|
مدسوس على اليهود وعلى المسلمين
ذلك هو (حسين محمود) الذي يقول في مقطم يوم الجمعة : « هل من
العدل إقصاء اليهود : لا عن مبكاهم وحده ، بل عن معابد سليمان وداود
أيضاً ؟ أمِنَ المنطق أن نرجع إلى الفتح وويلاته وقصص تشتيت شمل اليهود
المساكين في أنحاء الأرض ، ونتخذ هذه الأعمال براهين لإبقاء ما أخذه
(أجدادُنا) ؟ لمَ لا نفهم مسائلنا السياسية الحالية بهذا المنطق ؟ فهل
نقبل مثل هذه الاثباتات من الإنكليز أو الفرنسويين أو غيرهم عندما
نطالبهم بالجلاء عن أوطاننا ؟ لنقلب الموضوعَ من الوجهة الدينية : فهل
كنيس اليهود غير خيمة الاجتماع التي يقيم فيها أولاد لاوي الطقوس الدينية
؟ أعتقد أننا نستفيد من التعاون مع اليهود (أولاد عمِّنا) أكثر من أي أمة
أخرى ... إن اليهود متعلمون أقوياء ... الخ » .
ويقول اليهودي (حسين محمود) في هذا المقال أيضاً : « إنني
أدافع عن فكرة القومية المصرية ، وأحاول كل جهدي أن أحرض على الابتعاد عن
الاندماج في الوحدة العربية لعدة أسباب أهمها :
1-
ليس المصريون عرباً
2-
أن الأمم العربية الأخرى تتفاوت درجات نموِّها تفاوتاً بيناً ، ولكل منها
حالة محلية خاصة ومشكلات خاصة فليس من صالحنا أن نتولى قيادة هذه الأمم
كما يحوال البعض أن يقول ، إلا إذا كان عندنا الاستعداد لذلك ...
وأخيراً (وهو الأهم) أنه وجدت مدنية إسلامية – يسمونها عربية خطأ – لم
تتابع سنن التطور منذ عشرة قرون تقريباً ، فمن الصعوبة إلانة عودها الصلب
لتصبح صالحة للوقت الحاضر . وإذا فرض أننا تمكنا من ذلك فإن نصف الوقت
سيضيع في الترقيع والاختيار ، ونحن أحوج إلى دقيقة واحدة نقتبس فيها
مدنية منظمة عصرية راقية .
إننا إذا اخترنا اسم (فرعونية) لثقافتنا ومدنيتنا وآمالنا
المستقبلة فليس المقصود من هذه الرجوع إلى بناء المعابد وتقديس
الحيوانات والكتابة بالهيروغليفية ، بل هي صيحة جهاد تدل على الرغبة في
توحيد جهود سكان وادي النيل للسير إلى الأمام .
إننا نقتبس ونحن في مبدأ نهضتنا من غيرنا . وأمامنا الآن الاختيار
ما بين وضع المدنية الإسلامية القديمة أمام عيوننا نموذجاً ننسج على
منواله ، ووضع المدنية الغربية نموذجاً . وأنا لا أتردد لحظة واحدة في
اختيار المدنية الحديثة » .
***
هذا أهم ما في مقالة المدعو حسين محمود ، وهو مما لا يجوز أن
نمرَّ به دون أن نضعه في الميزان ونبين للناس قدره .
وقبل كل شيء نريد أن نحلل (حسين محمود) لأن معرفة القائل شرط
في معرفة القول في مثل هذه البحوث .
حسين محمود اسم نكرة لم يقع عليه حتى اليوم نظر قارئ مصري ،
ومعنى هذا عندي أنه رجل جبان اختبأ وراء هذا الاسم ، لأنه يحمل اسماً آخر
لو عرضه على أنظار الناس لخسر القضية من بدايتها ، ولو كان في نشر اسمه
الحقيقي مصلحة للموضوع لما اختبأ هذا الجبان وراء اسم آخر .
ومع ذلك أحب أن نعرف من هو .
يزعم حسين محمود أنه يدافع عن (فكرة القومية المصرية) ثم
يزعم أن المصريين ليسوا عرباً، إذن فهو عند نفسه ليس عربياً ، ويقول أن
(أجداده) أخذوا هيكل سليمان وداود من اليهود وبنوا عليه المسجد الأقصى
ومن العدل أن يعيد هو إلى (أولاد عمِّه) اليهود ما أخذه أجداده منهم .
فكيف يكون هذا الكاتب غير عربي ثم يكون الذين شيدوا المسجد
الأقصى (أجداده) ؟ بل كيف يكون الكاتب من أبناء الفراعنة الذين تلعنهم
توراة اليهود ثم يكون من أبناء عم اليهود ؟
يظهر لنا من هذا وذاك أن الرجل يجهل نفسه ، ومن جهلَ نفسه
فأحرى أن يجهل كل شيء .
ومن جهالاته أن يحكم بأن من العدل أن يعيد العرب لليهود
المسجد الأقصى ، فكأنه لم يقرأ في التاريخ أن العرب لم يأخذوا من اليهود
شيئاً . وجهالة أخرى أن يقيس قضية العرب واليهود بقضية الإنكليز
والمصريين ، مع أن العرب هم سكان البلاد وأصحابها ، واليهود غرباء قادمون
من بولونيا وروسيا وألمانيا ... الخ ، فهم الغرباء والعرب الوطنيون ،
بعكس المصريين والإنكليز .
وأما أن المصريين عرب أو غير عرب ، فالمصريون يتكلمون اللغة
العربية من مصب النيل في الدلتا إلى أقصى مديريات الصعيد بل إلى أعماق
السودان ، ,هم عرب كما أن الفرنسويين فرنسيويون، وكما أن الأمريكيين
أمريكيون ، وكما أن الألمانيين ألمانيون ؛ والعبرة في الحضارات لا تكون
بالأنساب ، لأن الحضارة أشبه بالبوتقة تمتزج فيها العناصر وتضيع فيها
مظاهرها . فنابليون بونابرت وهو مفخرة الفرنسويين ربما كان إيطالياً
بنسبه لكنه فرنسوي في لغته ووطنه وعصبيته . وكم من ألماني عظيم هو في
الحقيقة من أصل صقلبي ، لكنه ولد يتكلم الألمانية فكانت عصبيته الجرمانية
لا تفوقها عصبية القبائل . فهل إذا قال حسين محمود « ليس المصريون عرباً
» يكون المصريون أتراكاً أو يهوداً أو هولنديين ؟ المصريون ولدوا
يتكلمون العربية وأنف اليهودي حسين محمود راغم ؛ والمصريون يسمون أنفسهم
(أولاد عرب) وأنف هذا اليهودي راغم ، والمصريون عرب كما أن الفلسطينيين
والسوريين عرب ، وكما أن العراقيين عرب ، وكما أن كل ناطق بالضاد على وجه
الأرض ليس له قومية ينتسب إليها سوى العربية .
يقول مؤلفو سيرة مصطفى كمال باشا أن أصله من لاريسا في بلاد
اليونان وأنه ولد في سلانيك التابعة لبلاد اليونان ، ولكن الرجل ولد
يتكلم التركية فعصبيته للقومية التركية يستطيع اليهودي حسين محمود أن
يسأل عنها إن كان جاهلها . فهل نقول بسبب أن أصل مصطفى كمال باشا من
لاريسا أنه يوناني ؟ ولو رحتَ تبحث عن قادة العصبية التركية في تركيا
لرأيت أكثرهم بين جركسي وأرنؤوطي ولاز ورومي وأرمني وكردي .. الخ ، وانظر
إلى وجوههم هل ترى فيها سحنة القومية التي تراها في جبال ألتاي وفي بلدتي
بخارى وخيوة ؟ إن القوم لما فكروا في تعيين قوميتهم كانوا يعلمون أنهم
أبعد عن العرق التركي من الصيني عن العرق العربي ، ومع ذلك تراهم يتعصبون
للتركية أكثر من تعصبك أنت للمتناقضين : فرعون واليهود .
المصريون عرب ، لا من ثلاثة عشر قرناً إلى الآن ، بل من تسعة
آلاف سنة إلى الآن ، ولو كنتَ تعلمت في مدرسة ابتدائية لكنتَ تعلمت أن
(مينا) أقدم الفراعنة إنما هو رجل (أسيوي) جاء إلى وادي النيل من طريق
العريش فهو عربي أيها اليهودي ، لكنك يهودي جاهل .
دعنا من جهلك بالتاريخ والأتنوغرافيا وتطور القوميات وتعالَ
نصل إلى مقصودك الأول ، ألا وهو دعوة مصر إلى الانسلاخ عن الحضارة
الإسلامية والأخذ بحضارة بلاد الصليب . هنا نراك تحولت عن اليهودية إلى
الصليبية ، وهذا عجيب ، لكن العجب يزول إذا علمنا أنك تجمع بين
المتناقضات لغرض واحد تريد أن تصل منها إليه ، وهو الضغينة على الإسلام
وكراهيته واحتراق فؤادك من اعتلاء كلمته فوق المآذن العالية في سماء
الوطن المصري من الدلتا إلى أقصى السودان . إن كلمة الإسلام ستبقى عالية
في أجواء مصر وآفاقها إلى قيام الساعة وأنفك راغم ، وإن هذه المآذن ستصرّ
على النداء بحيَّ على الفلاح بلغة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
وأنفك راغم ، وإن الإسلام (إذا دان به المسلمون على حقيقته) سيكون أكبر
أسباب الأخذ بالعلوم والأنظمة وعوامل الرقي وبواعث القوة وهو أدعى لذلك
من النصرانية واليهودية والفرعونية واللادينية .
وأنا أقول لك لا يوجد في الأربعة عشر مليوناً من المصريين من
يحمل ضغينتك للإسلام إلا رجلين : سلامة موسى وجورجي عنايت .
وأكبر ظني أن هذه المقالة السخيفة لواحد منهما ، لأن مصر
أطهر من أن يكون فيها رجل ثالث يقيء مِن فيهِ مثل تلك الخبائث .
محب الدين الخطيب
العدد 212 ، القاهرة : يوم الخميس 19 ربيع الأول
1349 ، السنة الخامسة [ص 177 – 179].
|