د/إبراهيم أبراش

 

 

في (عصر العولمة) تتجدد تساؤلات عصر النهضة

العرب وتحديات عصر العولمة

 مقدمة

            ما بين منتصف القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين انشغل المفكرون العرب بالحداثة وكيف يتعاملون معها، فما بين محبذ لها مشجع على الدخول فيها، ومتخوف منها محذراً من مخاطرها؛ الأولون كانوا ينتمون إلى التيار الليبرالي غالباً، كشكيب أرسلان (1869-1945) و سلامة موسى (1887-1958) وقاسم أمين (1863-1908) وشبلي شميل (1850-1917) وفرح أنطوان (1874-1922) وطه حسين (1889-1973) وبعض المتنورين من التيار الإسلامي (الجماعة السلفية الإصلاحية) كرفاعة الطهطاوي (1801-1872)[1] والكواكبي (1854-1902) والأفغاني (1839-1897)،وكان لزياراتهم لأوروبا أو دراستهم بها أو معرفتهم للغات الأجنبية دور في تشكيل توجهاتهم الفكرية الحداثية، فيما المتخوفون والمعارضون كانوا من مشارب شتى، فبعضهم عارضها من منطلق إسلامي متزمت، وآخرون عارضوها من منطلق سياسي سلطوى أي خوفاً من أن تؤثر الحداثة على امتيازاتهم السياسية والاقتصادية، والجهل بالحداثة كان وراء معارضة البعض لها.

            كان الانفتاح على حداثة الغرب الذي دشن ما سمي بعصر النهضة العربية بمثابة الصدمة نظراً لما كشفه من اتساع الهوة ما بين واقع العرب والمسلمين من جهة وما عليه أوروبا من حضارة وتقدم من جهة أخرى. وانشغل مفكرو تلك المرحلة بالسؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون؟ وكيف يمكن اللحاق بالركب؟.وهو نفس السؤال الذي يشغل (المتعولمين) العرب والمسلمين  ذوي النزعة الوطنية منذ العقد الأخير من القرن العشرين.

            شكلت تلك المرحلة-نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين-[2] إرهاصات منعطف فكري في العالمين العربي والإسلامي، وكانت تبشر ببداية نهضة تحرر شعوب المنطقة من حالة التخلف والركود التي تعيشها في تلك الحقبة لم يعد التحديث يعني إطلاقاً الأخذ عن الغرب للانتفاض على الشرق، بل يصبح يعني مواجهة الغرب بحداثة خاصة بالإسلام[3]. إلا أن عوامل داخلية وخارجية -لا داع للغوص فيها- أعاقت مشروع النهضة العربية، بل أجهضت آنذاك بعض إنجازات الحداثة[4]، ونعتقد بأن أهم عوامل فشل مشروع فكر النهضة العربية هو فردانية دعوات الإصلاح والتحديث وتشتتهم بين مذاهب ومدارس فكرية متعددة ما بين عروبية وإسلامية ووطنية، وبالتالي عدم وجود ناظم مشترك سواء على أساس إسلامي أو على أساس قومي؛ أيضا عدم القدرة على التمييز ما بين الحداثة Modernization والتغريبWesternization ، فالحداثة لا تلغي الخصوصيات والهويات الوطنية بالضرورة، ولكن التغريب قد يؤدي لذلك، فاليابان اقتحمت عالم الحداثة بقوة دون أن تلغي خصوصياتها الثقافية.

            واليوم وبعد قرن من الزمن وكأن التاريخ يعيد نفسه، فنفس القضايا التي شغلت مفكري ذلك العصر: المرأة، الحرية، الإصلاح السياسي، النهضة الاقتصادية، تجديد الخطاب الديني وتحديث التراث...الخ، تتكرر اليوم ولكن في ظل فجوة معرفية وحضارية بيننا وبين الغرب أكثر اتساعاً، وفي ظل أوضاع سياسية وثقافية أكثر تشرذماً وإحباطاً، وفي ظل تعدد للمواقف الفكرية للمثقفين من العولمة. تساؤلات ما قبل قرن من الزمن كانت تدور حول الحداثة: أهي التغريب المهدد لهويتنا وثقافتنا؟ وتساؤلات اليوم تدور حول العولمة: أهي الأمركة المهدِّدة لثقافتنا وحضارتنا؟ فهل سنتعلم من التاريخ ولا نكرر أخطاء الماضي؟ أو سنفكر بطريقة مختلفة مستمدة من منطق العولمة ذاته، مؤداها أنه لا مكان في عصر العولمة للكيانات الصغيرة، وهذا يتطلب عولمة العالم العربي أولاً ثم الدخول في عصر العولمة الكونية.

            من هذا المنطلق يصعب مقاربة ظاهرة العولمة وانعكاساتها على العالم العربي دون ربط الموضوع بالثقافة، سواء بمفهومها الضيق الذي يتماها مع مفهوم الهوية، أو بمفهومها الشامل الذي يتطابق مع مفهوم الحضارة البعدين المادي والمعنوي للثقافة - والذي أخذ اليوم طابع الصراع الحضاري. و هذا الربط له مسوغاته نظراً لتزامن تدافع تنظيرات العولمة ومأسستها اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وإعلامياً مع أزمة عميقة تشهدها مجتمعاتنا: أزمة شرعية مستعصية ،أزمة النظم السياسية والاقتصادية، والثقافة، وأزمة التضامن العربي ولا نقول الوحدة العربية، وفي ظل مدّ أصولي لم تعرفه المنطقة سابقاً. ومجتمع مأزوم بهذه الدرجة ينتابه خوف من كل ما هو جديد ووافد من الخارج، الخوف والحذر من كل ما هو وافد يؤدي للانغلاق على الذات والهوية والحنين للماضي قبل أي تفكير وتمحيص عقلاني لهذا الوافد الجديد، ولكنها للأسف ذاتٌ مأزومة وهوية مأزومة، وبالتالي ينطبق المثل القائل (كالهارب من الرمضاء إلى النار).

            لا شك أن لهذا الخوف ما يبرره نظرا لتزامن الحديث عن العولمة مع عصر يشهد مؤشرات نهاية كثير من الأفكار والمنظومات السياسية والاقتصادية والفكرية التي شغلت العالم خلال القرن العشرين وما سبقه، بل يمكن القول إن العولمة هي تكثيف وتجميع وتسريع لنهايات وما بعديات، ما بعد الاشتراكية والشيوعية وما بعد الرأسمالية والليبرالية بمفاهيمهم التقليدية وما بعد السيادة الوطنية وما بعد الاستقلال وما بعد الشرعية الدولية وما بعد الثورة الصناعية وما بعد الثقافة المكتوبة وما بعد العلمانية،الخ. العولمة هي عصر "يلهث فيه قادمه يكاد يلحق بسابقه ،وتتهاوى فيه النظم والأفكار على مرأى من بدايتها،وتتقادم فيه الأشياء وهي في أوج جدتها،عصر تتآلف فيه الأشياء مع أضدادها"[5].هذه النهايات إن كانت لا تثير كثير قلق عند دول الشمال المتقدمة، فالأمر مغاير عند المجتمعات العربية والإسلامية حيث صوت الأموات فيها أقوى من صوت الأحياء، والحنين للماضي يطغى على التطلع للمستقبل، والأهم من ذلك يصعب الحديث عن نهايات فيما المجتمعات العربية لم تستكمل بناء الدولة ولم تنجز هدف الاستقلال، لا السياسي ولا الاقتصادي. ولكن ... الخوف ليس مبرراً للهرب بل يجب أن يكون دافعاً للتحدي والمواجهة.

            نروم من بحثنا هذا تسليط الضوء على ظاهرة العولمة من حيث تعريفها مفاهيمياً والتحديات التي تفرضها على مجتمعاتنا العربية. والفرَضية التي سنحاول إثباتها أو البرهنة عليها هي أن العولمة ليست سيئة بالمطلق ولا جيدة بالمطلق، كما أنها ليست خياراً مطروحاً على الدول والمجتمعات يمكنها الأخذ بها أو تجاهلها، بل هي نتاج لتحولات متدرجة عرفها العالم خلال عقود طويلة بل خلال قرون، تحولات هي في جانب منها بمثابة تطور طبيعي ومنطقي لترتيبات وأوضاع سابقة، وفي جانب أخر مخطط لها بحيث تأخذ مساراً يخدم قوى محددة ذات مصالح كبرى، ومن جانب ثالث تحولات مفروضة بفعل تفاعلات داخلية ودولية، وبالتالي نعتبر العولمة تحدّ يجب مواجهته للاستفادة من إيجابياتها أو التقليل من مخاطرها. كما نفترض بأن شرط النجاح في معركة تحدي العولمة يكمن في البدء بـ (عولمة العالم العربي) على أسس جديدة حتى لا تبتلعنا العولمة ولا يغيبنا الشرق الأوسط الكبير، الذي هو آلية من آليات العولمة بالتوجه الأمريكي. أما المنهج الذي سنحاول الاسترشاد به فهو يجمع ما بين المنهج التحليلي المقارن والمنهج النسقي[6]6.

أولا: مقاربة مفاهيمية

            هناك مقولة لفولتير: إن أردت أن تتحدث معي فحدد مصطلحاتك، وهذه مقولة يجب استحضارها وخصوصاً في العلوم الإنسانية والسياسية على وجه الخصوص، ذلك أن عدم تعريف المصطلح والاتفاق على دلالاته هو جزء من مشكلة الممارسة المنتمية لحقل هذا المصطلح، فالمصطلحات الاجتماعية والسياسية حمالة أوجه. وعليه يمكن القول إن الجدل الدائر حول العولمة ما بين مؤيد ومعارض لها، ما بين من يعتبرها فرصة سانحة ومن يعتبرها خطراً مهدداً، يعود لتباين تعريفات العولمة وتباين الخلفيات الإيديولوجية والثقافية لكل طرف، وحتى اليوم يوجد عشرات التعريفات للعولمة وجزء كبير منها هي تعريفات إيديولوجية، أي تنطلق من مواقف مسبقة للمصدر الحضاري المنتج للمصطلح ولمشتملاته السياسية والاقتصادية والثقافية الولايات المتحدة الأمريكية- ، مما دفع البعض إلى تسميتها بـ(الأمركة)Americanization [7].

            كلمة العولمة باللغة العربية، والبعض سماها بـ(الشوملة)[8] هي ترجمة للكلمة الإنجليزيةGlobalization  والكلمة الفرنسية Mondialisation فالكلمة تعني وضع الشيء على مستوى عالمي، أو تعميم خاص وطني ليصبح عالميا[9]، أو هي مسعى لإزالة الحدود والموانع ما بين الدول للسماح بحرية الأفكار والثقافات والأموال والسلع دون قيود تفرضها السيادة الوطنية أو الخصوصيات القومية. ومن هنا تأتي التخوفات من العولمة. ففتح الحدود وإلغاء السيادة القومية يجعل العالم سوقاً مفتوحة يحكمها مبدأ البقاء للأصلح والأقوى: الأقوى ثقافياً والأقوى اقتصادياً. وحيث أن المروِّج للعولمة والمدافع عنها هي الدول المتقدمة صناعياً وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا معناه إنها المستفيدة من العولمة، لأن اقتصادها أصبح من القوة والتضخم بحيث لم تعد الحدود والسوق الوطنية، وخصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات هذا الاقتصاد المتضخم، ولأن اقتصادها وثقافتها ومجتمعاتها في منعة من التهديدات الخارجية التي قد تفرزها العولمة.

            نظراً للتداخل الوثيق اليوم ما بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، يجب الافتراض إن لم يكن التأكيد على أن من يتحكم بالاقتصاد العالمي سيكون معنياً بعولمة ثقافته وقوانينه وأنماط سلوكه لتسهيل انتشاره وتغلغله الاقتصادي، ومن هنا تصاحب الحديث عن العولمة الاقتصادية بالحديث عن العولمة الثقافية والعولمة السياسية (تعميم الديمقراطية) والعولمة القانونية (على مستوى القانون الدولي العام، وتأسيس شرعية دولية جديدة وعلى مستوى القوانين الداخلية أي القانون الخاص :في الاقتصاد والتجارة وحتى التشريع في مجال مدونة الأحوال الشخصية). لا يعني هذا أن من يملك الاقتصاد الأقوى والأفضل يملك الثقافة الأفضل والقيم الأفضل، فالأمر يرتبط بإمكانيات وليس أفضليات، فبالمال يمكن امتلاك وسائل الإعلام المتطورة وكل مشتملات الثورة المعلوماتية والتأثير على سياسات الدول الأقل قوة اقتصادية وشراء الأدمغة بل والمثقفين أحياناً، وتوجيه كل ذلك لتعميم قيم ثقافية وسياسية تخدم فلسفة الأقوى اقتصادياً.

            إن أية محاولة لتفكيك مفهوم العولمة من أجل مقاربته إجرائياً تتطلب من الباحث الغوص في حقول معرفية متعددة كعلم اللغة واللسانيات وعلم الاقتصاد وعلم السياسة، بالإضافة إلى علوم الفلسفة والإعلام والتاريخ. وإنْ كانت هذه المقاربة الشمولية ترمي إلى التعرف على حقيقة المصطلح الظاهرة إلا أن الحقيقة في هذا المجال تبقى نسبية كما هي في مجمل العلوم الإنسانية، وبالتالي ففي اعتقادنا أن الجهد البحثي المعرفي في هذا المجال يجب أن ينصب على البحث عن قاسم مشترك لمجمل التأويلات والتعريفات يهيئ لغة تخاطب متفق عليها تمكننا من قراءة واقع العولمة ونحن على هدى مما نقوم بدراسته.

            ضبط مفهوم العولمة يتطلب أيضا تمييزه وفصله عن مفهومات أو مصطلحات قريبة منه أو متداخلة معه، كالحداثةModernization ، فبالرغم من أن العولمة نتاج الليبرالية الجديدة وهذه الأخيرة هي نتاج الحداثة و ما بعد الحداثة Post Modernity والمابعد لا يعني القطيعة بل تَمثُل الشيء وتجاوزه- ومع أن البعض تساءل عما إذا كانت العولمة هي دين الحداثة أم نذير نهايتها[10]،إلا أننا نعتقد أن صلة الحداثة بالعولمة هو أن كلاهما نعت لواقع مغاير عما سبقه، فعندما تم تداول تعبير الحديث modern أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين كان مرادفا لتعبير (الآن)، والعولمة هي حداثة (الآن) مع الأخذ بعين الاعتبار ما أضفي عليها من مستجدات. أيضا لا يمكن فصل العولمة عن ظاهرتين انبثقت عنهما وهما ظاهرة التدويل Internationalisation وظاهرة تعدد الجنسية Multinationalsation  [11]، فالعولمة تجد جذورها في المساعي المتواصلة لوضع قواعد قانون دولي عام ومنظمات دولية تسمو على القوانين الوطنية وتعبر عما هو مشترك بين المجتمعات والدول، وتعدد أو تعدي الجنسية تجلت في الشرطات متعددة الجنسية والرأي العام العالمي والحركات الاجتماعية والنقابية والأمميات الاشتراكية والشيوعية- المفتوحة أمام أفراد وجماعات من جنسيات مختلفة. أيضاً يجب التمييز بين العولمة المتوحشة كما ينعتها البعض وهي محل البحث هنا والعولمة كتطلع أنساني نحو التوحد وتوسيع مجالات المصالح المشتركة، أو ما بين العولمة والعولمة المضادة، عولمتهم وعولمتنا[12].

            ربما أكثر حالات اللبس هو الذي يحدث ما بين العولمة والعالمية. فالفهم السائد لكلمة العالمية يعني الانتقال من العام المشترك إلى الخاص الوطني، أو أسبقية العام على الخاص مع ترك الخيار للدول للدخول في العالمية، أو أن تنأى بنفسها عنها. إلا أن المدقق في المجالات التي توصف بالعالمية سواء في القانون (القانون الدولي العام)، أو بالاقتصاد (القانون الدولي الاقتصادي ثم اقتصاد السوق)، أو في مجال حقوق الإنسان (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومجمل التشريعات الدولية بهذا الشأن)، أو نظريات التنمية الشمولية الإنسانية التي تتبناها الأمم المتحدة وتسعى لها دول الجنوب، إذا تمعنا بكل ذلك لوجدنا أن صفة العالمية لا تخفي حقيقة أن المنتج لهذه النظم والقوانين والتوجهات هو الغرب وهي تعبر عن ثقافته وتخدم مصالحه بالدرجة الأولى، فالدول الأوروبية المسيحية والولايات المتحدة هم الذين وضعوا أسس القانون الدولي العام بكل تشعيباته ثم أضفي عليه صفة العالمية، وهم الذين وضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أصبح له صفة العالمية، وهم الذين وضعوا أسس الديمقراطية والتنمية السياسية ثم أصبحت مطلباً عالمياً وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد أشار سيرج لاتوش(Serge Latouche)  إلى أن مصطلح النظام الدولي الذي ساد في العقود السابقة كان يعبر عن عالميةٍ مركزُها الحضارة الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة (والتي لا تعني إلا فرض الأنساق القيمية في إطار ما هو متعارف عليه بأنه أنماط الحياة Way of Life ولا يمكن أن تفهم عناصر حقوق الإنسان الديمقراطية إلا باعتبارها تعبيرات تحاول أن تحقق تنميطا حضاريا عالميا) [13]. وهذا ما دفع ريجيس دوبريه للقول إن العالمية كانت مجرد أكذوبة أو وهم أو ستاراً خادعاً لأن الناس محليون أولا، وينبغي أن يقام سبيل للذهاب والإياب بين المحلي والعالمي.. ينبغي أن نفكر عالمياً ولكن أن ننشط محليا على الدوام[14]. إلا أن ما يميز العالمية عن العولمة هو أن الأولى لم تكن تلغي الخصوصيات وحرية الاختيار بالضرورة، فحرية الاختيار كانت متاحة أكثر مما هو الحال مع العولمة.

            ضبط المفهوم يمكِّننا أيضاً من الحسم في مسألة حداثة الظاهرة التي يحيل إليها المصطلح أو قِدَمِها، فإذا كان من الممكن أن نتحدث عن وجود إرهاصات للعولمة الاقتصادية، كاقتصاد السوق والمؤسسات المالية العالمية وسيولة تنقل رؤوس الأموال، فإن العولمة الثقافية والسياسية بمفاهيمها المتداولة اليوم هي حديثة العهد نسبياً وترتبط بشكل كبير بتفاعلات الثورة المعلوماتية، حتى ذهب البعض إلى القول بأنه في عصر العولمة لم يعد السؤال مَن يتحكم بالوسائل المادية -من أراض وموارد طبيعية وحتى رؤوس أموال- بل من يتحكم بالوسائل اللا مادية تكنولوجيا متطورة وإعلام وبحث علمي ومعلومات- فالغزاة الجدد صانعو العولمة كما يقول بيترلا R. Petrella هم أشخاص معنويون أو طبيعيون يستطيعون من خلال امتلاكهم لإمكانات مالية ضخمة التحكم في تخصيص وتوزيع الموارد العالمية، ويحددون القيم والرهانات والأوليات ويتحكمون في قواعد اللعبة [15].

            ومن جهة أخرى لا بد من تبيان مفارقة يحتويها مصطلح العولمة، فإذا كان مفهوم العولمة هو تجاوز الحدود والخصوصيات، فإن مسيرة العولمة تزامنت مع تفجر حروب وصراعات دولية وأهلية، بل تصاحب مع مزيد من تشرذم العالم ثقافياً وأيديولوجياً. هذه المفارقة عكستها كتابات اثنين من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين الذين تصدوا لتحليل المتغيرات الدولية ما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وهما (فرانسيس فوكوياما) في كتابه نهاية التاريخ حيث أكد توجه النظام الدولي نحو نهاية الصراعات الإيديولوجية والثقافية وتوحُّد العالم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ضمن المنظومة الرأسمالية الغربية [16]، و(صمويل هنتنجتون) في مقالته صدام الحضارات [17] حيث يختلف عن سابقه بالقول أنه مع إمكانية توحيد العولمة للدول في اقتصاد السوق إلا أن التوتر بل الصدام ما بين الدول سيستمر لأسباب ثقافية، فالنظم السياسية والاقتصادية قد تتغير وتتبدل، ولكن لا يمكن للمجتمعات أن تتخلى عن ثقافتها وخصوصاً المجتمعات ذات الثقافات العريقة سنعود لهذا الموضوع لاحقا-.

            تعدد التعريفات وتضاربها أحياناً يعود لحداثة معالجة ظاهرة العولمة مفاهيمياً ولكون العولمة لم تستقر نهائياً كواقع مسلَّم به بقدر ما هي توجُّه أو إرادة لصيرورتها واقعاً، فتنجح في مجالات وبلدان وتتعثر في مجالات وبلدان أخرى، أو على حد تعبير راينسمث: لقد وصلت العولمة إلى العالم، ولكنها لم تصل إلى معظم منظمات العالم[18]، وهذا ما يجعل نعت العولمة بالشوملة يفتقر إلى الدقة ما دامت لم تشمل كل العالم. ومن هنا يرى البعض بأن العولمة قد حُدًدت حتى الآن بشكل غامض، هذا إذا حددت على وجه العموم. أما لماذا يصعب تعريف وتحديد العولمة فهذا يعود كما يقول كل منP. Hirst  و G. Thompson: إلى غياب نموذج يشرح لنا كيف يمكن أن يكون عليه النموذج المعولم[19]. العولمة ضمن الواقع الدولي الراهن تتصاحب مع حالة من الشك وفقدان اليقين ليس فقط في الحاضر بل بالمستقبل أيضاً، ومن هنا لا نستغرب حالة القلق التي تنتاب كثير من الشعوب ومن المفكرين من جنسيات مختلفة من هذا القادم الجديد ومن انفلات الأمور من يد البشر ومن التفكير العقلاني بشكل تدريجي، ليس فقط على مستوى تلوث البيئة ثقب الأزون أو انتشار أسلحة الدمار الشامل أو التلاعب بالجينات البشرية أو تزامن العولمة مع انتشار الإرهاب، بل أيضاً على مستوى القيم والأفكار وآليات التنشئة الاجتماعية والسياسية إذ نرى عالماً يسوده الاغتراب والاضطراب واللايقين (عالم منفلت). ولعل ما يثير الجزع المعرفي والفكري والأخلاقي أن تقدم المعارف البشرية والقدرة على (التحكم المحكوم) في المجتمع والطبيعة وهي أمور كان يظن أنها ستخلق قدراً أكبر وأكبر من اليقين- إذا بها تشكل أساساً عميقاً لحالة العجز عن التنبؤ بالمستقبل[20]. صعوبة التعريف وحالة القلق لفظان ملطفان يعبران في الحقيقة عن حالة من الرفض للعولمة التي تسعى لتعميم النموذج الغربي وخصوصاً الأمريكي، فالسياسة الخارجية الأمريكية سواء في العراق وفلسطين وأفغانستان ومواقفها المتعنتة المتعارضة مع توجهات غالبية دول العالم حتى الأوروبية في قضايا البيئة وحقوق الإنسان والتبادل التجاري، بالإضافة إلى الأزمات العميقة التي يعيشها المجتمع الأمريكي... كل ذلك يولد خوفاً وقلقاً من العولمة، وقلقاً أشد من قيادة الولايات المتحدة لقاطرة العولمة.

التأريخ للعولمة

            مسألة التأريخ للعولمة أمر يستحق النقاش ،فالجدل الدائر اليوم حول العولمة وخصوصاً وجهة النظر المنتقِدة للعولمة، إنما تعالج العولمة المعاصرة المرتبطة بالنظام الرأسمالي أو التي هي نتاج له، ووجهة النظر هذه ترى بأن العولمة ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أو هي نتاج نهاية القرن العشرين المتسمة بالهيمنة الأمريكية وبقيم الثقافة الغربية المسيحية، ومن هنا تبدو العولمة نتيجة مسببات راهنة، وتخدم الوضع الدولي القائم الآن. ولكن حتى ضمن هذه المقاربة فما نسميه اليوم بالعولمة هو نتاج لأفكار وترتيبات وأوضاع سابقة على العقد الأخير من القرن العشرين. لا شك بأن هناك عوامل معاصرة سرعت من صيرورة العولمة وجعلتها أكثر حضوراً وراهنية، إلا أن هذه العوامل كانت تفعل فعلها عبر الزمن  داخل الدول وما بينها بتؤدة مع وجود ممانعات ولا شك،هذه الممانعات أخذت تتهاوى شيئاً فشيئاً.

            يترتب على هذه المقاربة التي تحيل العولمة لمرجعية أوروبية أمريكية رأسمالية حديثة التشكل، أحكامٌ قيمة سلبية مؤداها تغييب إسهامات الشعوب والحضارات الأخرى في الإبداعات الإنسانية الراهنة، وإن كنا لا ننكر أن حضارة القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين ذات معالم غربية في غالبيتها، إلا أن شعوب أخرى ساهمت فيها بطريقة مباشرة كالصين واليابان ودول شرق أسيا بشكل عام، وبطريقة غير مباشرة من خلال سياسة النهب والاستغلال التي مارستها الدول الغربية على دول العالم الثالث، ثم الاستعمار غير المباشر أو النهب غير المباشر بما في ذلك الثروة النفطية التي خدمت الدول المتقدمة أكثر مما خدمت الشعوب المنتجة لها.

            في مقابل هذه المقاربة التاريخية الاختزالية، هناك وجهة نظر أخرى تذهب إلى القول بتاريخية العولمة، فالعولمة الراهنة ما هي إلا صورة منقحة ومتطورة لعولمة تعود إلى بداية التاريخ. مِن القائلين بذلك بول كيركبرايد الذي وضع أربع مراحل للعولمة وهي:

1.       العولمة قبل الحداثة -ما بين بداية التاريخ وعصر النهضة-

2.       العولمة في ظل الحداثة الجديدة 1500 إلى 1800-

3.       العولمة الحديثة -1850 إلى 1954-

4.       العولمة المعاصرة -1954 وحتى الآن- [21]

            هذا التوجه يرى بأن العولمة موجودة في جذور النظام الرأسمالي بل هي المرحلة الراهنة من مراحل تطور النظام الرأسمالي. وحسب رأي جوناثان فريدمان (J. Freidman فالبنى المعولمة ليست جديدة على النسق العالمي الراهن، فالشركات التجارية الأوروبية التي انتشرت ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، وما ارتبط بها من نظم تجارية في المحيط الهندي وجنوب شرق آسيا والإمبراطوريات الكبرى، (كلها كيانات معولمة قوية). ويدعم هذا الرأي رونالد روبرتسون[22] الذي يضع خمس مراحل تاريخية للعولمة منطلقها بدايات القرن الخامس عشر، وهذه المراحل هي: المرحلة الجنينية، مرحلة النشوء، مرحلة الانطلاق، مرحلة الصراع من أجل الهيمنة، وأخيراً مرحلة عدم اليقين[23].

            هذه المقاربة التاريخية للعولمة بوجهتي النظر السابقتين لا تخلو من أنوية حضارية غربية حيث تقرن العولمة بالحضارة الغربية الحديثة التي بدأت مع عصر النهضة، وهي ولا شك مقارَبة صحيحة بمقدار ربط العولمة بالنظام الرأسمالي قيماً وسلوكاً، إلا أن الوجه الأخر للعولمة، أي العولمة كفكر وتطلع إنساني لتجاوز قيود الحدود السياسية والخصوصيات الثقافية الموهومة والتطلع نحو عالم يعترف بإنسانية الإنسان ككائن ينتمي إلى وطن عالمي وقانون عالمي، تضرب بجذورها إلى ما قبل وجود الولايات المتحدة الأمريكية على الخريطة السياسية الدولية، بل قبل وجود الرأسمالية كنظام اقتصادي والليبرالية كنظام سياسي. ويمكن القول أن الفلسفة الرواقية[24] أول من بشر ودعا للعولمة دون أن تسميها عولمة وذلك من خلال مبدأين شكلا دعامة فكرها وهما: القانون الطبيعي، قانون كل البشر الذي لا يفرق بين الناس على أساس الدين أو الموطن أو الخلفية الاجتماعية، والمبدأ الثاني هو الدولة العالمية والمواطنة العالمية Cosmopolitanism أو( مدينة العالم( ، مبدأ هذه المدينة كما يقول زينون مؤسس هذه الفلسفة يكمن في أن الناس يجب أن لا يتفرقوا في مدن وشعوب لكل منها قوانينها الخاصة، لأن كل الناس مواطنون، ولأن لهم حياة واحدة ونظاماً واحداً للأشياء، كما هو حال القطيع الموحد في ظل قاعدة قانون مشترك[25]. أيضاً لا تخلو الديانة الإسلامية من شكل من العولمة، فدعوة الإسلام للتوحيد وعدم تفريقه بين الناس على أساس العرق أو المكانة الاجتماعية، وكونه رسالة لكل البشر في كل زمان ومكان، وحيث أنه عبادات ومعاملات تحدد للبشر المبادئ العامة لأسلوب حياتهم، فهذا يعني أنه دعوة مبكرة للعولمة. وبالفعل تمكن الإسلام من ربط عديد من الشعوب ضمن نمط حياة وسلوك لفترة طويلة من الزمن. والعولمة متضمنة أيضاً في الدعوات المبكرة في عصر التنوير في أوروبا لوضع قانون دولي عام أو قانون للأمم كما سماه جيرمي بنتام، وفكرة تأسيس منظمات دولية لا تخلو من فكر معولم كما سبقت الإشارة إلى ذلك-.

            وعليه يمكن القول أنه بالرغم من حداثة تداول مصطلح العولمة، حيث تكثف الحديث عنها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات، إلا أن مؤشرات وجود العولمة، بمعنى سهولة انتقال السلع والأفكار عبر الحدود الوطنية وتراجع سيادة الدولة القومية، أمر سابق لهذا التاريخ، فالعولمة الاقتصادية كانت تتغلغل في نسيج حياتنا مع الشركات متعددة الجنسية والتبعية الاقتصادية والمالية لمراكز رأس المال الغربي، والعولمة الثقافية كانت تفعل فعلها في ثقافتنا من خلال الإيديولوجيات المستوردة ومن خلال الإعلام، وخصوصاً الفضائيات، ومن خلال الثورة المعلوماتية. غالبية الدول العربية دخلت العولمة دون أن تدري من خلال تبعيتها للغرب والتحاقها بالمركز الرأسمالي العالمي. وهذا يعني أنه وجدت العولمة أو إرهاصاتها بدايةً ثم تواتر الحديث عن ضرورة التسليم بها والتعامل معها كأمر واقع، ومن هنا مأتى الحرج عند معارضي العولمة، حيث لم يستفيقوا لمخاطرها أو تحدياتها إلا بعد أن أصبحت بعض تجلياتها أمراً واقعاً بدرجة ما وخصوصا في مجال الاقتصاد (العولمة الاقتصادية).

            أيضا على الرغم من أن الحديث عن العولمة تزامن مع الحديث عن نهاية الايدولوجيا، إلا أن العولمة كفكر يتمأسس بشكل متدرج، لا تخلو من أيديولوجيا ولو خفية، سواء من طرف مؤيديها أو من طرف معارضيها، لأن العولمة تعبير عن مصالح وخيارات وإرادات، فمؤيدوها يخفون حقيقة نواياهم بخطاب العلم والحداثة ومنطق التطور التاريخي، ومعارضوها يخفون الأسباب الحقيقية لمعارضتهم لها بالحديث عن الهوية والخصوصية الوطنية والمصلحة الوطنية ورفض الهيمنة والغزو الخارجي، وكل لا يخلو من ترسانة إعلامية وثقافية ومفاهيمية لتبرير وجهة نظره. مصطلح العولمة إذن حمَّال أوجه حيث تتعدد وتتباين معانيها مع تباين مقاصد المتحدثين عنها والداعين إليها أو إلى مناهضتها. فهي حيناً زعم بأن الكوكب قرية واحدة تهاوت فيها الحدود القومية مع إعلان وفاة أو نهاية الدولة-الأمة. والعولمة أيضاً تدويل للحياة الاقتصادية والسياسية سقطت معه الحواجز الحمائية، وهي الحدود المفتوحة للشركات المتعدية القومية لدخول استثماراتها المالية ومنتجاتها، وتكريس للاستسلام لآليات السوق الحرة المتحررة من الضوابط والقوانين الاجتماعية. ويرى البعض الآخر العولمة في ضوء التحولات العلمية التقنية وتجلياتها من حيث حالة التماس والاتصال المباشر بين الناس أفراداً وجماعات على صعيد الكوكب[26].

            ومع ذلك يجب التأكيد بأن العولمة التي يراد لها أن تسود هي نتاج حضارة الغرب والصيغة الأكثر حداثة وفجاجة لهذه الحضارة والتي تجسدها الولايات المتحدة الأمريكية. إنها تجسيد وتكثيف المابعديات: ما بعد الرأسمالية وما بعد الإمبريالية وما بعد الحداثة وما بعد الإيدولوجيا وما بعد سيادة الدولة القومية. إنها تجاوز-دون قطيعة- بشكل ما لإرث أوروبا العجوز، أوروبا التي أصبحت تتعجب بتخوف مما تفعله الولايات المتحدة بهذا الإرث. لا يعني هذا أنها المرادف لنهاية التاريخ التي بشر بها فرنسيس فوكوياما، ولكنها قد تكون تحدياً للتاريخ. وقد ذهب أنطوني جيدنز إلى اعتبار التحولات التي يعرفها العالم في السنوات الأخيرة بما في ذلك العولمة، نتيجة أزمة اليسار وأزمة اليمين على حد سواء، فالعولمة نعت لواقع مضطرب وغير مفهوم وبالتالي يسود تعريفها عدم الوضوح، ومع ذلك فهو يتلمس أبعادها العميقة والخطيرة محذراً من ربطها فقط بالاقتصاد أو بالنظام العالمي: تتعلق العولمة في حقيقتها بالتحول في الزمان والمكان، ويمكن تحديد معناها بأنها العمل أو التأثير عن بعد، ولشيوعها علاقة بالكثافة المتزايدة في السنوات الأخيرة لوسائل الاتصال الفوري وحركة الانتقال الجماعية الواسعة على نطاق الكوكب... وتأثير العولمة مَسَّ أيضاً أساليب الحياة المحلية بل والشخصية... بل يمكن الحديث عن نشوء نظام اجتماعي جديد ما بعد تقليدي[27].

ثانيا:العرب وتحدي العولمة

             إذا اتفقنا على هذه المقاربة المفاهيمية للعولمة ،فأين موقعنا كعرب ومسلمين منها؟ وما هي تداعياتها على مجتمعاتنا ونظمنا الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؟ وهل هي فرصة علينا اهتبالها؟ أم خطر علينا اتقاء شره؟ أم هي تحدّ يمكننا إن أحسنا التصرف حيالها أن نتقي شرها ونستفيد من إيجابياتها؟ ولكن وقبل الإجابة على هذه التساؤلات،لابد من الإشارة إلى أن مجتمعات أخرى طُرحت عليها هذه التساؤلات، إلا أن المنعة الاقتصادية والثقافية لهذه المجتمعات جعل وقْع العولمة عليها أقل حدة، بل جنت من ايجابيات العولمة أكثر مما عانت من سلبياتها، هذا هو حال ما يسمى بالتنينات الآسيوية ودول المعسكر الاشتراكي سابقاً. بل إن فرنسا الدولة الغربية الرأسمالية كان لديها في البداية تخوفات من البعد الثقافي للعولمة، حيث خشيت على لغتها وثقافتها من اللغة الإنجليزية والثقافة الأمريكية، وعليه طالبت فرنسا على لسان رئيسها جاك شيراك بضرورة تقنين العولمة.

             لا غرو بأن العولمة، مثل الديمقراطية والليبرالية والرأسمالية واقتصاد السوق والاشتراكية و المجتمع المدني الخ، من المصطلحات التي أصبحت تتردد كل يوم في خطابنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي  وتشكل حيزاً كبيراً من هذا الخطاب، ولكن دون أن تكون متأصلة لا في ثقافتنا ولا في وعينا السياسي، مصطلحات أقحمت إقحاماً وجاءت مستوردة مثلها مثل ما استوردناه من أيديولوجيات وأفكار وسلع وعلوم وتكنولوجيا، وتزايد مثل هذه المصطلحات في خطابنا السياسي والاقتصادي، وما يستتبع ذلك من محاولة مأسسة لهذه المصطلحات، إنما يعكس أزمة عميقة، وهي أزمة الإبداع في مختلف المجالات، العجز عن الإبداع والإسهام في حضارة العصر هو الذي يجعل مجتمعاتنا غير محصنة في مواجهة كل ما هو جديد، وهو عجز يساعد على إيجاد المبررات الأخلاقية والعملية لثقافة التقليد والتبعية.

             العيب ليس  بالضرورة في العولمة وغيرها من المصطلحات وما تحيل إليه من دلالات وما تنتمي إليه من منظومات فكرية أو نظم سياسية واقتصادية، بل العيب في من يستوردها ويتعامل معها، إما كمسلّمات يتم التعامل معها وتطبيقها دون محاولة لإعمال العقل لتبيئتها لتصبح مناسبة للخصوصيات التاريخية والموضوعية بما فيها الثقافية للمجتمع المستورِد لها، أو كخطر و تهديد يجب مقاومته والوقوف منه موقف المعارض والمحارب دون تفكير لا لشيء إلا لكونها مستوردة من الآخر، والأخر في نظر هذا التوجه عدو لا يجوز الأخذ منه أو التشبه به!

             ونعتقد أن التعامل العقلاني والموضوعي مع موضوع العولمة وغيرها من النظم الفكرية والاقتصادية المستورة يتطلب عقلية متفتحة وموضوعية بمعنى الكلمة، ونقطة المنطلق في التعامل مع الموضوع هو الإقرار بأننا كمجتمعات عربية وإسلامية توقفنا عن المساهمة الحضارية منذ القرن الخامس عشر ( سواء كانت الأسباب داخلية كخضوعنا لنظم استبدادية متسلطة أو خارجية كالاستعمار)، وإن غالبية مشتملات الحضارة الحديثة هي نتاج الآخر، العالم الغربي والمسيحي، والقول بأننا كنا أصحاب حضارة أو ساهمنا في وضع أسس الحضارة الإنسانية لا يفيد في شيء ما دمنا اليوم نعتمد في معيشتنا على منتجات الآخر الثقافية والاقتصادية والعلمية، وهذا القول لا يعني التقليل من شان السلف الصالح، فهو سلف أولاً وكان صالحاً آنذاك ثانياً[28]. المهم ما هي مساهمتنا في حضارة اليوم؟.فإذا اعترفنا أن مساهمتنا المباشرة معدومة أو محدودة، وإذا اعترفنا بأننا لا نستطيع أن نستغني عن معارف وعلوم ونتاج الآخر قائد قاطرة العولمة، لأن كل حياتنا تقريباً معتمدة على منتجات الحضارة الغربية، بل نعيش عالة عليها، لغياب مساهمتنا فيها أو لخلل أنظمتنا السياسية والثقافية أو للسببين معاً، إذن التقوقع على الذات والوقوف موقف الرافض لكل ما هو مستورد وجديد هو موقف ليس فقط غير عقلاني بل موقف غير أخلاقي.

             لا يعني ما سبق بأن علينا التسليم باستحقاقات وشروط العولمة وكل ما هو وافد دون تمحيص، من منطلق الزعم بعالمية الفكر وعالمية القيم والنظم السياسية والاقتصادية وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتأزم نظمنا السياسية وتبلد نظمنا الفكرية والثقافية، بل المطلوب التوفيق بين ما هو وافد من جانب وواقع مجتمعاتنا من جانب أخر دون إضفاء القدسية على أي من الطرفين. فالعولمة كمنظومات اقتصادية (اقتصاد السوق) وكمنظومة ثقافية (قيم وأنماط سلوك ولغة تخاطب) وكمنظومة سياسية (خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان)، تحتاج إلى تبيئة لأنه من حيث المبدأ ومما هو علمي أن أية نظرية أو منظومة سياسية أو اقتصادية لا تأخذ مصداقيتها وصلاحيتها إلا لأنها وليد بيئة اجتماعية وثقافية محددة و معبرة عنها ونتاج لشروط تاريخية وموضوعية، وتغيُّر هذه الشروط يُفقد الفكر وما يرتبط به من ممارسة علميته وبالتالي عالميته، لأنه يتحول إلى فكر منفصل عن الواقع[29]. ولكن بالمقابل هل نظمنا المعاشة التي لم تسعفنا على أن نكون خير أمة أخرجت للناس، ولا أن تضمن لشعوبنا حياة كريمة، قادرة على الاستجابة لتحديات العصر وعلى رأسها العولمة؟

            انطلاقا من حقيقة الأوضاع العربية المتردية ومحدودية القدرة أو الإرادة لأن القدرة مرتبطة بالإرادة، ولا قيمة لقدرة دون إرادة- على أن نكون فاعلين أو مؤثرين في التحولات الدولية المعاصرة، فإن خياراتنا في مواجهة العولمة تبقى محدودة، والأسلوب الأمثل في رأينا في التعامل مع العولمة ليس النظر إليها كخطر أو شر داهم ولا كفرصة سانحة علينا الارتماء بأحضانها دون تفكير، بل كتحد، تحد اقتصادي وتحد ثقافي وتحد سياسي، والتحدي يستوجب المواجهة لا الهروب، استنهاض الهمم لا التواكل، وهذا يتطلب وضع الاستراتيجيات المناسبة لمواجهة هذا التحدي. والسؤال المركزي الذي تطرحه العولمة في هذا السياق كما يقول برهان غليون: ما هي الاستراتيجية المناسبة من وجهة نظر مجتمع صناعي أو متأخر أو مهمش للاستفادة من الثورة التقنية ودرء مخاطر العولمة الناتجة عنها؟[30] تحدي العولمة يحتم وضع استراتيجية لن تكون ذا قيمة إلا إذا وضعت على أساس قومي عربي، أي خلق )عولمة عربية) منها ننطلق لمواجهة العولمة الكونية[31]. ويمكن التركيز هنا على أهم المجالات التي تشكل العولمة تحدياً حقيقاً علينا التعامل معه بعقلانية:-

      (أولا):التحدي الاقتصادي

             سيطرة منطق السوق على العولمة الاقتصادية يثير مخاوف الدول الفقيرة لأن اقتصاد السوق يعني تطبيق شريعة الغاب حيث البقاء للأقوى باقتصاده، وبالرغم من توقيع اتفاقية (الجات) ثم المنظمة العالمية للتجارة الحرة لمحاولة تخفيف المخاوف المترتبة على العولمة، إلا أن سلبيات العولمة الاقتصادية مست عديداً من دول العالم بما فيها دول عربية. وقد أكد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة في افتتاح الدورة الثالثة والخمسين (1998 ) للجمعية العامة للأمم المتحدة: إن الملايين يعيشون العولمة لا كفرصة مواتية لكن كقوة تدمير وتعطيل وكاعتداء على مستويات معيشتهم.

             وعلى هذا الأساس يعد الاقتصاد أهم التحديات ذات الصلة بالعولمة التي تواجهها مجتمعاتنا، ليس فقط لأن العامل الاقتصادي هو أساس العولمة والمحرك الرئيس لها، بل لأن اقتصادياتنا على درجة من التأزم بحيث لم تنفع كل نظريات التنمية والتحديث التي طبقت خلال النصف قرن الماضي في إعادة العافية إلى هذه الاقتصاديات، بل تزداد المديونية يوماً بعد يوم ويزداد الفقر وتبدو آفاق المستقبل أكثر سوداوية، تتراوح البطالة في الدول العربية بين 14 و20 مليون عاطل عن العمل، وتسهم البطالة المرتفعة وانخفاض الأجور في زيادة حدة الفقر، ويواجه الاقتصاد العربي تحديات خطيرة بسبب العولمة والاندماج في منظومة التجارة العالمية[32]، كما أن التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية أو تقارير التنمية البشرية العربية تكشف الهوة الكبيرة بين الواقع الاقتصادي العربي من جهة واقتصاديات الدول المتقدمة بل دول من عالم ثالث من جهة أخرى[33]، ولم ينج من هذه الرداءة حتى الدول النفطية. فهل العولمة الاقتصادية هي طوق النجاة لاقتصادياتنا؟

            من المعروف أن العولمة الاقتصادية تقوم على اقتصاد السوق و الليبرالية الاقتصادية حيث المبدأ المحرك هو المبادرة الحرة وإسناد تدبير الشأن العام للنخبة الليبرالية الجديدة أو السادة الجدد للعالم الذين يجمعهم منتدى دافوس متجاوزاً القومية والدين، بحيث باتت هذه النخبة بمثابة (طبقة عالمية جديدة)[34]. كما يُقر أنصار العولمة ومناوئوها معاً أن الاقتصاد هو العامود الفقري للعولمة وما الأشكال الأخرى لها -العولمة الثقافية والعولمة السياسية الخ- إلا لواحق أو عوامل مساعدة للعولمة الاقتصادية، ومن هنا عرّف البعض العولمة بأنها التعامل مع العالم كسوق واحدة يشتغل فيها تجار ينتمون إلى ثقافات مختلفة[35]. وفي واقع الأمر فقد انساقت غالبية الاقتصاديات العربية إلى العولمة الاقتصادية قبل أن يتم تداول مفهوم العولمة وذلك من خلال تبعيتهم وإلحاقهم بالاقتصاد الرأسمالي الغربي وربط اقتصادهم بشكل شبه كلي بالمراكز الرأسمالية الغربية، حتى ما ادخروه من ثروات تستثمر اليوم في الدول الرأسمالية بحيث باتت السيطرة العربية على هذه الأموال شكلية -تقدر هذه الاستثمارات بـ 700 مليار دولار حسب إحصائيات 1997-. كما أن أكثر من 12 من دولة عربية أعضاء في منظمة التجارة العالمية، وهناك الشرق أوسطية والشراكة الأوروبية المتوسطية، هذا بالإضافة إلى المديونية الرهيبة على الدول العربية -بلغت المديونية أكثر من ألف مليار دولار نهاية القرن الماضي-.

            تحدي العولمة الاقتصادية لا يكون بأدوات اقتصادية فقط ، بل يتطلب الأمر الاشتغال على ثلاثة أبعاد مترابطة: -

1. البعد الاقتصادي الخالص المرتبط بعلاقات الإنتاج والاستثمار وتطوير البنى الاقتصادية التي هي في مجتمعاتنا متخلفة، وهذا يتطلب الاقتراب المحسوب من نمط اقتصاد السوق، الأمر الذي يحتم توسيع السوق العربية إما بإحياء السوق العربية المشتركة أو تأسيس منطقة تجارة حرة عربية أو إعادة النظر في الشركاء الاقتصاديين التقليديين بالانفتاح على أسواق جديدة كدول جنوب شرق أسيا والصين واليابان[36].

2. البعد السياسي للاقتصاد، حيث يتأكد تلاحم الاقتصاد مع السياسة يوماً بعد يوم، فالقول بوجود نخبة ليبرالية كشرط لنجاح اقتصاد السوق يحيل للشأن السياسي أي لشرط الليبرالية السياسية، حيث أكدت تجارب التاريخ أن التنمية الاقتصادية كانت مرادفة مع التنمية السياسية، فنادراً ما نجحت نظم استبدادية في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية[37]. وحيث أن غالبية نظمنا السياسية ليس فقط مستبدة سياسياً بل مستبدة بخيرات البلاد و متحكمة في الثروة الوطنية، حيث يوجد توازٍ ما بين توزيع الثروة وتوزيع السلطة، فان التحدي الاقتصادي يستتبع إعادة النظر في بنية النظم السياسية القائمة وذلك بوضع آليات لتداول السلطة، وضرورة الفصل بين الثروة والسلطة أو بين النخبة الاقتصادية والنخبة السياسية، فالجمع بين الطرفين جعل السلطة أكثر استبداداً والثروة أقل وطنية.

3. البعد الثقافي، منذ قرن من الزمن كتب ماكس فبرMax Weber  كتاباً بعنوان الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية[38] أكد فيه وجود علاقة ما بين التطور الاقتصادي ونوع الثقافة السائدة في المجتمع، من خلال دراسة مقارنة ما بين اثنى عشر نسقاً ثقافياً مسيحياً وغير مسيحي، وبالرغم من قدم هذه الدراسة والتحولات التي عرفتها الأنساق الثقافية عبر العالم، إلا أن البعد الثقافي للاقتصاد أو وجود ثقافة اقتصادية أمر مسلم به، كثقافة الادخار والاستثمار وتقديس العمل واحترام الوقت وروح العمل الجماعي وتقدير الإبداع وتشجيع المبدعين واحترام الملكية الفكرية ونبذ السلبية والاتكالية وتحمل المسؤولية، الخ...

            البدء بالعولمة العربية نسبة إلى العالم العربي- هو شرط كسب معركة التحدي الاقتصادي، فإذا عولمنا علاقاتنا الاقتصادية أصبح اقتصادنا قوة إن لم تستطع التفوق على الاقتصاديات الكبرى في العالم فعلى الأقل سيحسب لها حساب بحيث تقلل من مخاطر العولمة الاقتصادية الكونية فيما لو تعاملت هذه الأخيرة مع اقتصادياتنا بشكل منفرد. ما أضعف الدول العربية في مواجهتا للعولمة الاقتصادية أنها تعاملت بصف انفرادية مع تحديات فترة ما بعد الحرب الباردة وعصر العولمة[39]. والواقع الدولي اليوم يؤكد توجُّه الدول نحو خلق تكتلات اقتصادية كبيرة لمواجهة تحديات العولمة: الاتحاد الأوروبي تكتل اقتصادي، ودول آسيان شكلت تكتلاً اقتصادياً، وحتى أمريكا الشمالية شكلت تكتلها الاقتصادي (النافتا)، والصين بحد ذاتها قوة اقتصادية يحسب لها حساب.

            قد يعن للبعض الزعم بأن تجميع اقتصاديات دول صغيرة ومتخلفة كالدول العربية لا يمكنه خلق تكتل قوي -فحاصل جمع عدة أصفار هو صفر- الرد على هذه المزاعم المحبطة والمبررة للاندماج بالعولمة الاقتصادية دون ضوابط أو إعداد، هو الاستشهاد بتجربة دول جنوب شرق أسيا، فحال هذه الدول في السبعينيات كان أشد قتامة مما نحن عليه اليوم وكانت تعادل حالنا في تلك المرحلة إن لم يكن أقل، وقد استطاعت بالإرادة وبالعمل وبالديمقراطية وبالتنسيق فيما بينها أن تشكل اليوم قوة اقتصادية يحسب لها حساب. ومن جهة أخرى الدول العربية ليست فاقدة لكل مكونات القوة الاقتصادية، فهناك البترول والقوة البشرية والأرض الزراعية والموقع الاستراتيجي والعقول والأدمغة التي تترك بلدانها لتهاجر إلى الولايات المتحدة وأوروبا واستراليا وكندا[40]، المشكلة تكمن في رأينا في غياب الوعي والإرادة وفي فساد وفشل النخبة السياسية.

            وحتى لا نخدع أنفسنا فإن كسب رهان تحدي العولمة الاقتصادية لا يعني دخول معركة اقتصادية نحقق فيها نصراً، ولا يعني أن يتساوى أو يتساوق الاقتصاد العربي بين ليلة وضحاها مع اقتصاد الدول الكبرى، مواجهة العولمة بعقلية ثورية انقلابية لن يمكننا من كسب الرهان، مواجهة العولمة الاقتصادية تحتاج إلى استراتيجية إصلاح وطني مكثفة وسريعة، ذات بعد قومي تحدد أهدافاً ملحة قابلة للتحقيق، فما الذي يمنع مثلاً أن نضع هدف تحقيق الأمن الغذائي من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي غذائياً[41] وتشجيع الاستثمار العربي داخل المنطقة العربية.

(ثانيا): التحدي الثقافي

تملَّك البعض وهم بأن العولمة تعني إزالة كل الحدود وأشكال التمايز بين الشعوب وهذا ما تم استنتاجه مبكراً في مقال لفرانسيس فوكوياما (F. Fukuyama) تحت عنوان نهاية التاريخ 1989، حيث خلص في بحثه إلى أن الليبرالية السياسية والاقتصادية التي انتصرت على كل منافسيها عبر التاريخ هي المؤهلة لسيادة العالم دون منازع. إلا أنه أربع سنوات بعد ذلك، وفي صيف 1993، صدر مقال أثار ضجة كبيرة تحت عنوان صراع الحضارات لصامويل هنتنغتون (S. Huntington) منطلقاً من الفرضية الآتية: المصدر الأساسي للصراعات في العالم الجديد لن يكون بالدرجة الأولى إيديولوجيا ولا اقتصادياً، إن الانقسام الكبير بين البشر والمصدر الأساسي للخلاف سوف يكون ثقافي، وإن الدول سوف تظل القوى المؤثرة في الشؤون الدولية، ولكن الخلافات الرئيسية بين دول العالم سوف تقع بين جماعات حضارية مختلفة. إن صراع الحضارات سيكون المرحلة الأخيرة في تطور الخلافات في العالم. وأهم الصدامات في نظره، سوف تحدث عند خطوط التماس الفاصلة بين الحضارات التالية: الحضارة الغربية، الكونفوشية، اليابانية، الإسلامية، الهندوكية، السلافية، الأرثوذوكسية، أمريكا اللاتينية. وضمن هذه الحضارات يبرز التحالف الكونفوشي الإسلامي المحتمل باعتباره تهديداً للحضارة الغربية، وطالب هنتنغتون بضرورة مواجهته منذ الآن عبر شبكة من الاستراتيجيات و التحالفات الدولية[42].

            إلا أن الذي جرى خلال العقدين الأخيرين هو تزامن العولمة كمسعى لإزالة الحدود وتحويل العالم لقرية كونية تتجاوز الصراعات والحدود الثقافية، مع الانفجار الحقيقي للاحتكاكات بين الشعوب والثقافات على المستوى الدولي، حيث تفجرت صراعات جديدة تقوم على أسس ثقافيةعرقية وطائفية- أو ما يمكن تسميته (أثننة العالم) أو التفكيك Fragmentation. ما وراء الشعارات البراقة للعولمة تأكد أن المروجين لها والمتحكمين بآلياتها ينطلقون من اتجاه تبشيري يعبر عن أنوية حضارية غربية مسيحية أو مركزية ثقافية Ethnocentrism يهدف إلى إذاعة ونشر القيم التي تمثل القاعدة المحورية لهذه الحضارة، كما يهدف إلى تطوير القيم المقبولة ورفض ونبذ الأشكال الاجتماعية غير المقبولة، ومن ثم فالتعاون الدولي يتجه نحو قبول تفسير محدد لبعض القيم وذلك عن طريق عزل وإدانة الدول التي تفسر هذه القيم بطرق مختلفة، وقد يؤدي ذلك إلى حرب مقدسة تستهدف فرض مثل هذه القيم باعتبارها قيم عالمية[43]. وفي ذلك يقول عبد الإله بلقزيز بأن العولمة الثقافية ما هي إلا التعبير المكشوف عن السيطرة الثقافية الغربية التي توظف مكتسبات الثورة المعلوماتية لهذا الغرض[44]. وفي نفس السياق يرى سمير أمين بأن العولمة طرحت نفسها كإيدولوجيا تعبر عن النسق القيمي للغرب على حساب النسق القيمي للحضارات الأخرى[45].

            بالرغم من اتضاح حقيقة الأبعاد الخطيرة لعولمة ثقافية يوجهها تيار يميني محافظ ذو نزعة أصولية مسيحية متمركز في سدة الحكم في الولايات المتحدة، وكان وراء هوس الحرب العدوانية في العراق وداعما للسياسة العدوانية لإسرائيل، ومثيراً للفتن ومهدداً للاستقرار داخل عديد من الدول العربية حتى الصديقة للغرب تقليديا، بل وصول الأمر إلى درجة الحديث عن حرب صليبية... بالرغم من ذلك فإن هذا التهديد بدلاً من أن يستنهض الهمم ويستثير ويخلق حالة من الاستقطاب أو التمركز الثقافي في العالم العربي أو العربي الإسلامي على أسس جديدة متفتحة على مستجدات العصر ولا تقطع مع ما يفيد من التراث، عمَّق من أزمة الثقافة العربية كمنظومة قيمية إن كانت تعبر عن هوية وانتماء لأمة، إلا أنها أيضاً تعكس نمط علاقات اجتماعية وأنماط تفكير لم تعد تعيننا على مواجهة التحولات العالمية، حيث تفجرت الصراعات الإثنية والطائفية، وتشجعت ثقافات فرعية لتتحول إلى ثقافات مضادة46[46]، وانكشفت أمراض اجتماعية كانت الإيدولوجيا تخفي وجودها أو تجملها، ولم يكن الأمر مقتصراً على نمط من الأنظمة دون غيرها بل هي ظاهرة عامة في كل البلدان العربية (التقدمية) منها و(الرجعية)، فجميعها تشتغل على نفس البنية الثقافية والاجتماعية بغض النظر عن الشعارات الأيديولوجية السطحية[47]، وبات العالم العربي أكثر ضعفاً في مواجهة العولمة الثقافية.

            لا شك أن مشاريع الإصلاح ونشر ثقافة المعرفة التي تبشر بها العولمة الثقافية فيها الجيد وفيها الرديء، وإن كان يجوز القول بوجود نواياها غير بريئة عند دعاة عولمة الثقافة إلا أن المنظومة الثقافية القيمية والعلاقات الاجتماعية في بلداننا تتحمل مسؤولية كبيرة في خلق علاقة غير متكافئة مع الثقافات الأخرى.

            وللإنصاف يجب القول بأن ما نسميه بالثقافة العربية والتي نخشى عليها من الثقافات الغازية باسم العولمة لم تكن بالشيء المثالي الذي يمكن الدفاع عنه، فالمثقفون العرب كانوا يستشعرون الأزمة الثقافية والاجتماعية العميقة التي نمر بها، وقبل أن نصطدم بتحديات العولمة الثقافية جرت محولات عديدة لتجاوز أزمتنا الثقافية والاجتماعية، وإن كان الجميع اتفق على وجود الأزمة وضرورة التغيير إلا أنهم اختلفوا حول الآليات والمناهج. وعليه كنا نلاحظ بألم محاولات التحديث والإصلاح وهي تنتكس أكثر مما تراكم إنجازات، ليس بالضرورة لخلل في نظريات التنمية أو لأسباب اقتصادية خالصة، بل بسبب بالإضافة إلى ما سبق ذكره- بنية المجتمع العربي والتي هي بنية أبوية تقليدية أو أبوية جديدة كما يقول هشام شرابي تتميز بالعصبية والنفعية المبنية على الخضوع لمدبر أو راع يتوحد مع الصورة النمطية للأب في الأسرة الأبوية القديمة، حيث الأب له حق الحياة والموت على أفراد أسرته، أبوية تفضل الأسطورة على العقل والخطابة على التحليل والنقل على الإبداع[48].

            وحديثاً، وفي ظل أنظمة ونخب وأيديولوجيا قومية واشتراكية مأزومة، حاول التيار الأصولي مواجهة هذا التحدي الثقافي المتولد عن العولمة، إلا أن توظيف الأصوليين لأدوات ومناهج عمل تقليدية وعنيفة أحياناً، وتشتتهم بين تيارات وأحزاب متباينة، بالإضافة إلى محاربتهم خارجياً وداخلياً، قلل من فرص نجاحهم في الاستجابة لتحدي العولمة الثقافية. وقد اعترف بعض أقطاب التيار الإسلامي بأزمة الخطاب الإسلامي وضرورة أن يتكيف مع عصر العولمة ويستوعب أن العالم يتغير بحيث بات قرية واحدة، فيوسف القرضاوى ينتقد صراحة الخطاب الإسلامي السائد ويقول: يلزم أهل الخطاب الإسلامي أو الدعوة الإسلامية أن يتحرروا في خطابهم ويتأنوا في دعوتهم، ولا يلقوا الكلام على عواهنه، فقد غدا العالم كله يسمعهم ويحلل أحاديثهم[49].

            هناك بعد مغيب عند عديد من الباحثين في الثقافة والعولمة الثقافية، وهو تحول مفهوم الثقافة، فمن التبسيط المتناهي للأمور التعامل مع مفهوم الثقافة اليوم انطلاقاً من التعريف الكلاسيكي للثقافة، كمجموع من العادات والتقاليد وأنماط السلوك المادية والمعنوية التي تميز شعباً عن غيره من الشعوب، هذا التعريف كان كافياً بحد ذاته عندما كانت المجتمعات تتحكم بالتنشئة الاجتماعية، ولم يكن للمؤثرات الخارجية كبير تأثير على البنية الثقافية. ولكن في ظل الثورة المعلوماتية، وهذا التدفق الهائل للأفكار والقيم وأنماط السلوك عبر الفضائيات وشبكات الانترنت بأساليب مشوقة ومغرية وسهلة الوصول إليها، لم تعد الثقافة نتاج وطني خالص، ولم تعد لا النظم السياسية والاجتماعية ولا البنى التقليدية بقادرة على التحكم بالتنشئة الاجتماعية وبالتالي بمصادر ومغذيات الثقافة الوطنية. وبالتالي عند الحديث عن تحدي العولمة الثقافية يجب عدم تجاهل الثورة المعلوماتية ومن يتحكم في إنتاجها تقنياً وفي محتواها ثقافياً وأخلاقياً، وهذا يتطلب كما يقول فريدريكو مايور -المدير السابق لليونسكو- إن أهم متطلبات التنمية الشمولية أن يتحول العلم إلى ثقافة، ولا داع للتذكير بالتجارب الآسيوية في هذا المجال.

(ثالثا):التحدي السياسي

            سواء سميت الشرق الأوسط الكبير أو المشروع الأمريكي للإصلاح أو التحديث السياسي، فكلها تداعيات لما يمكن تسميته بالعولمة السياسية، أي محاولة نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان ولكن بالطبعة الأمريكية. وما سبق أن قلناه عن التحديين السابقين يصح في هذا السياق، والسياق هنا هو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، فما كان يوجد مبرر لأمريكا أو غيرها لأن تطالبنا بالإصلاح السياسي لو كانت أنظمتنا ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وكرامته، هذا لا يعني منح شرعية للمطالب الأمريكية أو القول بأن أمريكا جادة في سعيها لنشر الديمقراطية، حيث من تتهمهم أمريكا اليوم بالأنظمة غير الديمقراطية وتطالب بتغييرها هي بالأساس حليفة الولايات المتحدة لعقود وكانت هذه الأخيرة تسكت عن ممارساتها المتناقضة للديمقراطية، وانقلابها عليها يعود لعدم قدرة هذه الأنظمة على تأمين الحماية للمصالح الأمريكية أو رفضها الانسياق وراء مشاريع الهيمنة الأمريكية في المنطقة العربية.

            إن ضعف الممارسة الديمقراطية في بلداننا هو ما جعل خطاب الديمقراطية الذي تروجه العولمة الثقافية مسموعاً، وهو الذي أوجد المبرر للولايات المتحدة ولدعاة العولمة لينصبوا أنفسهم معلمين ومرشدين لحكامنا ولشعوبنا في كيفية تأسيس المجتمع الصالح -باعتبار أن نظمنا ومجتمعاتنا غير صالحة سياسياً-. ودون الإطالة بالبعد السياسي للعولمة حيث هو الشغل الشاغل للمثقفين والسياسيين اليوم بعد طرح أمريكا لمشروعها المسمى الشرق الأوسط الكبير، يجب الإقرار بأن نظمنا السياسية بل وثقافتنا أيضاً غير متصالحة مع الديمقراطية إن لم يكن تناصبها العداء، ونعتقد بأن أسباب غياب الديمقراطية في مجتمعاتنا تعود للأسباب التالية:-

1. غياب نموذج عربي إسلامي للحكم الديمقراطي يمكن الرجوع إليه واستلهامه وهذا الغياب يمس الحاضر كما يمس الماضي - بالرغم من محاولات البعض مماهاة الشورى الإسلامية بالديمقراطية.

2. ندرة المفكرين الديمقراطيين المتنورين، في مركز القرار السياسي أو في مركز التأثير على أصحاب القرار، قادرون على بلورة رؤية أو مشروع يربط ما بين عالمية الفكرة الديمقراطية والخصوصية الاجتماعية العربية الإسلامية، حتى أن إسهامات مفكري النهضة العربية أوائلَ القرن العشرين لم تستثمر بشكل جدي ولم يُبْنَ عليها أو تطوَّر، وهي أفكار كانت من الخصب والغنى مما يؤهلها لتكون نواة مشروع حضاري ديمقراطي عربي، إلا أنها وُوجهت بمعارضة من تيارات شتى، قومية وعلمانية ودينية وثورية.

3. غياب ثقافة الديمقراطية، فالديمقراطية ليست مؤسسات ولكنها ثقافة أيضاً. ما يحدث في العالم العربي هو أن خلْق المؤسسات الديمقراطية سبق نشر الفكر الديمقراطي -عكس ما حدث في الغرب حيث مهد فكر عصري النهضة والأنوار لتأسيس النظم الديمقراطية- ومن هنا نجد تعارضاً بين الثقافة الجماهيرية السائدة التي هي إما أصولية دينية أو ثورية انقلابية أو ديكتاتورية من جهة والثقافة الديمقراطية من جهة أخرى.

4. عملية الاستقطاب الدولي سياسياً وأيديولوجياً في ظل النظام ثنائي القطبية أظهرت وكأن الديمقراطية هي خاصية غربية إمبريالية، وبالتالي نُظر إليها كجزء من الثقافة الغربية الاستعمارية وأن مقولاتها والمطالبة بتطبيق هذه المقاولات يدخل في باب الغزو الثقافي الغربي.

5. تعليق كل شيء على مشجب فلسطين والخطر الصهيوني، بحيث كانت الأنظمة ومعها الأحزاب السياسية، تعتبر أن الخطر الآني والمباشر ليس الفقر أو انتهاك حقوق الإنسان ولا الأمية ولا غياب الديمقراطية، ولكنه الخطر الصهيوني، وأن المرحلة تستوجب توحيد كل الجهود من أجل الوحدة وتحرير فلسطين. وهكذا باسم فلسطين صودرت الحريات، وتعاظمت المعتقلات، وطُورد الأحرار، وجُهلت الجماهير، والفقراء ازدادوا فقراً والأغنياء ازدادوا غنى، وكانت النتيجة لا فلسطين حُررت ولا الأمة وُحدت ولا التنمية أُنجزت.

            إذن على العقل السياسي العربي أن يعيد النظر في معقولاته، بمعنى أن نعيد النظر في ثوابت فكرية لم تكن الديمقراطية إحداها، وأن نجد للفكر الديمقراطي مكاناً في ثقافتنا ليس فقط في ثقافة النخبة السياسية بل في الثقافة الجماهيرية، لأن الديمقراطية هي عمل شعبي ورسمي، فإن لم تكن الجماهير مشبعة بالفكر الديمقراطي ومستعدة لدفع استحقاقات التحول الديمقراطي، فلن يكتب للديمقراطية النجاح.

            ونؤكد مرة أخرى بأن العولمة السياسية (خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان) كفروع العولمة الأخرى لا يمكن تجريده من الإيدولوجيا وبالتالي التعامل معه كفرصة سانحة، ولكن في نفس الوقت يجب عدم التعامل معه كخطر بالمطلق، المطلوب هو التعامل معه كتحد لنظمنا السياسية ولمثقفينا وللنخبة السياسية بشكل عام.والتعامل معه كتحد يعني أن نتجاوب مع ثقافة الديمقراطية ونعيد النظر في مؤسساتنا ونظمنا السياسية، ولكن ليس بما تريده أمريكا أو غيرها، بل بما يتوافق مع خصوصياتنا وطبيعة المرحلة التي نمر بها، فنوفق بين استحقاقات الديمقراطية من جهة وبعض ثوابت ثقافتنا، مع تحديد للأوليات. ونعتقد بإن خطاب الديمقراطية المرتبط بالعولمة يتيح فرصة للتيار الديمقراطي الحقيقي في عالمنا لإحراج الأنظمة غير الديمقراطية من جهة وللتخلص من أنماط سلوك وتفكير معيقة للنهج الديمقراطي من جهة أخرى.

الخاتمة

            يمكن القول مجدداً بأن العولمة تشكل تحدياً متعدد الأبعاد، فما دمنا غير منتجين لها ولا فاعلين فيها إلا بأضيق الحدود،فما علينا إلا استنهاض الكامن أو المتبقي من إمكانياتنا الثقافية والاقتصادية لجعل وقع العولمة أقل خطراً علينا ولتوظيف العناصر الإيجابية فيها، ونعتقد أن العرب وعلى بالرغم من كل مظاهر السلبية البادية على أوضاعهم قادرون على الدخول عصر العولمة بثقة أكبر لو أعادوا إحياء المشاريع الوحدوية السياسية والاقتصادية ولكن على أسس جديدة وبرؤى جديدة، بإضفاء البعدين الديمقراطي والاقتصادي على هذه المشاريع.

            الواقع الدولي الراهن والذي تشغل العولمة معظم تفاصيله السياسية والاقتصادية والثقافية هو مجرد لحظ عابرة في تاريخ تطور المجتمعات و سيرورة النظام الدولي، وبالتالي فهو ليس قدراً محتوماً أو نهاية التاريخ. لا شك أن الدول المهيمنة وخصوصاً الولايات المتحدة وجدت في انهيار المعسكر الاشتراكية وما ترتب عليه من انكشاف أنظمة دول العالم الثالث وخصوصاً منها ذات السياسات المعارضة للسياسة الأمريكية، فرصة تاريخية لصيرورة تطلعاتها الهيمنية واقعاً تستطيع من خلاله تأمين مصالحها الاقتصادية راهناً وعلى المدى البعيد ومحاصرة البؤر التي تستنهض سياسات معادية لها ما تسميها الولايات المتحدة بؤر الإرهاب-، إلا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ورقة التوت التي تخفي هذه التطلعات الهيمنية وتحافظ على صورتها كملتزمة بالشرعية الدولية وبالقيم والأخلاق التي يرتضيها المجتمع الدولي ودول العالم الحر، وورقة التوت هنا هي العولمة.

            لا غرو أن الإمكانيات الراهنة للمجتمعات العربية والإسلامية لا تسمح لها بمواجهة تيار العولمة الجارف، ولكن يمكن استنهاض الهمم بحيث لا نسمح لهذا التيار بجرفنا أو أن نكون لقمة سائغة بفم المتربصين بنا، وهنا يأتي دور المثقفين الملتزمين بقضايا أمتهم لتنوير الرأي العام بحقيقة العولمة، وإن كانت فئة من المثقفين العرب تعاملت مع العولمة بنظرة المستشرقين مما يجوز نعتهم بـ(المستشرقون الجدد) وفئة أخرى تعاملت معها على خلفية نظرية المؤامرة[50]، فإن فئة ثالثة من المثقفين استطاعت أن توازن ما بين المقاربتين فتتجنب مغالاة الطرفين السابقين بالاعتراف بأن هناك ايجابيات يمكن الاستفادة منها وهناك مخاطر يجب التحذير منها، وهذا ما نتبناه وندعو إليه.


قائمة المراجع

1.       إبراهيم أبراش ،المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية،  دار بابل للطباعة والنشر ،الرباط ،1999

2.       إبراهيم أبراش،تاريخ الفكر السياسي ،دار بابل للطباعة والنشر، الرباط،1999.

3.       السيد يسين ،العالمية والعولمة ،دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة،2002.

4.       أنطوني جيدنز ،ترجمة شوقي جلال،بعيدا عن اليسار واليمين :مستقبل السياسيات الراديكالية ،سلسلة عالم المعرفة، الكويت ،أكتوبر 2002.

5.       بول كيركبرايد و كارين ورد ،ترجمة ،هشام الدجاني،العولمة:الديناميكية الداخلية،مكتبة العبيكان،الرياض ،2003.

6.       بول كيركبرايد،ترجمة،رياض الأبرش ،العولمة :الضغوط الخارجية، مكتبة العبيكان،الرياض ،2003..

7.       برتراند بادي ،الدولتان :الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام،ترجمة نخلة فريفر،المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء،1996.

8.       هشام شرابي ،مقدمات لدراسة المجتمع العربي ،القدس،1975.

9.       هشام شرابي ،النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت، 1999.

10.   محمد عابد الجابري ،قضايا في الفكر المعاصر ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،1997.

11.   محمد حسين أبو العلا ،دكتاتورية العولمة :قراءة تحليلية في فكر المثقف ،مكتبة مدبولي ،القاهرة ،2004.

12.   عبد الله حمودي ،الشيخ والمريد:النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة ،ترجمة  عبد المجيد جحفة،دار وبقال للطباعة والنشر ،الدار البيضاء ،1999

13.   يحيى اليحياوي ،العولمة ورهانات الإعلام ،سلسلة شراع عدد 33 ،يونيو 1998.

14.   نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، المركز القومي للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001.

15.   نورمان فان شرنبرغ ،فرص العولمة :الأقوياء سيزدادون قوة،تعريب، حسين عمران،مكتبة العبيكان ،الرياض،2002.

16.   حليم بركات ،المجتمع العربي المعاصر ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،1984.

17.   شوقي جلال (الصين وكوريا الجنوبية :التجربة والمواجهة في عصر العولمة ) ورد في مؤلف جماعي ،بعنوان ،الدولة الوطنية وتحديات العولمة في الوطن العربي ،لركز البحوث والدراسات الإفريقية بالقاهرة ومركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بدمشق ،منشورات مكتبة مدبولي ،القاهرة ،2004.

18.   يزيد صايغ ،العولمة الناقصة :التفكك الإقليمي والليبرالية السلطوية في الشرق الأوسط،دراسات عالمية،مركز الإمارات للدراسات لاستراتيجية،العدد 28.

19.   عبد الإله بلقزيز ،العولمة والممانعة ،دراسة في المسأـلة الثقافية ،سلسلة المعرفة للجميع ،عدد 4 (فبراير 1999) ، منشورات رمسيس ،الرباط.

20.   سمير أمين ،تحديات العولمة ،مجلة شؤون الشرق الأوسط ،مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ،بيروت ، العدد 71 ،1998.

21.   يوسف القرضاوي ،خطابنا الإسلامي في عصر العولمة ،دار الشروق ،القاهرة،2004

المقالات

22.  إبراهيم أبراش،الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ،مجلة المستقبل العربي،مركز دراسات الوحدة العربية.بيروت ،عدد 156،ص:121.

23.  إبراهيم أبراش ،نظرية المؤامرة ما بين التهويل السياسي والتحليل العلمي ،جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية 23/5/2000.

ندوات وتقارير

24.  عبد الهادي  بوطالب ،كلمة ألقيت في ندوة  علمية نظمتها أكاديمية المملكة المغربية  في دورة 2002 حول موضوع العولمة.

25.   التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 ،الصادر عن برنامج الأمم المتحد الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

26.   حال الأمة العربية،المؤتمر القومي العربي الحادي عشر،2001،الطبعة الأولى 2002 ،مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.

27.   Dunis Duclos,La  cosmocratie,nouvelle classe plametaire ,Le monde diplomatique,Aout 1997.

28.   Francis Fukyama,The end of history and the last man ,Avon Books, New York,1992

29.   Max Weber, The Protestant Ethic And Sprit Capitalism Eleventh Impression, George Allen ,Unwin Ltd, London, 1971

30.   Ronald Robertson, Globalization Social Theory and Global Culture Sage Publication, London-New Delhi 1996. 

31.   Petrella, Le retour des conqurants"Le Mond diplomatique: Mai 1995.

32.   Samuel.P.Hantington,"Conflicts of  civilizations ".Foreign Affairs 16 (1993)

33.   Clark, Lan, Globalization And  Fragmentation  International  Relation In Twentieth Century (NY: Oxford University Press INC,1997).

34.   Parsons, The Present Status of Structural Functional: Theory in Sociology.


الحواشي


[1] يعد الطهطاوي صاحب أول برنامج تفصيلي يتحدث عن تجديد الأفكار والنظم والإدارة السياسية لمصر  وذلك في كتابه (مناهج الألباب المصرية إلى مباهج العلوم العصرية)  الصادر عام 1869.

[2] يعتبر باحثون سنة 1798 أي سنة غزو نابليون لمصر بدء عصر النهضة فما جلبه نابليون من مقومات الحضارة الغربية وما طرحه من أفكار،كان بداية إحساس العرب والمسلمون بالفجوة الواسعة بينهم وبين الغرب،إلا تحول الصدمة وردة الفعل إلى فكر لم يتبلور إلا مع منتصف القرن التاسع عشر.للاقتراب أكثر من فكر تلك المرحلة يمكن الرجوع إلى: حليم بركات ،المجتمع العربي المعاصر ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،1984،ص:379.

[3] برتراند بادي ،الدولتان :الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام،ترجمة نخلة فريفر،المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء،1996،ص:82.

[4] عرفت أكثر من دولة عربية إرهاصات حداثة سياسية تمثلت بتعددية حزبية وانتخابات وحركة برلمانية نشطة وبعض مظاهر النهضة الصناعية والفنية الإبداعية ،إلا أن الحكومات العسكرية التي تولت السلطة منتصف القرن الماضي سواء في مصر أو العراق ،عملت على افتعال قطيعة ما بين منطق الثورة والديمقراطية فقامت بحل الأحزاب السياسية وتقييد الحريات والقضاء على القطاع الخاص دون تهيئة الظروف المناسبة لقطاع عام عقلاني وحديث.

[5] نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، المركز القومي للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، ص:12.

[6] يعرف تالكوت بارسونز النسق بأنه (عبارة عن فاعلين أو أكثر يحتل كل منهم مركزا أو مكانة متمايزة عن الآخرين ويؤدون دورا متمايزا،وهو نمط منظم يحكم علاقات الأعضاء ويصف حقوقهم وواجباتهم تجاه بعضهم وإطار من المعايير أو القيم المشتركة وأنماط مختلفة من الرموز والموضوعات الثقافية المختلفة).

[7] Parsons, The Present Status of Structural Functional: Theory in Sociology, p.67-68.

[8] عبد الهادي بوطالب ، محاضرة للكاتب في  ندوة  علمية نظمتها أكاديمية المملكة المغربية  في دورة 2002 حول موضوع العولمة.

[9] محمد عابد الجابري ،قضايا في الفكر المعاصر ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،1997،ص: 136.

[10] نبيل علي، مرجع سابق ،ص:42.

[11] يحيى اليحياوي ،العولمة ورهانات الإعلام ،سلسلة شراع عدد 33 ،يونيو 1998 ،ص:12.

[12] نقصد بعولمتنا هو هذا التيار المناهض للعولمة بالنسخة الأمريكية، والذي بدا يتبلور بعد المظاهرات التي عرفتها مدينة سياتل الأمريكية، وهو تيار يقوده مثقفون وقادة مجتمع مدني، وهم إن كانوا يرفضون العولمة المتوحشة فهم يؤمنون بأن العالم يتغير وأن الحاجة تدعو لمزيد من التعاون بين الدول والشعوب ولإزالة القيود على حرية الحركة والتنقل، ولكن كل ذلك بما لا يضر بمصالح الشعوب الفقيرة وبما يحفظ إنسانية الإنسان. إنها عولمة مضادة أو عولمة أخلاقية.

[13] محمد حسين أبو العلا ،دكتاتورية العولمة :قراءة تحليلية في فكر المثقف ،مكتبة مدبولي ،القاهرة ،2004،ص:197.

[14] السيد يسين ،العالمية والعولمة ،دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة،2002 ،ص:153.

[15] R. Petrella, Le Retour des Conqurants, Le Mond Diplomatique: Mai 1995.p20.

[16] Francis Fukuyama,The end of history and the last man,Avon Books, New York, 1992.

[17] Samuel P. Hantington, Conflicts of Civilizations, Foreign Affairs (1993)

[18] بول كيركبرايد و كارين ورد ،ترجمة هشام الدجاني، العولمة: الديناميكية الداخلية. مكتبة العبيكان، الرياض، 2003، ص 35.

[19] بول كيركبرايد، ترجمة: رياض الأبرش، العولمة: الضغوط الخارجية. مكتبة العبيكان ،الرياض، 2003، ص 30.

[20] أنطوني جيدنز، ترجمة: شوقي جلال:  بعيداً عن اليسار واليمين: مستقبل السياسيات الراديكالية. سلسلة عالم المعرفة، الكويت، أكتوبر 2002، ص 10.

[21] العولمة: الضغوط الخارجية، مرجع سابق،ص:52.

[22] Ronald Robertson, Globalization Social Theory and Global Culture, Sage Publication, London, New Delhi, 1996.p.11.

[23] دكتاتورية العولمة، مرجع سابق ،ص:122.

[24] فلسفة وضع أسسها زينون عام 300 قبل الميلاد في أثينا، وكانت الرواقية فرعاً من الفلسفة الكلبية قبل أن تستقل بذاتها، وظهرت هذه الفلسفة مع بداية انهيار النظام الديمقراطي في أثينا.

[25] إبراهيم أبراش، تاريخ الفكر السياسي، دار بابل للطباعة والنشر، الرباط،1999، ص:111.

[26] أنطوني جيدنز، ترجمة شوقي جلال، بعيداً عن اليسار واليمين  مستقبل السياسيات الراديكالية. سلسلة عالم المعرفة، الكويت، أكتوبر 2002، ص:57 (مقدمة النسخة العربية بقلم المترجم).

[27] المصدر نفسه،ص:13.

[28] عندما كنا أصحاب حضارة تمتد على ثلاث قارات وتستوعب أمم متعددة الأعراق، إنما كنا نقيم عولمتنا الخاصة بنا، حيث كنا نعولم العالم على أسس ديننا الإسلامي وحسب مصالحنا وتصورنا لما يجب أن يكون عليه العالم، وهي عولمة أقمناها على أسس (أيديولوجية) دينية وعلى أسس القوة العسكرية والحضارية.

[29] إبراهيم أبراش،الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ،مجلة المستقبل العربي،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت،عدد

[30] دكتاتورية العولمة ،مرجع سابق ،ص:89.

[31] ونقصد هنا بالعولمة العربية: إزالة الحدود والحواجز التي تَحُول ما بين تنقل السلع والأفراد والأفكار ما بين الدول العربية وبعضها البعض، حيث لا يعقل أن تفتح هذه الحدود بين الدولة العربية كل على حدة والدول الأجنبية فيما هي مغلقة بين الدول العربية وبعضها البعض، ولا نقصد هنا استنساخ التجارب الوحدوية العربية الفاشلة بل شكلاً جديداً يقوم على أساس المصلحة الاقتصادية المشتركة والإيدولوجيا العربية تكون عاملاً داعماً لها وليس العكس.

[32] حال الأمة العربية، المؤتمر القومي العربي الحادي عشر، 2001، الطبعة الأولى 2002، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 65.

[33] في تقرير صادر عن البنك الدولي جاء فيه أنه في منتصف السبعينيات كان المستوى الاقتصادي والمعيشي لكوريا الجنوبية موازياً لحال دول عربية كمصر والمغرب، وللنظر اليوم الهوة الكبيرة التي تفصل كوريا الجنوبية عن مصر والمغرب.

أنظر حول الموضوع :تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 ،الصادر عن برنامج الأمم المتحد الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

[34] Dunis Duclos, La Cosmocratie, Nouvelle Classe Plantaire, Le Monde Diplomatique, Aout 1997 p14.

[35] بول كيركبرايد، العولمة: الضغوط الخارجية، مرجع سابق، ص:29.

[36] هذا ما طالبت به القمة العربية في تونس التي أنهت أعمالها يوم 24/5/2004، والملاحظ أن توجه القمة هذا جاء كرد على مطالب الإصلاح التي تضغط بها الولايات المتحدة الأمريكية على النظم العربية، وخطاب الإصلاح التي تطرحه الولايات المتحد هو جزء من محاولة فرض العولمة بالمنظور الأمريكي.

[37] قد يعن للبعض تفنيد هذا الرأي بواقع التجربة الصينية، حيث تحقق الصين اعلي معدل للتنمية في ظل غياب شروط الديمقراطية الليبرالية، ولكن يجب التنبيه إلى أن ما حقق هذه التنمية ليس استبداد الحزب الشيوعي، بل ثقافة وقيم وشروط موضوعية ودولية مواتية بالإضافة إلى التحولات المهمة التي طرأت على نظام الحكم في السنوات الأخيرة.

- حول التجربة الصينية في تحدي العولمة، يمكن الرجوع إلى شوقي جلال (الصين وكوريا الجنوبية :التجربة والمواجهة في عصر العولمة) ورد في مؤلف جماعي، بعنوان الدولة الوطنية وتحديات العولمة في الوطن العربي مركز البحوث والدراسات الإفريقية بالقاهرة ومركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بدمشق، منشورات مكتبة مدبولي، القاهرة، 2004، ص:225.

[38] Max Weber, The Protestant Ethic And Sprit Capitalism Eleventh Impression, George Allen Unwin Ltd, London, 1971.

[39] يزيد صايغ، العولمة الناقصة: التفكك الإقليمي والليبرالية السلطوية في الشرق الأوسط. دراسات عالمية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 28، ص:20.

[40] حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، فمن أصل 300000 من خريجي المرحلة الجامعية الأولى في العام الدراسي 1995/1996 يقدر أن نحو 25% هاجروا إلى أمريكا الشمالية ودول السوق الأوروبية. وما بين عام 1998 و2000 غادر أكثر من 15000 طبيب عربي إلى الخارج.

[41] وفق إحصاءات حديثة لمنظمة التجارة العالمية، يعتمد العالم العربي على الخارج بنسبة 70% من احتياجاته من القمح و74% من احتياجاته من السكر و62% من احتياجاته من الزيوت.

[42] في لقاء دافوس في يناير 2004 تراجع هنتنجتون بعض الشيء عن أطروحته السابقة عندما لمس التوظيف السيئ لهذه الأطروحة من طرف اليمين المتشدد في الولايات المتحدة، وصرح أن حديثه عن صدام الحضارات لا يبرر الحروب التي تقوم بها الولايات المتحدة ضد الشعوب الأخرى.

[43] دكتاتورية العولمة، مرجع سابق، ص:195.

[44] عبد الإله بلقزيز، العولمة والممانعة، دراسة في المسألة الثقافية، سلسلة المعرفة للجميع، عدد 4 (فبراير 1999)، منشورات رمسيس، الرباط، ص:52.

[45] سمير أمين، تحديات العولمة، مجلة شؤون الشرق الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، العدد 71، 1998، ص: 89.

[46] بعيداً عن أي تعصب قومي يبرر نعت الثقافة العربية بالكمال، أو إنها نهجت أسلوباً حضارياً بالتعامل مع الثقافات الأخرى داخل الوطن العربي، إلا أن المطابع القوي الذي لجأت إليه بعض الثقافات الفرعية كان مدعوماً بأطراف خارجية وظفت التطلعات القومية واتهامات الاضطهاد الطائفي بما يخدم مصالح هذه الأطراف بإضعاف النظام الإقليمي العربي وإلغاء الطابع القومي العربي والإسلامي للمنطقة العربية. مثلاً مشكلة إقليم دارفور والجنوب في السودان وبعض تيارات الحركة القبائلية البربرية في الجزائر والحركة الأمازيغية في المغرب والأكراد في العراق وسوريا والأقباط في مصر.

[47] عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار بقال للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1999، ص:238.

[48] حول تحليل بنية المجتمع العربي عند هشام شرابي يمكن الرجوع إلى:

-هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، القدس ،1975، ص:24.

-هشام شرابي، النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999، ص:77.

[49] يوسف القرضاوي، خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، دار الشروق ، القاهرة، 2004، ص:54.

[50] إبراهيم أبراش، نظرية المؤامرة ما بين التهويل السياسي والتحليل العلمي، جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية، 23/5/2000.

المقالات المنشورة في الموقع تعبر  عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا