحكام التي أَنِسَتْ
بها عصوراً طوالاً؛ بل تترجمه من لغة دولة أقوى منها ، مكتفية بما تدخله
عليه من تعديل ظاهري . هذا إذا كانت الدولة الضعيفة مطلقة اليد في سنِّ
قوانينها ، وأما التي تتصرف فيها يد الاستعمار فقوانينها أكذب دليل
عليها.
ويرى آخرون أن جداول الإحصاء أصدق من القوانين دلالة على مستوى الأمة
الاجتماعي ، لأن الإحصاء تاريخ ساكن والتاريخ إحصاء متحرك ، كما قال
شلوزر. وهذه القضية صحيحة أيضاً لو كانت أرقام تلك الجداول تُجمَع دائماً
بطريقة من الحصر والاستقراء تطمئن إليها النفس؛ وهو مطلب عسير في كثير من
الأمم ، وأكثر منها عدداً الأمم التي ليس فيها إحصاء قط.
ونحن مع القائلين بأن لغة الأمة دليل نفسيتها ، وصورة عقليتها ؛ بل هي
أسارير الوجه في كيانها الاجتماعي الحاضر ، وفي تطورها التاريخي الغابر ،
لأن وراء كل لفظة معنى شعرت به الأمة شعوراً عاماً دعاها إلى الإعراب عنه
بلفظ خاص ، فوقع ذلك اللفظ من نفوس جمهورها موقع الرضى ، وكان بذلك من
أهل الحياة. وما معجم اللغة إلا مجموعة للمعاني التي احتاجت الأمة إلى
التعبير عنها فاختارت لكل معنى منها لفظاً يدل على الجهة التي نظرت الأمة
منها إلى ذلك المعنى عندما سمته باللفظ الذي اصطلحت عليه. فلغة الأمة
تتضمن تاريخ أساليب التفكير عندها ، من أبسط حالاته إلى أرقاها ؛ يعلم
ذلك البصير في أبنية اللغة وتلازمها ومن له ذوق دقيق في ترتيب تسلسلها
الاشتقاقي.
القومية عند العرب جسم حي
لا أحسبني محدثاً في لغة العرب وتاريخها بدعة إذا قلتُ أن للعرب قومية
نامية نماء الكائنات العضوية ؛ فالعرب تمثلوا في قوميتهم معنى الجسم الحي
النامي منذ أقدم العصور ، بل منذ نطقوا لغتهم هذه ذات الأسرار العجيبة
التي تشرفنا بوراثتها عنهم.
تنقسم القومية العربية عند أهلها إلى شعوب ، والشعوب إلى قبائل ،
والقبائل إلى عمائر ، وبعد العمائر البطون ، وتحت البطون الأفخاذ ، تليها
الفصائل.
أما الشعب فمأخوذ من شَعب الرأس وهو شأنه الذي يضم قبائله كما في الصحاح
(مادة شعب) قال : وفي الرأس أربع قبائل . والشأن واحد الشؤون وهي مواصل
قبائل الرأس وملتقاها ومنها تجيء الدموع.
وأما القبيلة فهي الأصل العظام المشعوب بعضها إلى بعض إلى أن تصل بينها
الشؤون المتقدم ذكرها. قال الجوهري (مادة قبل) وبها سميت قبائل العرب .
أما العمارة فهي من الإنسان الصدر. قال الزبيدي في تاج العروس ( مادة
عمر) : سمي الحي العظيم عمارة بعمارة الصدر وجمعها عمائر.
والجماعة من العرب التي تسمى بطناً هي دون العمارة وقد سميت بطناً لأنه
دون الصدر . وكذلك الحال في الجماعة التي يطلق عليها اسم الفخذ.
والفصيلة رهط الرجل الأدنون. قال الزبيدي في التاج: وهي بمنزلة المفصل من
القدم . ونقل ابن الأثير في النهاية عن الهروي أن أصل الفصيلة قطعة من
لحم الفخذ.
قال القلقشندي في صبح الأعشى (1: 309) : وربما عبروا عن كل من الطبقات
الست بالحي .
وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد(2: 56 بولاق) : وقيل للجماجم جماجم
لأنها يتفرع من كل واحدة منها قبائل اكتفت بأسمائها دون الانتساب إليها
فصارت كأنها جسد قائم وكل عضو منها مكتف باسمه معروف بموضعه.
ويقولون (الأشلاء) لبقايا القبيلة التي انحلت جامعتها وتفرقت في غيرها ،
أخذوها من الشلو وهو العضو من أعضاء اللحم . وفي الصحاح : أشلاء الإنسان
أعضاؤه بعد البِلى والتفرق. قال ابن رشيق في العمدة (2: 154) : وزعم أبو
أسامة ـ فيما رأيت بخطه وقد عاصرته وكان علامة باللغة ـ إن هذه الطبقات
على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع : فالشعب أعظمها مشتق من شعب الرأس
، ثم القبيلة من قبيلته ، ثم العمارة. قال: والعمارة الصدر ، ثم البطن ،
ثم الفخذ ، ثم الفصيلة. قال: وهي الساق أو قال المفصل ـ الشك مني أنا ـ
قال: والحي أعظم من الجميع لاشتمال هذا الإسم على جملة الإنسان.
قلت: وقد صنّف العرب في هذا المعنى ، ولعبد الله بن محمد بن محمد الصغير
رسالة فيه تقع في بضع صفحات في مجموع رقم 332 من كتب اللغة في الخزانة
التيمورية.
الصلة بين أعضاء هذا الجسم
كانت العرب في كل أدوار التاريخ تعتزّ بوحدتها القومية فتغتبط أعضاؤها
الإجتماعية بالخير يصيبه عضو منها أو مجموعها ، وتجزع للشر يصيب عضواً
منها أو مجموعها .
ومن أمثلة ذلك أن اليمانيين لما قاموا بقيادة سيف بن ذي يزن لإخراج
الحبشة من وطنهم ـ مستعينين على ذلك بالفرس بعد يأسهم من عون الروم ـ
فانتصر ابن ذي يزن عليهم وردّ الجزء إلى ذلك الأكبر من بلاد العرب حرّيته
واستقلاله ؛ رأى العرب أن لهم نصيباً من هذا النصر الذي ساقه الله إلى
بني قومهم اليمانيين ، فأتت وفود عدنان تهنئ مَلِك قحطان . وقد روى
الحافظ ابن عساكر (1: 361) عن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أن فيمن
أتاه من الوفود وفدُ قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم ، وأمية بن عبد شمس ،
وعبد الله بن جُدعان ، وخويلد بن أسد ، ووهب بن عبد مناف بن زهرة ، في
ناس من وجوه قريش ؛ فقدموا عليه صنعاء فإذا هو في رأس (غُمدان). قال
مؤرخو العرب : وخطب عبد المطلب بن هاشم فكان فيما قاله لابن ذي يزن:
« أنت ـ أبيتَ اللعنَ ـ ملكُ العربِ وربيعُها الذي تخصبُ به البلادُ ،
ورأسهُا الذي له تنقادُ ، وعمودُها الذي عليه العماد ، ومعقلها الذي تلجأ
إليه العباد . سلفُكَ خيرُ سَلَف ، وأمن
لنا منهم خير خلف . ولن يُهلِكَ اللهُ مَن أنت خلفه ، ولن يخمل ذكْر مَن
أنت سلفه » .
وقال له أبو أمية بن أبي الصلت أحد رجال ثقيف :
اشربْ هنيئاً عليك التاجُ مرتفقاً * في رأس غُمدان داراً منك مِحْلالا
واشرب هنيئاً فقد شالتْ نعامتُهم * وأسبل اليومَ في برديكَ إسْبالا
ولما سئم عرب العراق تسلُّطَ الفرس على أطراف بلادهم ، ومحاولتهم النيل
من حريتهم واستقلالهم ؛ انتهزوا فرصة تضافروا فيها مع هانئ بن مسعود في
يوم ذي قار على الفرس واستظهروا عليهم ، فقال في ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ـ ولم يكن أوتي النبوة بعد ـ : « اليوم انتصف العرب من العجم »
.
وظلَّ العربُ بعد الإسلامِ ينظرون إلى هذه الواقعة كنظرهم إليها في زمن
حدوثها. وفيها يقول أيو تمام حبيب بن أوس:
أُلاكَ بنو الأفضال لولا فعالهم * دَرَجن فلم يوجد لمكرمة عقبُ
لهم يوم ذي قار مضى وهو مفرد * وحيد من الأشباه ليس له صحبُ
به علمت صهبُ الأعاجم أنه * به أعربت عن ذات أنفسها العربُ
هو المشهد الفرد الذي ما نجا به * لكسرى بن كسرى لا سنام ولا صلبُ
وقال حبيب أيضاً:
إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها * وزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم * عروش الذين استرهنوا قوس حاجب ()
العرب كلهم شيء واحد
إن وحدة الناطقين بالضاد قضية معروفة عند العرب من عهد عهيد . ومن شواهد
ذلك ما رواه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في البيان والتبين (3: 145) من
أن الخواص الخلّص من النزارية يرون أن إسماعيل بن ابراهيم عليها السلام
بعث نبياً مصلِحاً للعرب كلها ، غير مختص بالحجاز وأهلها. فإن هؤلاء
الخواص من النزاريين قالوا : « إن العرب كلهم شيء واحد ، لأن الدار
والجزيرة واحدة ، والأخلاق والشيم واحدة ، وبينهم من التصاهر والتشابك
والاتفاق في الأخلاق وفي الأعراق ـ من جهة الخؤولة المرددة ، والعمومة
المشتبكة ـ ثم المناسبة التي بنيت على غريزة التربة ، وطباع الهواء
والماء. فهم من ذلك شيء واحد : في الطبيعة ، واللغة ، والشمائل ،
والمراعي ، والراية ، والصناعة ، والشهوة . فإذا بعث الله عز وجل نبياً
من العرب فقد بعثه إلى جميع العرب ، وكلهم قومه . ولأنهم جميعاً يد على
العجم ، وعلى من حاربهم من الأمم ؛ لأن تناكحهم لا يعدوهم وتصاهرهم مقصور
عليهم . قالوا : والمشاكلة من جهة الاتفاق في الطبيعة والعادة ربما كانت
أوغل من المشاكلة من جهة الرحم . نعم ، حتى تراه أغلب عليه من أخيه لأمه
وأبيه ، وربما كانت أشبه به خَلقاً وخُلقاً ، وأدباً ومذهباً » .
العرب وملوكهم الأعاجم
رأى القراء فيما نقلناه في العدد الماضي من أقوال الدكتور دوزي أنه لم
يرث أحد على سطح الغبراء نصيباً أوفر من نصيب العربي في الحرية ، ولا
قسطاً أعظم من قسطه ؛ حتى أن عدم إقراره بالعبودية لأحد غير الله في كلمة
(لا إله إلا الله) دليل تمسكه الشديد بحريّته وعضِّه عليها بالنواجذ .
ونحن إذا نظرنا إلى الأمة العربية وبلادها نظرة تاريخية وجغرافية نرى
أنها أقل بلاد الله خضوعاً للغريب وإخلاداً إلى حكمه ، وأنها ـ سواء كانت
بدوية أو حضرية ، وجاهلة أو مهذبة ، ومتوسطة في موقعها أو متطرفة ـ لم
تتنازل قط عن حريتها ، وإذا اضطرت إلى ذلك حيناً من الدهر تبيت الليالي
والشهور والسنين تتحين الفرص للخلاص . وقد مضى في أثناء هذا المقال حديث
قيام اليمانيين لإخراج الحبشة من أرضهم ، وهبوب العراقيين للانتصاف من
جيرانهم الذين انتقصوا من حريتهم ، وما برحت الليالي في الشرق العربي
حبالى ، وليس بعيداً أن يلدن العجائب .
يقول الدكتور غستاف لوبون في فصل (سر عظمة العرب) من كتابه عن حضارتنا :
« ليس التاريخ إلا رواية الأحداث والأفعال التي قام بها الناس سعياً وراء
المطمح ، ولولا هذا لظل الإنسان على بربريته، ولما كان له من المدنية
نصيب . وإن انحطاط الأمة يبتدئ يومَ لا يكون للأمة مطمح تحترمه بجملتها
فيدافع كل فرد منها بنفسه في سبيل حمايته والذود عنه ».
ونحن إذا تتبعنا تاريخ العرب في جميع الأدوار ، وراقبنا خُلُقهم السياسي
العام ، لنتبين مطمحهم القومي الثابت بعد انتقالهم من حياة القبيلة إلى
حياة الدولة ، نجدهم ظلوا متمسكين بأهداب الحرية للفرد ، فهي أثمن
ذخائرهم وأعزّها عليهم ؛ وفي تاريخهم من شواهد ذلك العجب العجاب . أما
نظرهم إلى الدولة فكان وليد رأيهم القديم في القبيلة ؛ وقد علمنا مما
كتبه الدكتور دوزي أن إمارة القبيلة لم تكن الأمر المهم في حياة العرب
الإجتماعية بل أعباء الإمارة هي الأمر ذو البال . لذلك رأينا الأمة
العربية ـ بعد غلطة العباسيين الكبرى في اصطناع الموالي وتقليدهم زمام
أمر الدولة ـ قد أرضاها بعض الرضى سلوك مَن ملك البلاد من الأعاجم مسلك
الدول العربية في اتخاذ لغة القرآن لغة رسمية للدولة ؛ فلا آل بويه ولا
آل سلجوق ، ولا بنو أيوب ، ولا حكومات المماليك والطوائف ، ولا أي ملك من
ملوك الأعاجم في البلاد العربية حدّثوا أنفسهم باضطهاد لغة العرب وآدابها
، بل إن كثيرين منهم كانوا حاملي لوائه ومؤيدي علومها. وكل من حكم بلاد
العرب من الملوك الأعاجم إنما وصل إلى مرتب الحكم لدخوله في دين الإسلام
ومواصلته خدمة حضارته . وقد ظهر من بينهم ملوك أتقياء عقلاء عادلون ـ مثل
نور الدين وصلاح الدين ـ كانت الأمة تطمئن إليهم وتمتلئ قلوب أفرادها
حباً لهم وثقة بفضائلهم وتقواهم ، فكانت سيرتهم الطيبة في الأمة بلسماً
لجراحها السياسية ، ومسكّناً لآلامها القومية والوطنية ، في ظروف حرجة
كانت تنتابها بين حين وآخر: كالحروب الصليبية ، والغارات التترية وما إلى
ذلك.
وأنت ترى مما تقدم أن الناطقين بالضاد كانوا يرمون في مطمحهم السياسي إلى
أمرين اثنين : حرية الفرد ، واستقلال الدولة ذات الحضارة العربية ، وكلا
الأمرين توارثوا جرثومتهما عن حياتهم الأولى في القبيلة . وكلاهما كانا
متوفرين في الدول التي كانت العربية لسانها الرسمي ، فكان الشعب لا يشعر
بشيء من التغيير في حياته السياسية غير الأصل الذي ينتمي إليه الحاكم
الأعجمي ، وكثيراً ما ينسى الشعب ذلك إذا نظر إلى تأدّب حاكمه بالأدب
العرب ، ومماشاته لسلسلة الحضارة الإسلامية ، ومدافعته الأغيار عن البيضة
؛ إن استقرار حال الدولة في هذه الأمور أو أكثرها مدة ملوك الأعاجم على
ما كانت عليه الحال زمن الدولة العربية لمما جعل الناطقين بالضاد في غير
ما وجل على مطمحهم القومي القائم على حرية الفرد واستقلال الدولة. وإننا
لا نعدو الصواب إذا قلنا إن دولة آل عثمان نفسها التي اتخذت لغة الترك
رسمية في الدولة الإسلامية من دون لغة القرآن لم تتمسك بذلك إلا في
الأنضول والقسطنطينية والبلاد الواقعة في غربها ، وأما في بلاد العرب فقد
ظلت الأحكام بالعربية إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، ويوم أسست
مدارسها الرسمية في بلاد الشام من أقصى حلب شمالاً إلى أقصى فلسطين
جنوياً (سنة 1296 هـ) كانت لغة التعليم في هذه المدارس عربية ، ولا تزال
الكتب المدرسية التي ألفت بالعربية لطلاب تلك المدارس موجودة معروفة .
فلما عزمت الدولة نهائياً على صبغ البلاد العربية بالصبغة التركية المحضة
كان ذلك اليوم بداية عهد غير حميد ، وقد شاهدنا عواقبه مشاهدة المعاصر
لحوادث عصره فلا حاجة إلى بسطها.
نحن ولغتنا اليوم
قلتُ في صدر هذا المقال إن لغة أمة من الأمم هي المرآة التي تنطبع فيها
صورتها الحقيقة. وما عليك إذا أردت أن تتأكد صحة هذه القضية ـ أو إذا
صدقتها وأردت أن نعرف حقيقة الناطقين بالضاد من النظر في لغتهم باعتبار
مرآتهم ـ إلا أن تقف تجاه المعجم العربي وقفة مفكر معتبر .
إن هذه الوقفة لتوحي إلى صاحبها من المعاني ما يستحق أن نفرد له مقالاً
مستقلاً ، بل هو من الأهمية بالمنزلة التي تستحق من علمائنا عناية أخرى
غير تحبير المقالات.
الشعوب العربية الحاضرة تشبه المعجم العربي من كل الوجوه: ففي معجمنا
المادة الغزيرة الفياضة التي تحسدنا عليها أمم كثيرة ؛ ولكن هذه المادة
تحتاج إلى تنظيم علمي تتسلسل فيه مشتقات الكلمة الواحدة تسلسلاً تاريخياً
ـ بقدر الإمكان ـ يراعى فيه تقديم الأصول على ما تفرع منها؛ ثم إن هذه
الأصول والفروع تحتاج إلى تحديد دقيق يستعان فيه بما تفرّق في غير
المعاجم من أقوال علماء اللغة ، ونحتاج بعد إلى التخصص الذي تقتضيه حاجة
العصر ، يتولاه مجمع علمي مسموع الكلمة لا يتردد الكاتبون في النزول على
حكمه ؛ وتحتاج أيضاً إلى أن يكون مؤلفو المعاجم ذوي كفاءة تامة في اختيار
مادة كل معجم بالترجيح الذي يقتضيه حجم المعجم : الأهم فالأهم ، لأن من
عيوب معاجمنا أن نجد في أحدها الكلمة الحوشية التي قد لا يحتاج إليها
المطالع مرة في السنة وتهمل الكلمة التي تمس حاجة إلى مراجعتها في كل
وقت.
إن لغتنا مثل أمتنا لغة استقلالية ربما كانت أغنى من كل لغة أخرى عن
الإحتياج إلى غيرها ، ولكنها مع غنائها هذا العجيب قد خذلها علماؤها
اليوم فلم يكوّنوا لأنفسهم مجمعاً جديّاً يكون المرجع الأعلى لأمثاله في
كل قطر عربي ، ويكون فيه العلماء الأخصائيون الذين بنوا علمهم على الأسس
المتينة التي وضعها لنا أئمة هذه اللغة من عهد الخليل وسيبويه إلى يومنا
هذا .
فاللغة العربية ـ كالقومية العربية ـ أصيلة وغنية وقوية بطبعها ، ومصابة
بالتشتت والإهمال والفوضى والتخاذل في حالتها الراهنة ؛ فهل لهما من
رجالهما الأبناء البررة ، الذين يسلكون للإصلاح طريقه ، ويدخلون إليه من
بابه ؟
أظن أنه قد آن الأوان للنهوض من نومة طال علينا ليلها ، والله الهادي .
مجلة الزهراء ج2 ، م1 ، 15 صفر 1343هـ ، ص 65ـ 74.
(1) ـ يشير أبو تمام رحمه الله إلى حادثة تاريخية ، وهي أن حاجب بن
زرارة التميمي وفد على كسرى سنة جدب ، فشكا إليه محل الحجاز عامئذ ،
وطلب منه حمل ألف بعير برّاً على أن يعيد إليه قيمتها . فقال له
كسرى:
ـ وما ترهنني على ذلك؟
قال حاجب: ـ أرهنك قوسي!
فاستعظم كسرى همة حاجب بن زرارة وقال:
ـ قبلت!
وأعطاه حمل ألف بعير برّاً. ومات حاجب فأحضر بنوه المال بعد موته ،
وطلبوا من كسرى قوس أبيهم. فافتخرت تميم بذلك ، وأشار أبو تمام
ببيتيه إلى هذه المفخرة.
|