ماذا تعني الثقافـــة عند الأسويـــاء؟

بقلم الأستاذ : الأخضر الدهمة

     يقول العرب في لغتهم: ثقف فلان الشيء يثقفه تثقيفا إذا سواه، وأزال عوجه. ومنه قولهم " رمح مثقف " أي مقوَّم / أي ليس فيه عوج. والاسم منه " الثقافة ".

     ونقل مدلول الثقافة من معناها المادي إلى معناها الفكري فقيل فلان مثقَّفٌ أي له تفكير قويم، وتصرف سديد، مستساغ لدى الناس.

      وإذا كان التثقيف المادي يتم بأدوات خاصة. فإنّ التثقيف المعنوي وهو تثقيف العقل أو الفكر يحصل بالعلم والمعرفة، أو التدريب على عمل مٌا يتوَّج باكتساب مهارة في شأن من شئون الحياة، هذه المهارة التي يكتسبها الإنسان في أغراض الحياة هي المعبَّر عنها "بالثقافة"، فالذي يحسن الرماية –مثلا أو السباحة أوركوب الخيل أوالملاحة الجوية أوالبحرية ويجيد الرسم والتصوير، ويتقن الاستفادة والإفادة من علم من العلوم هو مثقَّف.

     ونحن حينما نتصور هذه المعاني الرائعة المفيدة للثقافة وننتقل منها إلى ما يعرضه علينا بعض المتحلّلين من قيود الدين والأخلاق، والقيم الرفيعة من رقص خليع وإبراز للمفاتن، وإغراء للذكور والإناث بإنشاء علاقات محرمة، وإشاعة للفواحش في طول البلاد وعرضها مما نجم عنه الآلاف من الأولاد غير الشرعيين...

     فهل تسمح لنا ضمائرنا وأخلاقنا بل وحتى لغتنا أن نسمي هذه الفضائح المخزية ثقافة؟؟ كلاَّ !ثم كلاَّ !حاش للثقافة الأصيلة أن تسمح لتلك الرذائل بالدخول تحت عنوانها. ومن أقحمها فيها فقد ظلمها، وصيَّرها اسما على غير مسمَّى...

     الأمَّة التي لا تدين بدين، ولا تلتزم بملَّة إذا اختارت لنفسها ما يزيِّنه لها هواها من منكرات فذلك شيء عادي لا يثير الاستغراب لا عند مواطنيهم، ولا عند غيرهم.

     أما أمَّة لها دين عظيم: هو الإسلام الذي لا تبغي به بديلا  وقد حافظت عليه عشرات القرون، وكلفها ذلك ما كلفها من تضحيات، ثم تأتي طائفة منها تتحدّى مشاعرها الدينية والخلقية بعرض أشياء تخدش الحياء، وتغري بالسفاح فهذا لا يسكت عنه إلا من لا يعرف قيمة لوجوده في هذه الحياة، ولا يرتضيه إلا من ختم الله على قلوبهم فهم لا يعقلون.

     دعاني لتجشم هذا الموضوع ما سمعته عن بعض المنتسبين للثقافة الذين انتقدوا الأئمة الذين استنكروا ما قامت به الفرقة الموسيقية التي جِيءَ بها من إفريقيا لترفع من أذواق الجزائريين والجزائريات في مقابل عطاءات سخية جدا من خزينة الشعب ! وممَّا يثير الضحك المتولد عن العجب العجاب أنهم نعتوا أولئك الأئمة بالتخلف!! ومن هم الأجدرون بهذا الوصف أهم الذين يشعرون بأن لهم رسالة مقدسة توجب عليهم أن يقوموا بحقها، (وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في إطار الشريعة الإلهية؟ أم هم الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف في حقول المراتع الأخلاقية الوخيمة؟

     ولنُحِلْ الإجابة إلى القرآن الكريم الذي نؤمن به وبمنزله فهو يقول:"إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"النور19. ويقول أيضا:"ولا تبذر تبذيرًا، إن المبذرِّين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربِّه كفورا" الإسراء26-27.

     ولو أننا حكمنا منطق أولئك الذين يرون التقدم في العري والتكشف، ويرون التــخلف في التستر والتعفف لكانت العجماوات كالماعز والقرود –مثلا أكثر تقدما منهم فهي دائما وفي كل الأحوال مكشوفات العورات !! ولو أن هؤلاء المنتقدين للأئمة فعلوا فعلتهم وسكتوا لاكتفينا بالحوقلة، وتمثلنا الحكمة القائلة " إذا لم تستح فافعل ما شئت" أو لقلنا – كما يقول المثل " رمتني بدائها وانسلت" ولكن طبيعة الاستهتار المتأصلة في نفوسهم أبت عليهم إلا أن يلقوا الكلام على عواهنه، وأن يصفوا غيرهم بما هم متصفون به أشد الاتِّصاف !!

     من نعم الله – تعالى – على النوع الإنساني أن ميزه على النوع الحيواني بميزات عظيمة تستوجب الاعتراف بها، وشكر مسديها، ومنها غريزة حب التستر والتعفف والتجمل باللباس، تلك الغريزة التي خلقها الله عز وجل في أبوي البشر آدم وحواء. وهما في الجنة، وانتقلت منهما إليهم بعد هبوطهما إلى الأرض.

     وسوس الشيطان لآدم وزوجه بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن القرب منها وأقسم لهما أنه لا يريد إلا نصحهما فاستجابا له، فترتب على هذه الاستجابة انكشاف عوراتهما فساءهما ذلك فأسرعا إلى ورق الجنة يسترانها به ...

     مَن الذي غرس فيهما ضرورة التستر، وكراهية التكشف إنه الخالق العظيم الذي أراد أن يسمو بالإنسان ويترفع به عن مستوى البهائم التي لا تدرك معنى لما هو حسن ولما هو قبيح !!! ولا شأن لها بالتستر أو التكشف !

     قال الله – تعالى– في سورة الأعراف:" ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فوسوس لهما الشيطان ليبدي(ليظهر)ما وُوري (أخفي) عنهما من سوءاتهما، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما من الناصحين، فدلاهما بغرور(أنزلهما من مقامهما عند الله) فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما(شرعا يلزقان) من ورق الجنة، ونادهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين؟ قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسريـن، قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقـر ومتـاع إلى حين..."18-23.

     وإذا كان الله – تعالى – قد هيأ لآدم وحواء في الجنة ما يستران بها عوراتهما التي انكشفت (بسبب خداع الشيطان لهما )، فقد هيأ لبنيهما أيضا ما يسترون به عوراتهم في الأرض وما يتجملون به من لباس فاخر، وما يحمون به أنفسهم عند البأس   (كلباس الحرب المصنوع من المعدن) وهو مصداق قوله – تعالى – في سورة الأعراف: " يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم، وريشا، ولباس التقوى، ذلك خير، ذلك من آيات الله، لعلهم يذكرون"25.

     وفي اللباس الذي يواري السوءات إشارة إلى اللباس الضروري وفي الريش إشارة إلى اللباس الفاخر الذي يتزين به الإنسان، وفي لباس التقوى إشارة إلى لباس الحرب الواقي من الضربات العنيفة أو المميتة.كالدروع والمغافر...

     وتفسير لباس التقوى باللباس الواقي في الحرب هو ما ذهب إليه بعض علماء التفسير، ومنهم من فسره تفسيرا معنويا باعتبار أن تقوى الله تعالى – أي خشيته تستر المتقي سترا معنويا كما يستره اللباس المادي سترا حسيا، والتفسير الأول يشهد له قول الله – تعالى – في سورة النحل " ... وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر، وسرابيل تقيكم بأسكم" (81).

وأين نجد ذلك اللباس الذي هيأه الله لبني آدم في الأرض وألهمهم إلى كيفية تصنيعه ليتخذوا منه ملابس لأنفسهم تحفظهم من الحر والبرد؟

     إننا نجده في الصوف الذي يغطي جلود الغنم، وفي الوبر الذي يغطي جلود الإبل، وفي بعض الحيوانات الأخرى. كما نجده في الشعر الذي يغطي جلود الماعز وفي القطن الذي ينتجه النبات وحتى في البترول...إلى آخره.

     ومنذ استقرار بني آدم في الأرض وهم مع إبليس وذريته في معركة خطيرة غير مرئية يحاولون إغواءهم كما أغوى إبليس آدم عليه السلام في الجنة، ويدفعونهم دفعا إلى الوقوع في الشهوات، والتمرد على حدود الله.

     وكما ألهم الله – عز وجل – آدم إلى التوبة من معصيته " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم" البقرة36. وتاب فتاب الله عليه، كذلك حذر بني آدم من تكرار معصية أبيهم بإغواء الشيطان إياهم، فقال لهم :" يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان، كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم..."الأعراف26. وقال لهم: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"س. فاطر6.

     فهل من توبة لأولئك الذين تؤزهم الشياطين أزَّا (تدفعهم دفعا) إلى ارتكاب الفواحش، وتشجيع الأغرار من الناس على الوقوع في الرذائل !! ومنها إغراء الذكور بالإناث، وإغراء الإناث بالذكور!!بواسطة التعري والتكشف، وإبراز المفاتن التي من شأنها أن تؤدي إلى أقبح فاحشة في حكم الإسلام !إنها الزنا الذي حرمه الله –عز وجل – وشرع أقسى العقوبات على مرتكبيه!

     ونظرا لخطورة تلك المنكرات الأخلاقية التي تفاقمت في البلاد حتى إن الفتيان والفتيات لا يتورعون عن إعلان ذلك في الأماكن العامة، بل وحتى بجوار المؤسسات المقدسة – يجب على المجتمع حكاما ومحكومين أن يشعروا بمسئولياتهم إزاء ما يحدث لحماية الآداب العامة والقضاء على مسببات هذه الأعمال المموجة التي تهبط بالمواطنين والمواطنات إلى الدركات البهيمية !!!

     ولنتذكربصفتنا مسلمين– قول نبينا –صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته". والله المستعان.

الأخضر الدهمـــة

متليلي و- غرداية 


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا