γδΚΟμ γζήΪ ΗαΚΗΡνΞ

الأستاذ: بن لحسن عبد الرحمن

         ماجستير النقد الأدبي

         بلدية القنادسة ولاية بشار    دولة الجزائر

مستويات القراءة

..................................................................................

الشروح الشعرية:

إن الشروح الشعرية تندرج ضمن حقل القراءة ،وتختلف من قارئ إلى آخر حسب الكفاءة و القدرة التي يمتلكها، و الأدوات الإجرائية التي يوظفها، وذلك ما يسمى بتعدد القراءات للنص الواحد حسب النظريات الحداثية، وللقراءة شروطها وضوابطها، ومنها أن تكون قراءة واعية ومركزة ومنظمة و منتجة وتحقق الغرض المطلوب.

     فالشرح يحمل عدة تساؤلات، لا بد من معالجتها وهي:

هل الشرح تأليف أم تحقيق؟، كيف تصنف هذه الشروح في القراءات الحداثية أو في القديمة(فقه، لغة، بلاغة)؟، هل هو معياري وحقل لإنتاج المعيار (النحوي، البلاغي، الصرفي، ...)؟، ما هي طبيعة النصوص التي يتخلق حولها الشرح؟، هل الأمر يعود إلى لغتها ،تراكيبها،لبسها ،غموضها ،استغلاقها؟، هل النصوص التي اتصل بها الشرح هي نصوص بالضرورة تكون نصوصا أصلية (أولية،بدئية)؟، وتستلزم وتستوجب الشرح؟، هل يراد به أن النصوص كانت تشكل قطيعة لغوية وخصوصية بنائية، وجاء الشرح لكي يدلل هذه القطيعة لإحداث تواصل بين النص و المتلقي؟. فالقصيدة تحتاج إلى تدليل وقراءات تكسر هذا العائق الفيلولوجي وهذه العقبة، وتمحو هذه القطيعة، يقول مصطفى ناصف "إن الكلمات ليست ثابتة وإنما هي دائما تحدث حركة خفية تبعا للنسق الذي تحيى فيه." 

    فالشرح تقريب دلالي و ليس المطابقة، وهو مكرس لإنتاج معنى ولصناعة المعنى، وهناك ثغرات يجب ملؤها وردمها وهنا يكمن دور الشراح، والثغرات دائما قائمة.

  فالكلمة في الشرح تنهض على كلمات، لأن الكلمة ضمن إجرائية الشرح تؤدي فعالية المقاومة، مقاومة لا تقبل بالتجاوز و المطابقة، فهو اقتراب فقط، فالنص الإبداعي يتطلب أكثر من قراءة،

                                            

والشروح الشعرية تتعامل مع نظرية القراءة أو نظرية التلقي كأنها مدونة نقدية، فنسأل فيها عن مفهوم الشعر أو مفهوم الإبداع أو مفهوم الناقد أو قضايا نقدية أو القراءة بالمماثلة التي تعتمد على القياس.

   وإذا كان النقد صناعة وحرفة، فإن الشروح تعد صناعة، أي حرفة أنتجت لنا مدونة لا تخص إبداعا، وليست كالنقد وإنما هي مجال آخر قد يتوسط بين صناعة الإبداع وصناعة النقد، وهي كذلك المستوى الأدائي و الإجرائي للنقد، نجد كتبا تكلمت عن الشعر ولم تتعامل مع النص،  فالكتب التي طبقت للنقد و لم تنظرهي كتب الشروح الشعرية. وهنالك من وجد فيها التنظير، من ذلك شروح المرزوقي لحماسة أبي تمام،

-الذي فيه مقدمة أسهمت كثيرا في النقد الشعري – فالشروح الشعرية هي ممارسة نقدية، تمثل مصدرا مهما في المدونة النقدية العربية ذلك أنها استطاعت أن تجمع بين النظرية و التطبيق، و استطاعت أن تقدم لنا مصنفات نقدية تمثلت الإجراءات( الأدوات الإجرائية ) للنقد الأدبي القديم، فاهتمت بقضاياه و بالوزن و القافية و بعيوب الشعر، كما كان للشراح مواقف من الشاعر.

     فالشرح يغوص في المعنى و التراكيب و يوضحها و يبينها، أما النقد فدراسة الآثار و تحليلها و التعليق عليها ثم تقييمها، فالنقد نتيجة للشرح لأنه يصدر أحكاما بعد الشرح.            

      فالشرح لغة و اصطلاحا:

ذكر ابن منظور في مادة (شرح) أن الشرح هو الكشف، يقال شرح فلان أمره أي أوضحه، و شرح مسألة مشكلة: بينها، و شرح الشيء يشرحه شرحا و شرحه: فتحه وبينه و كشفه. و كل ما فتح من الجواهر، فقد شرح أيضا، نقول شرحت الغامض إذا فسرته.

     ثم يذكر ما قاله ابن الأعرابي في هذه المادة نفسها:

فالشرح: الحفظ، و الشرح: الفتح، و الشرح: البيان، و الشرح: الفهم، و الشرح: الافتضاض للأبكار (1)

فالشرح يجمع في داخله عدة معان هي الكشف و الإيضاح و التبيان و الفتح و التفسير،

ثم أضاف إليها ابن الأعرابي: الحفظ و الفهم، فمجال الشرح مجال فسيح تتداخل فيه المعاني.

      و أما الشرح في دائرة المعارف الإسلامية فهو الفتح و التعليق، و الفعل شرح معناه أفسح و سمع وفتح، ومن ثم فسر، علق على.... و بهذا تنضاف إلى مدلول الشرح مدلولات أخرى هي التعليق و الإفساح و السماع.

      و الحق أن أغلب هذه المعاني معان مشتركة، وفي الوقت نفسه لكل منها دلالته الخاصة التي تميزه عن المعاني الأخرى، إلا أن الشرح ارتبط كثيرا بالتفسير، و لعل هذه المفردة هي التي تؤدي المعنى على أحسن وجه، فالمعاني الأخرى تحوي معنى الشرح، لكنها لا تشمله. (2)

      و الفسر في لسان العرب هو البيان، فسر الشيء يفسره و يفسره، فسرا و فسره:

أبانه، و التفسير مثله. و يرى ابن الأعرابي أن التفسير و التأويل و المعنى واحد.

     و قوله عز وجل "وأحسن تفسيرا " (3). الفسر: كشف المغطى و التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل و التأويل. رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. واستفسرته كذا أي سألته أن يفسره لي.(4)

و كل شيء يعرف به تفسير الشيء و معناه، فهو تفسرته.                        

     و بسبب هذا الارتباط الوثيق بين الشرح و التفسير و جدنا من يسمي شرحه بالفسر، مثل ما فعل " ابن جني " عندما عنون شرحه لشعر المتنبي بالفسر.

     وقد ارتبط هذان اللفظان بلفظ ثالث هو التأويل، و هو في معناهما، فقد جاء في لسان العرب مادة أول، و أول الكلام: تأوله: دبره و قدره، وأوله و تأوله: فسره ... وسئل أبو العباس أحمد بن يحي عن التأويل فقال: التأويل و المعنى و التفسير واحد، قال أبو منصور: يقال أولت الشيء أؤوله إذا جمعته و أصلحته فكان التأويل: جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه.

       و التأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه و لا يصح إلا ببيان غير لفظه. (5)

       و على الرغم من أن دلالات هذه الألفاظ واحدة عند هؤلاء العلماء، إلا أنها خرجت من معناها المشترك حين دخلت مجال الدراسة العلمية، فاختصر التأويل والتفسير بالدراسة القرآنية، و الشرح بالشعر إلا فيما ندر، و أصبح لكل واحد منها اصطلاح خاص به، فالشرح هو " التعليق على مصنف درس من وجهة علوم مختلفة، ثم تأتي بعد ذلك الحاشية، و قد كتبت الشروح على معظم الرسائل المشهورة أو الأشعار العربية أو كتب الأدب الفارسية، مثال ذلك شرح المعلقات( شرح عربي)، وشرح المثنوي ( شعر فارسي ) و شرح الموطأ(فقه )، و شرح الألفية (نحو)، و شرح مقامات الحريري ( فقه لغة). (6)

      و الشرح أيضا: " توضيح المعنى البعيد بمعان قريبة معروفة " (7)

      و من هنا اكتسب الشرح معناه الخصوصي.

