منتدى موقع التاريخ

إلى شباب العرب والإسلام *

            إلى كتيبة الجيش الذي أوله مع خالد بن الوليد قبل أربعة عشر قرناً ، وأوسطه مع فؤاد حجازي على مشنقة فلسطين ، ومع عبد اللطيف الصبيحي ومحمد علال الفاسي في سجون المغرب ، وآخره في قلاع الوطن الأكبر للعرب والإسلام يوم تنجلي سحائب المذلة والجهل عن سمائه، فتخفق فيه راية الاستقلال والعرفان ،وينادي المنادي من مآذن المساجد المحمدية : العزة لله ولرسوله ولصالحي المؤمنين .

            إلى الكتيبة التي نعاصرها الآن من هذا الجيش الذي أوله عند خالد وآخره عند حُماة الملة وأسُود الوطن الظافرين المنتصرين ، أوَجِّه كلمات جاشت بها نفسي وأنا أودِّع سن الشباب ، وأنتقل منه إلى دور الكهولة .

            إن نصيبكم من أيام المستقبل في الوطن الأكبر أعظم وأطول من نصيب آبائكم أيها الإخوان ، لذلك كان نصيبكم من الواجب نحو الوطن والمستقبل أكبرَ من نصيبهم ؛ لأن الغُنْمَ بالغُرْم ، والغُرْمَ بالغُنْم ، فاستعدوا لأداء الواجب ، لتستحقوا المكافأة عليه .

            أول واجبات الشباب أن يعرف حقَّه العام ، وأن يؤمن به ، وأن يتخذ منه زجاجتين يضعهما أمام عينيه فلا ينظر في الدنيا إلى شيء إلا بهما .

            إذا آمنتَ بحقك العام انتفى اليأس من قلبك ، وقمتَ بواجبك حثما كنت ، ومِن أيّ طريق سلكت ، لأن الواجب نحو الوطن الأكبر ذو وجوه لا عِداد لها وألوان لا يأتي عليها الحصر : فالتاجر يخدم بلاده وأهله بتجارته ، والمؤلف يخدمهما بمصنفاته ، والموطف من كرسي وظيفته ، وكل ذي عمل يستطيع أن يكيِّف عمله بالكيفية التي تضمن لنفسه المصلحة المنشودة ويكون مع ذلك نافعاً للأمة والوطن .

            يجب أن يكون وطنك وقومكم وبنو ملتك أغنياء ، ليستغنوا بذلك عن الأجانب ، فاحرصْ على أن يدخل جوفك شيء أجنبي إلا إذا كان لا غنى لك عنه قط ، ولا سبيل إلى حصولك عليه من غير الأجنبي . واحرصْ على أن تلبس على جسمك شيئاً أجنبياً ، إلا إذا كان لا غنى لك عنه قط ، ، ولا سبيل إلى الحصول عليه من غير الأجنبي . واحرص على أن لا يقع نظرك – في منزلك أو عند أحد من ذويك – على أي شيء أجنبي ، إلا إذا كان لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى اقتنائه إلا من أجنبي ، وفي مثل هذه الضرورات لا بأس من استعمال المواد الأجنبية بقدر الضرورة وبشرط أن يكون من واجبك التفكير والحث والسعي لأن يكون لوطنك وقومك وبني ملَّتك ما يقوم مقامها في أقرب وقت ممكن .

            يجب أن يكون وطنك وقومك وبنو ملتك أحبَّ الجامعات إليك ، فلا تدع لأعداء وطنك وأمتك ودينك أيَّ مجال لانتقاص كرامة هذه الجامعات المقدسة أو الحطِّ من منزلتها أو الطعن في شيء منها أو الاقلال من أصدقائها . وكل الكتب والصحف التي تهين جامعتك الوطنية والقومية والدينية وتمس بكرامتها إنما هي كتب سوء وصحف سوء يجب عليك دفع شرها ونقض أباطيلها واعتبار أصحابها أعداء لك محاربين .

            يجب أن يكون وطنك وقومك وبنو ملتك في مستوى أرقى من مستواهم الحاضر . وهل يرقى مستوى الوطن والأمة وأهل الملة إلا بارتقاء الوحداث التي يتألف منها الوطن والأمة وأهل الملة ؟ وما دمتَ واحداً من هذه الوحدات فاعمل على أن تكون راقياً بمعارفك ، ووسائل معيشتك ، وجميع تصرفاتك  متواضعاً في ذلك جميعاً ، متباعداً عن كلمة « أنا » فإن كلمة « أنا » طالما استعاذ الأخيار بالله من شرورها .

            ستكون من وطنك في إحدى وظائفه الحكومية ، أو على رأس عمل من أعماله التجارية ، أو في شأن من شئونه الصناعية ؛ بل قد يدعوك وطنك إلى أن تتقدَّم له بأعمال أخرى كبيرة أو صغيرة ، فيجب أن تعتبر نفسك في كل ذلك جندياً في كتبة أولها عند خالد بن الوليد وآخرها في القلاع التي ستقام لحراسة الوطن الأكبر بعد تحريره واستقلاله ، فكل عمل يتولاه الإنسان وينوي أن يكون وسيلة من وسائل الخبر لوطنه وقومه وبني ملته ، فإن هذا العمل يعتبر حينئذ جهاداً في سبيل الله ، ويُثاب عليه صاحبه ثواب الأبرار المجاهدين والعاملين الصابرين .

            أيها الشبان ، إن المهمة التي تنتظر منا العربيةُ والإسلامُ أن نقوم بها يكننا أن يقوم كل واحد منا بجانب منها في نفس عمله الذي يتولاه مهما كان نوعه . وجماع هذا الأمر أن يكون الأقربون أولى بمعروفنا من الأباعد ، وأن نلتمس الرزق من طريق يكون فيه النفع للأمة والوطن .

            أيها الشبان ، إن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، وكلما كان في معترك الحياة أكثر إخواناً كاذ بذلك أقوى على تحقيق  الأماني وتحصيل الرغائب . وإن الغرب لما توجَّه بوجهه إلى الشرق ليسلبه استقلاله ويحوِّله عن شرقيته ويستغل ثرواته ومواهب أهل لمصلحة الغربيين ، كان من أهم ما قرَّره تجزيء روابط الشرق وقطع الأواصر بين أهله ، فبعد أن كان المسلم أخا المسلم وعوناً له على اختلاف الأوطان ا نتشرت في أيدينا كتبٌ ووقعت تحت أنظارنا صحف تدعونا إلى التخلي عن هذه الروابط ، وتحيي فينا عصبيات صغيرة كان الإسلام قد أماتها لنحيى بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها . فإذا شممتم رائحة الدعوة إلى تمزيق عروة الله وإنكار إخوة الإسلام من خلال كتاب أو صحيفة أو من حديث جليس فاعلموا أن الشيطان هو الذي يكلمكم ليحقق فيكم خطة رسمها الغرب للاستيلاء على الشرق . وها إن الفرنسيين يقولون للبربر إن مواطنيكم العرب أجانب عنكم . ألا فليعلم المسلم البربري أن العربي أخوه في الإسلام ، وأخوه في الوطن ، وأخوه في المصيبة ، وأما الإفرنسي فأجنبي في الدين ، أجنبي في الوطن ، أجنبي في اللغة ، وهو رأس المصيبة .

            أيها الشبان ، كونوا مع الجماعة ، واحذروا الفرقة . كونوا جنود الأخوة العامة واحذروا الحزبيات الصغيرة والوطنيات الضيقة النطاق .

            إن أجمل صفات الشباب أن يقفوا حياتهم ومواهبهم في سبيل الله ، فأيما عمل اعتقدوا أن لله به رضى أقدموا عليه متواضعين وتقربوا إليه به خجلين . والله يجزي المحسنين .

محب الدين الخطيب


* العدد 223 ، القاهرة : يوم الخميس 8 جمادى الآخرة 1349 ، السنة الخامسة [ص 353 – 354]

 


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا