|
حقيقة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
د. جمال الحسيني أبوفرحة
أستاذ الدراسات الإسلامية المساعدبجامعة طيبة بالمدينة المنورة
gamalabufarha@yahoo.com
ذلك شأن البشر أبداً : منهم المفرطون، ومنهم المفرّطون، ومنهم المقسطون.
وأمام قضية كقضيتنا هذه قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم نجد الآراء
فيها كالعادة تتشعب في هذه المسالك الثلاثة.
ومذهب المقسطين في ذلك هو التفريق بين نظريات العلم وحقائقه؛ فلا تفسر
آيات الإعجاز العلمي إلا في ضوء الحقائق العلمية القطعية؛ لأن النظريات
العلمية افتراضية وقد يتبين بطلانها في يوم ما.
صحيح إن القرآن الكريم كتاب جاء لتعريف الناس برب الناس وهو كتاب عقيدة
وشريعة وعبادة وليس كتابًا في الفيزياء ولا في الكيمياء ولا في غير ذلك
من العلوم؛ وإنما الحكمة من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هي
ليعلم أن الذي أنزل هذا القرآن هو الذي خلق هذا العالم بدليل أن القرآن
يكشف عن أسرار علمية لم تكن معروفة لبشر في عصر النبوة، وهذا المعنى يشير
إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "قل أنزله الذي يعلم السر في السموات
والأرض" الفرقان:6.
وهناك حكمة أخرى عظيمة للإعجاز العلمي في القرآن الكريم وهي أنه لا يكتشف
مرة واحدة وإنما يطّلع كل عصر على شيء من هذا الإعجاز؛ ومن ثمة تظل
الأنفس مثارة بتلك الجدّة، والعقول مشدوهة بتلك العظمة؛ لأن الإسلام
رسالة الله إلى كل البشر في كل زمان ومكان؛ فالرسالة الخاتمة لا بد وأن
تكون معجزتها متجددة، وهذا المعنى يشير إليه القرآن الكريم في قوله
تعالى: "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى
صراط العزيز الحميد" سبأ: 6 ونلاحظ هنا في الآية الكريمة أن فعل
الرؤية مستخدم في صيغة المضارعة للدلالة على الاستمرار والتجدد.
ومن أطرف ما قرأت حول قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم كان تعليق
الطبري –مفسر القرن العاشر الشهير- على كلمة (فلك) في قوله تعالى: "كل في
فلك يسبحون" الأنبياء: 33 حيث قال: "ونسكت عما لا علم لنا فيه". .
وهذا التعليق من الطبري لا شك أنه يبين لنا أن كلمة (فلك) لم تكن تعني
مفهومًا علميًا سائدًا في عصر النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- ولا فيما
تلاه من عصور، ولم يكن لها سوى مفهومها اللغوي حتى كشف العلم لنا عن
مفهومها العلمي في عصرنا الحاضر والذي تطابق ولابد وأن يتطابق مع المفهوم
اللغوي حتى نقول إن هناك إعجازًا علميًا.
وهذا التعليق من الطبري ليؤكد على أن الإعجاز العلمي حقيقة واقعة، كما
أنه يرسم لنا قدوة حسنة في السكوت عما لا علم لنا فيه؛ فلا ندعي إعجازًا
في القرآن إلا وهو مقطوع به، ولا ننفي ذلك عن القرآن بلا علم ولا بينة.
والله أعلم .
|