|
بيعة الجهاد لتمزيق الصهيونية وتحطيم أصنامها
«إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُونَ
فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً
فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ
وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا
بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (التوبة:111)
بقلم
محب الدين الخطيب
لما توارت ظلال الأشياء كلها في ساعة الظهيرة من يوم الجمعة المبارك 18
ذي القعدة (3 أكتوبر) وتبوأت الشمس مكان التاج على هام الدنيا تحت قبة
السماء، وهتف دعاة الله بكلمة «الله أكبر» من مآذن العالم الإسلامي، لبّى
هذه الدعوة القدسية ملايين لا تحصى من سلاسة الفاتحين والصالحين، فاكتظت
بهم عشرات الألوف من مساجد المدائن والقرى في مصر وأخواتها من الدول
العربية السبع، ليسمعوا من القائمين على منابر الإسلام، حديث بيعة الجهاد
في سبيل الله لتمزيق الصهيونية اللعينة وتحطيم أصنامها.
إن هذه الدنيا سوق، ومن دأب الناس أن يتبايعوا فيها عيناً بعين، وعيناً
ببدل، وعملاً بنقد، ومعروفاً بأمل... إلى غير ذلك من صنوف المبادلات
المادية أو المعنوية التي يرى كل من المتبايعين والمتبادلين أن له في
صفقتها ربحاً ومصلحة.
وهذه السوق التي دعا المؤذنون للجمعة في ساعة الظهيرة من ذلك اليوم إلى
إقامتها في المساجد كان فيها أحد المتبايعين هو الله بارئ الكون ومالك ما
فيه من نعمة ومتعة ومصلحة وكسب، وكان المتبايع الثاني قلب المسلم،
والسلعة التي باعها المسلم لربه معاهدته ربه على بذل ما في طاقته من جهد
لتمزيق الصهيونية، وتحطيم أصنامها. وإن الثمن الذي ضمنه الله له تلقاء
هذه السلعة رضاؤه والجنة : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ
فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (الفتح:10).
إن جهاد المصريين والعراقيين والحجازيين واليمنيين والسوريين واللبنانيين
والأردنيين سيكون تحت ألوية حكوماتهم التي قررت الجهاد في اجتماعها
الرسمي في (صوفر)، وستكون هذه الشعوب العربية بعشرات الملايين رديفاً
لعرب فلسطين الأبطال إذا شمروا للجهاد دفاعاً عن حياتهم وعن بيوتهم وعن
سواحلهم وجبالهم وأوديتهم وعن الأمانة التي تسلموها للمرة الأولى من عمر
بن الخطاب وأبي عبيدة وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، ثم عادوا فتسلموها
للمرة الأخيرة من يد صلاح الدين الأيوبي. وقد كانت بداية الجهاد الذي
كتبه الله على كل مسلم وكل عربي ـ لنجدة المجاهدين من عرب فلسطين ـ من
ساعة دخوله يوم 18 ذي القعدة إلى المسجد لصلاة الجمعة حيث تعاقد مع الله
على بيعة لا يطالبه الله فيها إلا ببذل الجهد وتقديم المقدور عليه في
مقاومة الصهيونية وتمزيقها وتحطيم أصنامها، ثم الصبر على ذلك إلى أن
تنتهي المعركة. ومن فاته شهود البيعة في ذلك اليوم ومشاركة المسلمين
فيها، لسفر عاقه أو مرض طرأ عليه أو عذر حال بينه وبين ذلك، فإن الفرصة
لا تزال سانحة له عقب أي صلاة يتوجه فيها إلى الله، أو في أي ساعة يخلو
فيها قلبه لمناجاة الله فيعقد هذا البيع بينه وبين ربه خالصاً مخلصاً على
أن يبذل ما يستطيعه من جهد، وقد جعل الله وعداً عليه حقاً في التوراة
والإنجيل والقرآن أن يكون ثمنه الجنة. وهي صفقة رابحة لم يفز بمثلها تاجر
في أية سوق من أسواق العالم. وكل مسلم عقد مع الله هذه الصفقة، ونقش على
صفحة قلبه شرطي البيع ـ البضاعة والثمن ـ فقد أصبح واجباً عليه أن يلبي
دعوة حكومته التي ارتبطت بتوقيع ممثلها الرسمي في (اجتماع صوفر) على
الوعد بالدفاع عن حقوق العروبة والإسلام في فلسطين ما دامت لهذه
الصهيونية الملعونة أية علاقة بتلك الأرض العربية الإسلامية التي هي
أمانة عمر بن الخطاب وقادة جيوشه، وصلاح الدين الأيوبي وأبطال كتائبه في
أيدي أبناء الجيل من العرب والمسلمين.
ومن الآن إلى أن تدعو دول الجامعة العربية شعوبها أو من تختارهم من رجال
بلادهم وشبابهم، يجب على كل عربي وعلى كل مسلم أن يعتبر نفسه في حالة حرب
مع الصهيونية وأهلها وأنصارهم، فيحاربهم الحرب الاقتصادية التي أعلنتها
حكوماتنا منذ حين، ويقاطع بضائعهم ويمنع القرش العربي من أن يتسرب إلى
خزائنهم، ويعين فلسطين ـ الذين هم جبهة القتال الأمامية ـ على كل ما
يحتاجون إليه في حربهم مع العدو، ويعتبرهم أبناءه وأعز من أبنائه، وإخوته
وأقرب من إخوته ويعلم ـ عن إيمان ويقين ـ أن فلسطين قلب الوطن العربي
وأنها باب الحجاز وثغرة الحرمين الشريفين، وأن التقصير في حمايتها خيانة
لله ورسوله، وللإسلام وأهله، وللعروبة وحياتها ولمصر وأخواتها، ولخطوط
الدفاع العسكري عن صميم حماهن. هذه المعاني كلها يجب أن يتعبد بها المسلم
عقب صلاته وأن يناجي الله بها، ويجعلها بضاعته التي يعرضها في سوق الله
فيحظى برضاء الله، ويستحق الثمن الذي وعد الله المجاهدين وهو جنة الخلد
مع حبيب الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم والشهداء من أصحابه وأبطال
أمته، وذلك هو الفوز العظيم.
صحيفة
الفتح،
العدد
849 ( ذو القعدة / 1366 )،
ص 869 |