|
« اضرب الفخار يبان عيبه »
علمتني
جدتي - رحمها الله - مثلاً شعبياً ، وتركتني أسيراً في قيده : « اضرب على
الفخار يبان عيبه » . ومنذ أن سمعت هذا المثل وفسرت ما يحتويه من معان
وأهداف تملكتني اليقظة بأن كل وطننا العربي مصنوع من فخار، عندما تضرب
على جانب منه يبان عيبه، وينكشف ضعفه وهشاشة بنائه الاجتماعي والسياسي
والاقتصادي، حيث تفسخ النسيج الاجتماعي العربي عامة، ذلك النسيج الذي كان
يشكل كلاً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء، فأضحى الحال
في الوقت الحاضر يبتر العضو تلو الآخر، وباقي الأعضاء لا تشعر ولا تحس،
كمن انقطع عنها وريد الدم المشترك، وتلاشت بين أشعة الشمس روابط الدم
والعقيدة واللغة والانتماء. كما تفكك النسيج الاجتماعي في البلد الواحد،
فالأخ لا يشعر بأخيه، والصديق لا يبالي بصديقه
،
والابن يدير ظهره لأبيه،
قال عليه أفضل الصلاة والسلام : « مازال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننت
أنه سيورثه ».
أما الحاضر المعاش فالأخوة يتنكرون لبعضهم البعض في الميراث الشرعي
وروابط الدم..
أما سياستنا فالحال أسوأ من الحالة الاجتماعية، حيث تقوقع كل بلد عربي
خلف حاكمه والسياسة التي يتبعها شارداً مهموماً لا حول ولا قوة
له، وطغت اللامبالاة، وتبلدت المشاعر وانتشر وباء الجراد البشري
ليلتهم قطع الخريطة الجغرافية العربية واحدة تلو الأخرى والأمة العربية
تتقوقع وتتكدس خلف حدودها الصناعية بلا إحساس أو مشاعر، وتحولنا كالشاة
التي تنتظر دورها على مذبح الموت لا تملك سوى التنديد والاستنكار
والشجب..
وطنٌ بجغرافيته ومقوماته الحضارية والعلمية والتاريخية، تحول لمادة
فخارية نخرتها الهشاشة،ةفإن هويت عليها بكف اليد تهشمت وتحولت لرمال
مفتتة تتبعثر ذراتها بين النسيان والموت .
فما سبق تناوله نتاج حقيقي وفعلي لجيوش الفقراء والمقهورين والمظلومين
والمتسكعين بغياهب البطالة من شباب هذه الأمة، في الوقت الذي تنهب خيرات
الأمة بعمليات مبرمجة تحت مرأى ومسمع أمة المليون وأمة المليار معاً..
كلام مكرر، أصابنا بالرتابة والملل لدرجه الشعور بالغثيان والتقيؤ مما
نحن نعيش في أعماقه، وبين مخالبه... نستذكر الحالة فنعيد تنميق الكلمات
وصياغتها بقالب جديد، ونضفي عليها جماليات اللغة لنخدع أنفسنا وشعوبنا،
ونواصل السقوط والخضوع لإرادة الموت الغير طبيعي..
تتأمل جموع الشباب العربي من المحيط إلى الخليج تجد شباباً متحمساً
مؤمناً بقضاياه، يتفجر حماسة وانتماء يبحث عن تفريغ شحناته الوطنية
والعقائدية فيصطدم بصخرة الواقع العربي، وتتقوقع أحلامه وآماله، وتتبخر
حماسته، فيهرع لأحضان الغرب والهجرة كملاذ واق من الموت النفسي..
أمة انقسمت إلى أحزاب وطوائف تنهش بأعراض بعضها البعض، وتتسابق لممارسه
أنواع الدجل والنفاق السياسي والديني والعقائدي، استباحوا حرمه النفس
الإنسانية التي نقف أمام أرقام الموت اليومية دون اهتزاز شعرة في جسد
أحدنا، في الوقت الذي نتباكى فيه على من ينتقد موقفاً أو سياسة وتزلزل
الأرض تحت الأقدام..
إنها صناعة التحديث الفكري والثقافي المستوردة من معلّبات الزمن
الجاهلي، ولا نتنازل عن مقولة : « للبيت رب يحميه »، فإن كان رب البيت قد
حماه فهل سيحمي البيت دوماً والأمة المسؤولة عن البيت لاتبالي
بالبيت، فاليوم للأقصى ربُّ يحميه وللبيت ربّ يحميه، فمن سيحمي أهل
البيت؟
الخطاب السياسي أضحى سلعة استوزارية أو سلطوية يستعمله أولئك ممن أغواهم
الجاه والسلطان ليدعموا به جبروتهم السلطوي، يمتلكون المال ويدعموه
بالخطاب السياسي، مستغلين جوع وفقر الأمة وحالتها.. يبيعون الأوهام
بزجاجات عطر فرنسية ساحرة.. فما أن يتدارك المواطن العربي خيبته حتى يكون
قد سقط فريسة لكرسي الحكم..
إنها الرتابة المملة، لغة عصرنا، اغتصاب فلسطين وانشغال أهلها في تشكيل
حكومة كرتونية لاتملك سوى اضطهاد وتجويع شعبها، وعراق يصارع الموت في
الطائفية والموت ، والصومال حيث تكدست به الأسلحة وأطفاله يتساقطون صرعى
الجوع، والسودان ولبنان واليمن وليبيا، والجزائر ووووو الخ... من حبات
اللؤلؤ..
ويتحدثون عن أسباب تفجير شاب مغربي نفسه بمقهى انترنت دون سبب أو مبرر،
ويتحدثون عن تطرف أو انحراف... الخ..
والجواب لدى هذه الأمة التي لازالت تبحث عن طوق النجاة، وهو بأيديها
وتستطيع العبور به إلى الحرية والكرامة والشرف وتعيد أمجادها...
سامي الأخرس...
12\3\07
|