منتدى موقع التاريخ

العروبة والفرعونية

مجال جديد لنشاط الشباب *

            لما عاد الأستاذ محمد علي باشا من بيت المقدس ممتلئاً إيماناً بحاجة الأقطار العربية التي يتكلم أهلها بالعربية إلى أن تكون بينها أواصر وثيقة العرى ، جزع من ذلك أفراد كتبوا في « المقطم » وفي غير « المقطم » يقولون ما معناه : إن مصر لا حاجة بها إلى توثيق هذه الأواصر ، وإن مصلحة وادي النيل في أن تكون له قومية منفصلة عن كيان القومية العربية . وتشدَّق بعضُ الأقباط والملاحدة بشيء سمُّوه الفكرة الفرعونية أو القومية الفرعونية ظانين أن ولوج هذا الباب يمكن أن يؤدي بهم إلى إبعاد مصر  عن الإسلام .

            وما كان يخفت ذلك  الصوت الأثيم ،حتى سمعنا صوتاً آخر يتردد بين جدران الجامعة المصرية بالدعة إلى إنشاء مناظرة في هل من مصلحة مصر أن تعمل على إحياء القومية الفرعونية أو أن تتمسك بالقومية العربية .

            بين هذا وذاك ، كان فريق من شبابنا الطاهر يتميَّز غيظاً من الإساءة لمصر بمحاولة حرمانها من مكانتها الممتازة بين الشعوب الناطقة بالضاد ، وقطع ما بينها وبين شعوب الشرق العربي من الروابط التي إن لم ترجع إلى زمن « مينا » الآسيوي السامي ، بل العربي ، قلتُها بلا أدنى ريب ، ترجع إلى بضعة عشر قرناً على الأقل ، ومصر أوفى وأكرم من أن تنسى روابط مضى عليها كل هذا العهد الطويل . ولعل هذا الشباب المبارك – الغاضب للغته وأمجاده وتاريخه المتصل – أصبح الآن على وشك أن يؤسس جمعية للعروبة تكون إن شاء الله وسيلة لتوفيق الارتباط والاتصال بين مصر وسائر الأقطار العربية .

           الآسيوي السامي ، بل العربي ، قلتُها بلا أدنى ريب ، ترجع إلى بضعة عشر قرناً على الأقل ، ومصر أوفى وأكرم من أن تنسى روابط مضى عليها كل هذا العهد الطويل . ولعل هذا الشباب المبارك – الغاضب للغته وأمجاده وتاريخه المتصل – أصبح الآن على وشك أن يؤسس جمعية للعروبة تكون إن شاء الله وسيلة لتوفيق الارتباط والاتصال بين مصر وسائر الأقطار العربية .

            إن مصر ما برحت تتعذى – من قبل فجر التاريخ – بملايين من جيرانها الغرّ الميامين بيض الوجوه القادمين عليها من طريق سيناء ، وإذا كان « مينا » أقدمَ رجل عرفه التاريخ من هؤلاء الآسيويين فما هو بأوَّلهم ، لأن الطريق كان موجوداً من قبل « مينا » وكان يتدفق منه القادمون ، وإذا كانت أسرة المويلحي أحدث أسرة مصرية تحمل في عنوانها برهان مجيئها إلى مصر منبلاد العرب فما هي بآخر أسرة أهدتها التربة العربية لوادي النيل ، فمصر كانت من الأزل وستبقى إلى الأبد مهجراً للعنصر العربي الأصيل ، لا من حدود مصر الشرقية فقط ، بل ومن حدودها الغربية أيضاً ، ولا أبالغ إذا قلتُ أن العرب وصلوا إلى مصر من باب ثالث – وهو باب المندب – فساروا مع النيل من منابعه إلى حيث يصب في البحر الأبيض المتوسط ، وامتلأت بهم هذه الديار في أجيال كثيرة .

            كان المغفور له فقيد تاريخ مصر القديم أحمد كمال باشا قد وقف حياته على تأليف أكبر معجم قدماء المصريين ، ولما انتهى من تأليفه في عشرات الألوف من الصفحات تبيَّن له أن ثلاثة أرباع الكلمات التي كان ينطق بها قدماء المصريين يوجد في لغتنا العربية الحديثة ما يقابلها لفظاً ومعنى ، فتكوَّن عنده بسبب ذلك اعتقاد جازم بأن العرب والمصريين من أصل واحد ، وإنما كان الخلاف بينه وبين بعض الباحثين في هذا الموضوع هو في الحكم بأن العرب من أصل مصري أو أن المصريين من أصل عربي . وليس هنا موضع هذه المسألة ، وإنما عرضنا الوصول إلى أن قدماء المصريين وقدماء العرب من أصل واحد .

            ولأجل أن أقرِّبَ هذه الحقيقة من الأذهان ، فيفهم القارئ إلى أي حدٍّ تتفق  القوميةالمصرية القديمة مع القومية العربية القديمة ، أضرب له المثل برحلة إبراهيم عليه السلام من وطنه الأول (العراق) إلى سوريا ، ثم إلى فلسطين ، وانتقاله من فلسطين إلى مصر وإقامته فيها مدة تزوَّج فيها من هذه البلاد ورُزِق من زوجته المصرية ابنه إسماعيل ، ثم انتقل بزوجته وابنه إلى الحجاز وتركهما هناك . ترى هل كان مع إبراهيم عليه السلام  ترجمان تعلم اللغات الكثيرة في مدرسة برليتس ليتفاهم إبراهيم بواسطته مع سكان كل هذه الأقطار ؟ إن إبراهيم عليه السلام لم يكن في حاجة إلى ترجمان لأن اللغة  التي كانت يومئذ في العراق وفي سوريا وفي فلسطين وفي مصر وفي الحجاز إنما كانت متقاربة جداً لأنها ترجع إلى أصل واحد ، بل لعلها لهجات تجمع بينها لهجة واحدة كما هي الحال الآن في هذه الأقطار نفسها . فالعراقي والحجازي يختلفان في اللهجة ولكنهما يتفقان في أًصل اللغة ، وهذ هو السر في أن ثلاثة أرباع المعجم الذي ألفه أحمد كمال باشا للغة المصرية القديمة يتفق مع العربية الحاضرة لفظاً ومعنى ، . هذا مع العلم بأن العربية الحاضرة أنها هي لغة مضر وأما لغة جزيرة العرب في زمن إبراهيم فكانت تختلف عن العربية الحاضرة في أمور كثيرة منها الإعراب الذي هو حديث عهد قبل الإسلام بما لا يزيد عن مائتي سننة . ولو كانت لغة جزيرة  العرب التي كانت مستعملة زمن إبراهيم مدوَّنة في الكتب لرأينا الفرق بين العربية الحاضرة والمصرية القديمة .

            إذن ، فالقومية العربية ليست أجنبية عن قومية قدماء المصريين ، وإذا استطاع أي رجل مصري أن يضمن لنفسه أنه من سلالة قدماء المصريين فإنه مع ذلك لا يزال متصلاً بالقومية العربية اتصالاً عظيماً لا بد أن العلم سيكشف عن تفاصيله .

            وفضلاً عن ذلك ، فإن الحضارات لا يُبحَث في قوميات أهلها عن الأنساب لأن الأنساب إنما تبقى محفوظة في أُسَرٍ مخصوصة وفي العشائر البدوية التي لا تتزاوج إلا فيما بينها ، وأما في الحضارات فالعبرة باللغة ، فهي الرابطة بين الأمم . وأي فرنسي يستطيع أن يضمن لنفسه أنه من سلالة قدماء سكان فرنسا؟ إن ذلك مجهول ، وأما الأمر المعلوم فهو أنه ولد فرنسياً يتكلم بالفرنسية فهو فرنسي . وكذلك كل مَن يولد متكلماً باللغة العربية فهو ابن عرب . وهل رأينا فرنسيين يتعصبون لرجل كتعصبهم لنابليون بونابرت ؟ إن هذا الرجل من أبوين إيطاليين من أهل جزيرة كورسيكا التي قوميتها إيطالية وإن كانت تابعيتها السياسية فرنسية. فهل كونه من أبوين إيطاليين أطمع الإيطاليين في أن يدَّعوه أو زهَّد الإفرنسيين في أن يعدُّوه منهم؟

            إن محاولة إقناع مصر بأنها غير عربية ليست إلا دسيسة دسَّتها يدٌ من مصلحتها أن تتمزَّق الشعوب العربية وأن تتقاطع وأن لا يتعاون بعضها مع بعض ، فليربأ كل مصري بنفسه عن أن يجعلها آلة تعبث بها تلك اليد الدساسة لتنال مأربها من بقاء الشرق العربي ضعيفاً إلى الأبد .

محب الدين الخطيب


*  العدد 229 ، القاهرة : يوم الخميس 20 رجب 1349 ، السنة الخامسة [ص 449 – 450]

 


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا