|
اللي بيتجوّز أُمّي… بقوللو: يا عمّي!!
نظرة تحليلية
بقلم: طارق حميدة
الأرض... الأم
"هذه الأرض امرأة
في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد
قوة السر التي تنبت نخلاً وسنابل
تنبت الشعب المقاتل
دارت الأيام لم ألتق فيها بابن عمي
غير أني كنت أرى
أن بطن الأرض تعلو وتميد
بمخاض وبميلاد جديد" .
هذه الأبيات من قصيدة " حمزة " لفدوى طوقان، في ديوانها الليل والفرسان،
وفيها تشبيه الوطن والأرض بالأم، وهو الأمر الذي يتكرر في الأدب الشعبي
والرسمي على حد سواء، كما في الفزورة التي تسأل: من هي الأم التي تحمل
أبناءها على ظهرها نهاراً، فإذا غابت الشمس أرجعتهم إلى بطنها؟ والجواب
واضح؛ وهو الأرض التي يعيش أبناؤها على ظهرها مدة حياتهم، فإذا مات أحدهم
دُفن في بطنها.
ومن كلامنا الدارج في العامية والفصيحة تعبير الوطن الأم، وأحسبه في غير
اللغة العربية أيضا، ولعله ترجم إلى العربية من خارجها.
والأبيات السابقة تتحدث عن الأرحام والأخاديد التي تنبت الشعب المقاتل،
وكأن الوضع الطبيعي أن يكون أبناء الأرض كما أبناء الأرحام مقاتلين
دفاعاً عن الوطن والأم، ولذلك يتكررالجمع بين الدفاع عن الأرض والدفاع عن
العرض، في أحاديث الناس وأدبياتهم.
الأنذال الثلاثة!!!
في نقاش دار بين ثلاثة من الأنذال أكد كل منهم أنه الأكثر نذالة، وحيث لم
يكن ثمة من يحكم بينهم فقد اتفقوا على أن يخرجوا معاً ويقوم كل منهم
بتصرف "نذل"، وبالتالي يقيمّوا "الأنذل" فيهم!!.
ولم يطل بهم المسير حتى لقيتهم امرأة عجوز، حيث بادر أحدهم فأمسكها من
شعرها وبدأ يضربها بعصىً كانت بيده، ثم تبعه الثاني فمزق ثيابها، ولما لم
يتحرك الثالث سأله رفيقاه مستغربين: هل أشفقت عليها أم لم تعد نذلاً؟
فرد عليهم: لا هذه ولا تلك، ومع ذلك فأنا الأكثر نذالة!!
فسألاه: وكيف ذلك؟!
فقال: لأن هذه العجوز... أمي!!
هذه الحكاية جرى تداولها في منتديات الإنترنت عشية الغزو الأمريكي
للعراق، وقد رافقها تفسيرها الذي يؤكد أن قمة النذالة هي رؤية أرض عربية
إسلامية يُعتدى عليها، ثم تركها وعدم الدفاع عنها، حتى لقد اعتبرت جريمة
الساكتين أكبر من جريمة الغزاة المعتدين.
ومرة أخرى يتكرر تشبيه الأرض بالأم، وفي وجوب الدفاع عنها، فضلاً عن وصم
من يتقاعس عن هذا الواجب بالنذالة.
اللي
بيتجوّز أُمّي!!
كثيراً ما يحصل في منطقتنا العربية، عندما يموت الرجل أن يتزوج أخاه
أرملته لرعاية أولاد أخيه الأيتام، وكذلك إذا ماتت امرأة الرجل فإنه
يحرص، كما يحرص أهلها، على تزويجه من أختها، ويكون هناك تفاهم ضمني لدى
الجميع على أن الهدف السامي من وراء ذلك هو رعاية الأيتام؛ فليس أرحم
بالأيتام من عمهم وخالتهم، إذ الخالة كالأم، مثلما العم صنو الأب.
والمثل الشعبي القائل: ( إللي بيتجوز أمي... بقوللو: يا عمي)، لا يتحدث
عن زواج العم شقيق الأب من أم الأيتام، وإنما يتحدث عن زواج الأم من رجل
غريب، وهو الأمرالذي يرفضه الأبناء عادة؛ حيث يعتبرون سلطته غير شرعية؛
ومن هو حتى يتأمّر عليهم ؟! فضلاً عن أنهم يغارون على أمهم أن تكون تحت
هيمنة رجل غريب، خلافاً "للعم" الذي له شرعية مقاربة لشرعية الأب،
وبالتالي فالمتوقع من الأبناء أن يرفضوا سلطة زوج الأم ويثوروا عليها،
فهم ابتداءً يحرصون على ألا يقع هذا الزواج ما وسعهم الأمر، وإن حصل
فسيناضلون ويقاومون حتى الرمق الأخير. ومع ذلك فقد يقبل الأبناء بالأمر
الواقع فيدعون زوج أمهم ( عماً)، كما ينادون امرأة أبيهم ( بالخالة)...
تمنياً أو اضطراراً.
لكن الناس حين يقول واحدهم: ( إللي بيتجوز أمي بقوللو: يا عمي)، لا
يقصدون زوج الأم، وإنما يتحدثون عن شيء آخر يشبّهونه بزوج الأم، وهو
السلطة الغاشمة وغير الشرعية، سواء كانت أجنبية أو محلية؛ على اعتبار أن
السلطة الشرعية الرحيمة العادلة تمثل الأب أو العم الذي هو شقيق الأب .
وإذا كان المفترض أن كل ذي نخوة لن يقبل بالسلطة الغاشمة أو الحكم
الأجنبي؛ فإن القبول به يصبح نوعاً من النذالة وقلة الشهامة والمروءة،
ويكون صاحبه موضعاً لازدراء الآخرين واحتقارهم، ويضحي سُبّة بينهم.
فيسألونه مستنكرين: كيف ترضى بهذا الغريب؟ فيرد عليهم بتبجح يخفي تحته
انهزاماً نفسياً: إللي بتجوز أمي بقوللو: يا عمي!
فمن لحظة زواجه من أمي أصبح من لحمنا ودمنا ولم يعد غريباً حتى أرفضه،
وكذلك السلطة الظالمة أو المستعمرة؛ وبحسب منطقه الأعوج: فإن من يسيطر
على الأرض ويحكم الشعب فهو السلطة الشرعية، وله عليه حق الطاعة
والاستسلام، كما أنه يقول لزوج أمه: يا عمي، وإن لم يكن عمه؟!
على... أمّه!!
يطلق وصف: "على أمّه"، على المهزوم الأسوأ حظاً، في عدد من الألعاب
الشعبية في وفلسطين ومناطق أخرى، وفي هذا القول بُعدان أحدهما وقائي كي
يحرص كل واحد أن لا تكون اللعبة على أمه، والآخر دفاعي؛ إن حصل ووقع
المحذور عليه، حتى يبذل كل جهد مستطاع للتخلص من هذا الواقع الأليم
المهين، ولعل أشد ما يجرح الإنسان المساس بشرف أمه لأن معنى ذلك هو الطعن
في طهارة وجوده، ومرة أخرى لا ننسى أن الأم هنا هي الأرض والوطن.
إن " ألعاب الأطفال ما هي إلا تمارين وتجارب وظيفتها تحضير هؤلاء الأطفال
لكي يلعبوا الأدوار، التي يُتوقع منهم أن يلعبوها، بشكل أفضل عندما
يُصبحون كباراً، حتى يتمكن أعضاء المجتمع ككل من سد الحاجات الضرورية
للحياة".
وبناء عليه فإن تصميم هذه الألعاب ومصطلحاتها لم تأت عبثـاً، بل كانت في
سياق موضوعنا؛ ويكون المطلوب منها أن تعزز مفهوم الكرامة والإباء ورفض
الهزيمة لدى الأطفال، فيمنعوا الأعداء الغرباء من هزيمتهم والسيطرة على
بلادهم، أو يدفعوهم ويناضلوا ضدهم بكل وسيلة إن حصل واغتصبوا أوطانهم، ما
يعزز القول السابق بأن استخدام مصطلح: " على أمه" له بُعدان أحدهما وقائي
والأخر دفاعي.
العب
يا ولد!!
ولقد جرى على ألسنة الكثيرين في الشارع الفلسطيني ومنذ عشرات السنين،
حين يرى أحدهم بعض الصبية يلعبون في الحارات أن يخاطبهم بالقول: "إلعبوا
يا أولاد واللعب على أمكم"، كما قد يقولها الكبار بعضهم لبعض وهم يلعبون
معا السيجة أو النرد أو الورق.
إن حال الشعب الذي يتلهى أبناؤه ويلعبون، فيما هناك لعبة ومؤامرة خسيسة
دنيئة تستهدف وطنهم، هو مثل حال الأبناء يخرجون من البيت ليلعبوا وهم
غافلون عن اللعبة الحقيقية التي تحاك للإيقاع بأمهم.
وفي هذه العبارة مرارة كبيرة وتأنيب ضمير؛ إذ يشعر قائلها بالعجز عن
مواجهة المكائد التي يكيدها العدو ضد الشعب والوطن، ويؤنب نفسه ومن يخاطب
أنهم يلهون ويلعبون، فيما اللعبة الكبيرة والحقيقية تستهدف الأرض
وساكنيها.
العجوز.... الشبقة!!
من النكات التي يجري تداولها في الشارع الفلسطيني منذ مدة، وبالأخص عبر
الهاتف الخلوي:
1)
سأل الابن أمه العجوز: شو رايك تتجوزي ... أو نوخذك على الحج ؟
فأجابت : هي الكعبة بدها تنتقل من محلها يا بنيي؟!
2)
سأل الابن أمه العجوز: بدك تتجوزي أو أجيب لك صحن مهلبية؟
فأجابت: ما انت شايف إنه ما ظل إلي اسنان!!
ومثل هاتين النكتتين، حكاية شعبية، عمرها عشرات السنين، تقول:
3)
إن رجلاً كانت أمه العجوز العمياء لا تفتأ تدعو عليه بالرغم من شدة حرصه
على برها وإرضائها، بل ونصب لها سريراً على شكل أرجوحة في جذع شجرة أمام
البيت وكلف زوجتيه أن تتناوبا على خدمتها في غيابه، بإيصال كل طلباتها
إلى السرير وهزها فيه، ومع ذلك لم يتغير موقفها منه. وعبثاً حاول معرفة
سبب غضبها عليه، وماذا يفعل ليرضيها.
حتى كان ذات يوم جاء متسول إلى البيت حيث أدهشه المشهد وسأل الزوجة
المناوبة عند السرير/ الأرجوحة، عما يرى، فأخبرته الخبر وقالت إنهم
يتمنون أن يعرفوا طلبها لينفذوه، فكشف الغطاء عن وجهها ونظر في عينيها،
وقال: هاي بدها جوز.
وعندما رجع ابنها سلّم على أمه التي استمرت في ضيقها وتبرمها وغضبها،
وقال لها ماذا أفعل لك لأرضيك يا أمي؟ فقالت: إللي قال عنه الشحاد، وسأل
زوجته عن قول الشحاد فأخبرته، وهنا قال لأمه سآخذك إلى الرجل الذي
سيتزوجك، وطلب من زوجتيه أن تزيناها وتلبساها أجمل ثيابها، ثم حملها على
ظهره وعندما وصل إلى حيث بيت الضبع ألقاها فيه.. وقفل راجعاً.
لسان حال الأبناء فيما سبق يقول: إننا لم نقصر في واجب أمنا، بل "شلناها
على كفوف الراحة"، فقد قدمنا لها المهلبية التي لا يحتاج تناولها قضماً
ولا مضغاً، ودلّلناها أكثر من صغارنا فجعلناها في أرجوحة تتناوب على هزها
نساؤنا، وعرضنا عليها أن نأخذها لأداء فريضة الحج، ثم هي تستصعب السهل،
وترفض العز والدلال، وتأبى الذهاب للحج الذي يحرص عليه كل من في مثل
عمرها لا يشغله إلا التقكير في حسن الختام، وهي مصممة على أن تكون تحت
رجل غريب لا نريده ولا نحبه !!
الجامع بين النصوص الثلاثة السابقة إصرار الأم العجوز على الزواج بالرغم
من حرص الأبناء على توفير كل وسائل الراحة، فبالرغم من تساقط أسنانها، أو
عماها، وكبر سنها، حيث المفروض في أمثالها أن تستعد للقاء الله وتختم
حياتها بالحج، لكنها تبدو شبقة للغاية بحيث يظهر الأولاد عاجزين أمام
إصرارها، ولا يملكون حيالها سوى الاستسلام والانصياع للقبول بالزواج من
الغريب الذي لا يطيقونه.
لقد مضى القول بأن الوضع الطبيعي هو أن يرفض الأبناء زواج الغريب من أمهم
قبل حصوله، وأن يقاوموه ويثوروا عليه إذا وقع رغما عنهم، لكن الأبناء هنا
يتحدثون بلغة يائسة عن عجزهم عن منع هذا الزواج، ويتهمون أمهاتهم بالشبق
والتصابي، وهو أسوأ ما يصدر من ولد تجاه والدته، مؤكدين أنهم يفعلون
المستحيل بحسب ادعائهم، ومضى القول أيضاً بأن الأم ترمز كثيراً إلى الأرض
والوطن، ويرمز الزواج منها إلى السلطة الغريبة، والذي يراه كاتب هذه
السطور، إذا قمنا بعملية تعويض الرموز بما تدل عليه، أن النصوص الثلاثة
ربما تشير إلى ما سبق قوله عند المثل الشعبي: ( إللي بيتجوز أمي..)،
وكأنهم يقولون لقد عملنا كل ما بوسعنا لمقاومة المستعمر الذي يتسلط على
أرضنا وشعبنا، لكن الأرض- أو بالأحرى ساكنيها- لا يستحقون النضال لأجلهم
فهم متمسكون بالغاصب المحتل، وما دام الأمر كذلك فإننا نعلن توقفنا عن
النضال.
إن القبول بتزويج الأم، أو أخذها إلى بيت الضبع، كما فعل الابن القديم في
الحكاية الشعبية، يرمز- كما يبدو- إلى القبول بالغاصب بل تقديم الوطن له،
وتركه لقمة سائغة. بينما يرمز حرص الأبناء على أن يأخذوا والدتهم للحج
إلى رغبتهم في "تطهيرها" أي تحرير وطنهم من " دنس الغاصبين ".
فبدلاً من قول الحقيقة بأنهم تعبوا وضعفوا وجبنوا، وارتموا في أحضان
العدو، أو قرروا ذلك، فإنهم يُسقطون ما بأنفسهم على الوطن والشعب، كما
يفعل الذي يريد التخلص من والدته وواجب خدمتها؛ حيث يزعم بأن المشكلة
عندها وليست عنده.
وإذا كان الحضيض الذي يمكن أن يصل إليه شخص هو أن يقبل بالغريب أن يتزوج
أمه، أي يغتصب وطنه، فإن النصوص التي تتحدث عن إصرار الوالدة على الزواج،
تمثل المرحلة السابقة لتلك الحالة، وكأن قائلها يريد مقدماً أن يبرر
لنفسه أمام الناس القبول بالغاصبين والتعاطي معهم على أنهم أقرباء لا
غرباء.
وخلاصة القول:
إن المرأة وبالأخص الأم، ترمز في الأدب الشعبي والرسمي إلى الوطن والأرض،
ويتوجب على الأبناء أن يدفعوا الغاصب ويحموا الأرض والعرض، وتقوم بعض
الألعاب الشعبية بوظيفة تهيئة الأبناء للدفاع عن شرفهم وكرامتهم ورفض
العدوان على الوطن كما يرفضون المساس بأمهاتهم، والذي يقبل بالعدوان على
وطنه يعتبر في قمة النذالة.
وفي حالة الضعف أو العجز يشعر الأبناء بتأنيب الضمير أنهم يهربون إلى
اللعب واللهو، ولا يتحركون لمقاومة الغاصب، ويوبخون بعضهم على الغفلة
والقعود، وإذ يتعبهم وخز الضمير والشعور بالذنب فإن قسماً منهم يبدأون
بالادعاء أن المشكلة ليست عندهم وأنهم لم يقصروا، وإنما المشكلة في الوطن
وساكنيه الذين يرمون أنفسهم في حضن العدو كما الأم الشبقة.
وأخيراً، فلماذا يظل هؤلاء الأنذال ينظرون إلى الذي تزوج أمهم واحتل
أرضهم على أنه غريب؟ فليريحوا أنفسهم من تأنيب الضمير... ولا يعبأوا بلوم
لائم، ولينادوه: "يا عمي"!!
|