|
د/إبراهيم ابراش
17/10/2005
انفلات المرجعيات أخطر
من الانفلات الأمني
-
خطف الأجانب وما يجري في جامعة الأزهر بغزة نموذجاً-
خلال السنوات الثلاث الماضية انشغل الشارع الفلسطيني وصناع القرار بموضوع
الانفلات و الفساد السياسي وارتفعت دعوات من كل حدب وصوب، من الجمهور
الفلسطيني المكتوي بنار الفساد والانفلات الأمني ومن مثقفين ومناضلين ومن
المعارضة ومن رجالات في السلطة، ومن الغريب أن الصوت الأعلى من بين هذه
الأصوات المطالبة بالإصلاح كان صوت رجالات السلطة ومنهم رموز الفساد
ومسببي الانفلات الأمني، وحيث أنه أسند أمر بحث الموضوع لأيد إما غير
فاعلة أو غير أمينة وغير صادقة بحيث صدق فيهم المثل (وداوني بالتي كانت
هي الداء) فقد تمت لملمة الموضوع بتواطؤ ما بين الفاسدين النافذين في
السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولم تتمكن السلطة في عهد
الرئيس أبو مازن من عمل الكثير في موضوع الانفلات الأمني لأنه ببساطة
يوجد غياب للمرجعيات الناظمة للحياة السياسية سواء عند السلطة أو
المعارضة.
فعلى مستوى السلطة:
في الوضع الطبيعي يفترض أن تكون السلطة الوطنية هي الجهة الوحيدة
المحتكرة لاستعمال القوة وحفظ الأمن وخصوصاً في قطاع غزة بعد خروج جيش
الاحتلال، ولكن الواقع يقول إنه لا توجد حكومة حاكمة ولا سلطة تمارس حقها
بالتسلط المشروع، بل توجد عدة سلطات وعدة حكومات، فهناك سلطة وحكومة
الرئيس وسلطة وحكومة رئيس الوزراء وسلطة وحكومة الأجهزة الأمنية وسلطة
وحكومة تنظيم فتح – وداخلها عدة سلطات وحكومات – وهناك سلطة وحكومة
مافيات الفساد وتجار السلاح (طبقة الفرسان) المتحالفون مع تجار بيع
الوطن، حتى جاز السؤال، مَن يحكم في مناطق السلطة ومَن هو صاحب القرار؟
وعلى مستوى المعارضة،
فليس هناك معارضة واحدة بل معارضات بعدد القوى السياسية غير المشاركة
بالسلطة، ولكل منها سلطة وحكومة، حتى مع بعض التصريحات هنا وهناك تقول
بأنها تعترف بالسلطة، إلا أنها تتصرف على أرض الواقع باعتبارها خارج سلطة
أو نفوذ السلطة الوطنية. المشكلة ليست فقط بعدم خضوعها لمرجعية السلطة أو
مرجعية منظمة التحرير، بل غياب مرجعية واحدة لها كقوى معارضة أو قوى
مقاومة، فلا توجد استراتيجية مقاومة يلتزم بها الجميع ولا قرار سياسيي
موحد، بل ما بين هده القوى من التنابذ والتعارض ما يفوق أحياناً ما بينها
وبين السلطة، حتى حق التساؤل أيضاً، ما معنى حركة المقاومة؟ ومَن هو
المقاوم أو المجاهد؟ وما هو سلاح المقاومة وكيف نفرق بينه وبين السلاح
غير المقاوم؟.ولا داع للتأكيد مرة أخرى للقول بأننا لسنا ضد مبدأ
المقاومة وشرعيتها بل نناقش التباس وارتجالية الممارسة.
دون إنكار الجهود التي بذلها الرئيس أبو مازن والمخلصون في مراكز القرار
لإصلاح حال البلد إلا أن الواقع يقول بأن الأمور تزداد سوءاً وتعقدا،
فكأنه لا يكفي المواطن والوطن ما يعانيه من الاحتلال، فجاء الانفلات
الأمني ليكسر ما تبقى من قوة في ظهر المواطن وليطرح تساؤلات كبيرة
وعميقة، هل الانفلات الأمني هو انفلات أفراد عاديين؟ أم هناك علاقة ما
بين الانفلات الأمني والانفلات السياسي أو غياب المرجعية الواحدة؟ ألا
تشير كل الوقائع بأن هناك أياد خفية وراء الانفلات الأمني ومن ضمن هذه
الأيادي أيادي أباطرة الفساد السياسي وغالبيتهم منفلتون ومتمردون على أية
مرجعية قيمية وسياسية و يسعون عن طريق الانفلات الأمني التغطية على
فسادهم السياسي؟
ما جرى من أحداث خلال الأسبوع الجاري وخصوصاً مشاكل جامعة الأزهر
وإغلاقها، ثم خطف أجانب في خانيونس، وبالرغم من أن الظاهر أن لا علاقة
بين الحدثين، إلا أننا نعتقد بأن الحدثين يرجعان لسبب واحد وهو الانفلات
الأمني الذي هو نتيجة لانفلات أو غياب المرجعيات القيمية والسياسية داخل
السلطة وحزب السلطة. فجامعة الأزهر المعروفة بأنها جامعة السلطة وبالتالي
جامعة حركة فتح أصبحت مشهورة بمشاكلها وكثرة إغلاقاتها والاعتداءات
المتكررة من الطلبة على رؤسائها وأساتذتها، وفي غالب الحالات كانت
الاعتداءات من طلبة من مجلس الطلبة ومن الشبيبة الفتحاوية، أو مدعومين من
جناح منهم أو من أحد الأجهزة الأمنية،وأحياناً تزداد الأمور تعقيداً
عندما يكون المعتدي ابن عائلة كبيرة، ولا تجرؤ الجامعة على معاقبته، وفي
هده الحالة إما أن يكون المعتدي مدفوعاً ومحمياً من طرف أحد أجهزة السلطة
وأجهزة الأمن وهده مصيبة، وإما أن تكون العائلة فوق القانون وفوق السلطة
وأقوى منهم وهده مصيبة أكبر. إذن غياب مرجعية واحدة للجامعة ومحاولة بعض
طبقة الفرسان ممارسة بطولاتهم واستعراض عضلاتهم داخل حرم الجامعة، بعد أن
حرروا فلسطين(!) هو سبب ما يجري .في الوضع الطبيعي يعتبر تسييس الجامعة
أمراً مسيئاً للجامعة وللعمل الأكاديمي، فما بالك إذا غابت المرجعية
السياسية الواحدة كما حالنا الراهن؟.لا أحد يحاجج بكون جامعة الأزهر
جامعة (فتح) ولا باس أن تبقى كذلك ولكن يمكنها أن تكون كذلك دون أن تتحول
ساحة لصراع مراكز القوى وللفاشلين الذين يسعون للنجاح دون وجه حق. وليكن
لنا بالجامعة الإسلامية قدوة حسنة، فبالرغم من أن هده الجامعة محسوبة
على حماس-مع أنه من الخطأ أن تكون هناك جامعة لفتح وجامعة لحماس-
فالجامعات يجب أن تكون فوق التحزبات السياسية- إلا أنها لا تعرف مشاكل
كمشاكل جامعة الأزهر – وفي لقاء للرئيس محمود عباس مع مجموعة من الأساتذة
الجامعيين أشاد بالجامعة الإسلامية وقال إنه يفتخر بهده الجامعة-والسبب
هو وجود حركة حماس واحدة لها مرجعية واحدة. وللأسف وما هو أمر خطير أن ما
يجري في جامعة الأزهر يُبلغ رسالة خطيرة ومغرضة يروجها كثيرون، مفادها
أنه إدا كانت فتح غير قادرة على إدارة جامعة عدد طلبتها عشر آلاف طالب
،فكيف تنجح بإدارة وطن؟
في نفس السياق يأتي العمل المشين وهو خطف أجانب من طرف مسلحين. فبكل
بساطة يعلن مسئول أمني كبير وفي مؤتمر صحفي بأنه تم إطلاق سراح المخطوفين
وأن الخاطفين معروفين ولهم مطالب من السلطة وأن الشرطة تبحث عنهم! الغريب
هنا والخطير أن كل من له مطالب أصبح يلجا لخطف من يصادف من أجانب أو من
مسئولين أو يهاجم مقرات السلطة وكأننا نعيش في شريعة الغابة، والأغرب أن
يقول المسئولون بأن الخاطفين معروفون والشرطة تبحث عنهم وكأن خانيونس أو
قطاع غزة مجاهل أفريقيا أو الربع الخالي داخلها مفقود وخارجها مولود!
لم تكن هده المرة الأولى التي يتم فيها خطف أجانب، وهو عمل في ظل ظروفنا
الحالية يرقى لدرجة الخيانة العظمى نظراً لنتائجه المدمرة على قضيتنا
الوطنية، بل سبقتها مرات عديدة ،وكانت سابقاتها من عمليات على يد محسوبين
على حزب السلطة، وللأسف لم تتخذ بحق هؤلاء أي إجراءات عقابية تكون رادعاً
لغيرهم، بل كانت السلطة تدخل في مفاوضات مع الخاطفين وتلبي لهم مطالبهم
أو تعدهم بتلبيتها أو تعدهم بعدم المتابعة القانونية.
إن ما يجرى من فوضي يعود لغياب المرجعية السياسية الناظمة للحياة
السياسية، تعدد المرجعيات على المستوى الوطني يضعف السلطة الوطنية
داخلياً وخارجياً ويؤدي لحالة الانفلات الأمني، وغياب المرجعية الواحدة
لحركة فتح يشجع آخرين على التمرد والفوضى لأن الحزب الحاكم ليس قدوة
حسنة، وتعدد المرجعيات السياسية والتنظيمية والأمنية داخل جامعة الأزهر
هو السبب في الوضع المزري لهده الجامعة التي شاءت الظروف أن أكون احد
أساتذتها.
وأخيراً، نقول هناك وطن يُعاد بناؤه، تتجاذبه قوتان، قوه بناء وتشييد
يقودها جند مجهولون يعملون بصمت، وقوة هدم من خارج الوطن ومن داخله، قوة
هدم يشارك البعض فيها عن وعي وآخرون بغير وعي، والغلبة لا بد أن تكون
لقوى البناء أما الفاسدون والمفسدون فلن يسكت عنهم الشعب طويلاً. |