|
تعلم
اللغات الأجنبية فريضة إسلامية
د. جمال الحسيني أبوفرحة
أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
إن تعلم اللغات الأجنبية رغم أهميته التي يدركها كل مثقف في عصرنا
الحاضر، إلا أننا لا نعدم من يجادل في ذلك من منطلقات يزعمها بعض هؤلاء
دينية، والدين منها براء؛ فتعلم اللغات الأجنبية من المنظور الإسلامي فرض
كفاية: إن قصرت فيه الأمة أثمت جميعا، وإن قام به العدد الكافي من
المسلمين سقط عن الباقين.
وتثبت الفرضية وتتحقق الكفاية في ذلك بالآتي:
·
تبليغ الرسالة:
يقول تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا".
الأعراف:158ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم– : "كان النبي يبعث إلى
قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود". رواه مسلم.. ولما كان
محمد - صلى الله عليه وسلم – خاتم النبيين، ولقي ربه ولم يؤمن به كل
العالمين؛ حمّل الله تعالى أمته مسؤولية الدعوة إلى العالمين؛ قال تعالى:
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم
شهيدا". البقرة:143. قال المفسرون: ليكون الرسول عليكم شهيدا بأنه
أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وتكونوا شهداء على الناس بأنكم قد أبلغتموهم
الرسالة؛ وهو ما يقتضي تعلم لغات أهل الأرض جميعًا لأداء الرسالة إليهم.
·
نقل كل ما هو مفيد لأمتنا من حضارة الآخر وثقافته:
حكمة قديمة تقول:"ما الأسد إلا خراف مهضومة". . تقول: مهضومة، ولا تقول:
موضوعة بعضها فوق بعض، أو جنب بعض؛ فالأسد لا يكون أسدًا إلا إن اعتمد
على غيره من خراف وأشباهها؛ فاختار ما يأكله، وترك ما لا ينفعه أو يضره،
وهضم ما أكله جيدا؛ وما أشبه الأسد في ذلك بكل أمة تريد لنفسها القوة
والرفعة والعزة؛ فلابد لها من أن تنتقي من عند الآخر ما يفيدها، وتترك ما
عداه، وتصبغ ما تأخذه بصبغتها، وتهضمه وتطوره؛ وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا
بتعلم لغات الآخر وإتقانها؛ ومن الأقوال المأثورة في ذلك: "اطلبوا العلم
ولو في الصين" وهو ما يقتضي تعلم لغة أهل الصين، وكذا لغة كل الحضارات
والثقافات الأخرى.
·
معرفة توجهات الآخر الفكرية بشأننا:
حتى يمكننا أن نتعامل معها بشكل صحيح ؛ ومن الأقوال المأثورة في ذلك:
"من تعلم لغة قوم أمن مكرهم".
ومن أجل كل ذلك كان عند النبي – صلى الله عليه وسلم– من أصحابه من يعرف
الفارسية والرومية والحبشية ويكفيه هم الترجمة منها وإليها، ولما لم يكن
عنده من يعرف لغة اليهود أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – "زيد بن
ثابت" بتعلم لغة اليهود معللا ذلك بقوله : "إني والله ما آمن يهود
على كتابي" راجع البخاري والترمذي وأبو داود وأحمد فتعلمها رضي
الله عنه وأتقنها، واستغنى به النبي عن المترجمين اليهود الذين لم يأمنهم
على كتابه. . ومقتضى أمره – صلى الله عليه وسلم – لزيد هنا هو أمر لنا
بأداء مثل ما أمر به زيد من تعلم للغات الآخر وإتقانها؛ حتى تتحقق كفاية
أمتنا من المتخصصين في كل لغة لأداء ما سبق من مهام.
وصدق الشاعر:
بقدر لـغــات المرء يكثر نفعــــــه فتلك له عند الملمّات
أعوان
فأقبل على درس اللغات وحفظها فكل لسان في الحقيقة إنسان
والله أسال الهداية لنا جميعًا
|