      و أما التفسير فهو شرح، لكن من نوع آخر، فهو شرح القرآن الكريم، فقد "استعملت كلمة خاصة لشروح القرآن هي التفسير ".(8)

      و هذا الاختصاص لم يأت اعتباطا، فلكل اصطلاح مجاله الذي يتقاطع فيه مع المجال الثاني، لكن لا يتحد معه، على الرغم من اتحادهما في الأصل اللغوي.

     فالتفسير" شرح لغوي أو مذهبي لنص ما و بوجه خاص للنصوص الدينية ". (9)

و على الرغم من أن هذا المصطلح اختص بالتفاسير الدينية، إلا أنه من حيث مدلوله يطلق أيضا على عملية الشرح الشعري .

     وقد عالج المعجم الوسيط هذه المواد كالآتي: فسر الشيء: وضحه و فسر آيات القرآن الكريم: شرحها ووضح ما تنطوي عليه من معان و أسرار و أحكام...

و التفسير: الشرح و البيان (10)، و شرح الكلام: أوضحه و فسره (11) و أول الكلام:

فسره، و أوله فسره و رده إلى الغاية المرجوة منه. (12)

      و لكن هل يوجد فرق بين هذه المصطلحات الثلاثة ( شرح – تفسير – تأويل )؟

يقول أبو طالب الثعلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، و التأويل تفسير باطن اللفظ. ثم يقول: التأويل إخبار عن حقيقة المراد، و التفسير إخبار عن دليل المراد  لأن اللفظ يكشف عن المراد و الكاشف دليلا، مثاله قوله تعالى: " إن ربك لبالمرصاد " (13) تفسيره أنه من الرصد و المرصاد مفعال منه. و تأويله التحذير من التهاون بأمر الله، و الغفلة عن الأهبة، ومن هنا كان الفرق بين التفسير والتأويل، فالتفسير يختص بدراسة وضع الألفاظ و التأويل يهتم بباطنها، و يصعب القيام بهاتين المهمتين لما تتطلبانه من ثقافة واسعة حتى يستطيع الإنسان إدراك جزء من الحقيقة (14)

وأما الشرح فإنه  يجمع بين بيان وضع اللفظ و بين تفسير باطن اللفظ، أي  التفسير  و التأويل.(15)

      نخرج من هذا كله إلى القول: إن الشرح لفظ عام، و هو مصطلح ذو شقين، التفسير و التأويل، وقد يتداخل الشقان أثناء عملية الشرح، وقد يضطر إلى التعامل مع التفسير على أنه مرادف للشرح أثناء البحث.

      أما الشرح الشعري فهو تلك العملية المعقدة التي تقوم على الغوص في معاني الشعر و تراكيبه، ومحاولة إخراجها للجمهور سهلة سائغة بألفاظ قريبة يدرك المتلقي مدلولاتها. إنه عمل شاق و متعب , خاصة عندما أصبح الشرح عملا مقصودا، يراد به صنعة مشروح لدواوين عباقرة شعرنا القديم، و كان على الشارح أن يكون في مستوى الشاعر أو أعلى منه، حتى يستطيع أن يقوم بعمله أحسن قيام، و كان على القائم بهذا العمل أن يقوم مقام المبدع ليحيط بمقاصد الشعر، و عليه أن يقوم مقام الجمهور ليقرب معاني هذا الشعر الغامضة إلى أذهان هذا الجمهور، و عليه أن يقوم بدور الوسيط في مجتمع أصبحت له لغتان: لغة الخطاب اليومي، و لغة الإبداع الفني، الأولى ضعيفة وغير سليمة، و الثانية قوية و سليمة. (16)، و لهذا يجب عليه أن يتزود بما يمكنه أن يقوم بهذه المهمة المسؤولة. – والتي ما نسميها بزاد الشارح للشعر- فيجب على من يتقدم إلى شرح الشعر أن تتوافر لديه عدة ملكات يتغلب بها على الصعاب، و هذه العدة ضرورية و أكيدة. ومن هذه الملكات ماهو فطري ومنها ماهو مكتسب من الحياة اليومية، و يبدو أنه من دون عناصرها لا يستطيع الشارح أن ينجز شرحا علميا، دقيقا، ومنها:

أ‌-         الذوق الفني المهذب و المدرب: ... : فما دور الذوق الفني في العمل الإبداعي؟، وإلى أي مدى يستطيع الأديب أو الدارس التخلص من سلطانه؟، ومتى يكون ضروريا؟، ومتى يكون غير ضروري؟، لقد حاول كل دارس أن يعطي مفهوما لهذه الموهبة التي تولد مع الإنسان،

فقد عرفها أحدهم على أنها: "فطرة وموهبة وطاقة كامنة تعين على الإحساس بمواطن الجمال في القول، وبواعث الحس فيه، والتمييز بين قول وقول، ومنزلة من منزلة. (17)

     فالذوق الفني هو تلك القدرة على اختيار النصوص ودراستها وتفسير ما فيها من معان غامضة، وتبيان التراكيب الجديدة التي استعملها الشاعر.

ولنا أن نتساءل: ما دور الذوق الفني في شرح عمل شعري؟ إن للذوق الفني دورا كبيرا في عملية الإيضاح والتفسير، وفي اختيار العمل الذي سيشرح، وفي اختيار ما يناسب كل معنى غامض من المعاني البسيطة المعروفة. ثم إن أسس الذوق الفني هي التي دفعت الشراح إلى الاهتمام بأعمال دون أخرى، وتفصيل موضوع إبداعي شعري على آخر، وبمراجعة سريعة للشروح الشعرية نجد أن عنايتها كانت مقصورة على دواوين معينة ومجموعات شعرية معروفة(المعلقات، حماسة أبي تمام، ديوان المتنبي)وهذا يدل على أنه كان لدى هؤلاء الشراح مقاييس وأذواق متشابهة أدت إلى الاهتمام المشترك وإلى التركيز على هذه الأعمال أكثر من غيرها. (18)

ب- المشاركة الوجدانية: ما الدور الذي أدته هذه المشاركة في الشرح الشعري؟ و قبل ذلك المشاركة الوجدانية هي تلك "القدرة على النفاذ إلى عقول الأدباء ومشاعرهم"، (19) وإلى أي حد كان يجب أن يتعامل المفسرون مع أعمال الشعراء تعاملا وجدانيا؟، لا نكاد نستثني أحدا منهم من هذا التعامل، إلا أن بعضهم دخل ميدان الشرح حبا في الشاعر وفنه، فراح يفسر معانيه انطلاقا من هذا الحب، وبعضهم الآخر ولج هذا

الميدان بنية الدفاع عن شاعر هضم حقه، وجاء هو ليرد عليه حقه، فأفسد ما أراد إصلاحه.

      ولعل الشارح مطالب بأن يشارك الشاعر عواطفه وأحزانه، وأن تكون له قدرة على الدخول إلى أعماق هذا الفنان لمعرفة مشاعره وأحاسيسه، حتى يستطيع التعرف إلى كل معنى يرد في شعره، ثم قد يساعده هذا التعامل على المرور بنفس تجربة هذا الفنان ليتوصل إلى دقائق الأمور، وربما إلى أشياء لم يكن الشاعر ليفصح عنها، أو لم تخطر حتى بباله، فابن جني على سبيل المثال استطاع أن يكشف المدح المبطن، أو المدح بمعنى الهجاء في قصائد المتنبي في مدح كافور، و يبدو أن الذي ساعـده على ذلك هو تعمقه في نفسية هذا الشاعر، ومعاشرته إلى درجة استنشاق الهواء نفسه، والشعور بالأحاسيس نفسها، وهذا ما توفر عند أغلب الشراح، وبذلك استطاعوا أن يصلوا إلى كثير من المعاني المستترة وراء التراكيب المعقدة والغامضة، وهذا ما جعلهم يجمعون على أن ما يدرسون هم أعظم العرب قرضا للشعر،  ثم يختلفون في الإبانة عن معانيهم، كل حسب طريقته،  وحسب مقدار غوصه في شخصية المبدع.(20)

ج- الثقافة الواسعة: فعلى الشارح أن يكون ذا معرفة بالشعر وضوابطه، والفرق بينه وبين النثر. وعليه أن يفرق بين الأساليب ومجال الصنعة في الشعر، والعناصر البلاغية فيه. ويجب " أن يكون خبيرا بالأدب عالما بفنونه، ضليعا فيه، واسع الاطلاع عليه، والمـخالطة له، دارسـا لآراء الأقدميـن حـوله، عـارفا بطـرقهم ومناهجهم و اتجاهاتهم " (21)

     يجب عليه أن يتوفر على معرفة بعلوم اللغة ( نحو، صرف، عروض) حتى يستطيع الولوج إلى معاني الشعر، وإلا فكيف له أن يفسر بيتا فيه تقديم وتأخير أو بيتا شعريا فيه ضرورة شعرية تغير شكل اللفظة التي كان يعرفها؟ وكيف له أن يخطىء الشاعر أو يراه صائبا إن هو لم يحتكم إلى قواعد هذه اللغة؟! لن يستطيع أي إنسان دراسة لغة يجهلها ويجهل قوانينها.

 

    و لقد توافرت هذه الملكة عند شراحنا، فرجال الجيل الأول كانوا علماء لغة ونقاد، وكان لهم إلمام واسع باللغة العربية. ولنكتف بذكر الأصمعي وابن جني، وجهودهما في علوم اللغة العربية كسبيل للمثال لا الحصر...

      وعليه أن يتعرف إلى الشروح السابقة لهذا العمل إذا كانت له شروح، حتى يعرف طريقة الشرح عند هؤلاء، ومدى تناسبها مع ما يريد الوصول إليه، وهل استطاعت أن تكشف عن كنوز هذا الشعر، أم قصرت؟، وفي هذه الحالة، كيف له أن يتجنب القصور الذي وقع فيه الآخرون، فيخرج تلك المعاني في أحلى ثوب يليق بها، وبمستوى صاحبها. وبذلك قد تكون تلك الشروح الناقصة من أقوى الأسباب إلى معاودة الشرح، لأن حق الشاعر قد هضم بسببها.

       وإنه لمن الضروري كذلك أن تكون لدى الشارح معرفة بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فقد ترد في الشعر إشارات إلى بعض الآيات و السور أو إلى كلام الرسول (ص) وهذا ضروري لإيضاح هذا الشعر، وخاصة تلك الأشعار التي رافقت الرسالة المحمدية، ثم إن معرفة الأساليب القرآنية قد تساهم في فك المعاني الغامضة.

فالقرآن الكريم قمة التعبير في اللغة العربية، و الوقوف عند تعابيره يعني الوقوف على جميع الأساليب العربية (22)

      هذا هو بعض زاد الشراح عموما، إذ كانوا أصحاب ثقافة واسعة، فلم يخوضوا في ميدان الشعر، بل تعدوه إلى ميادين أخرى، كاللغة، والنحو والأخبار، ويمكن أن نقول إنه كانت عند بعضهم ثقافة واسعة موسوعية، أهلته للقيام بهذا الدور دون الوسيط

بين المبدع و المتلقي. ولهذا نجدهم طبقات. وقد تطرق الأستاذ محمد تحريشي إلى هذه

الطبقات فنوردها بتصرف وإيجاز:

طبقات الشراح:

وقبل ذلك، نتساءل أولا من الشارح؟ إنه ذلك الدارس الذي يوضح معاني الشعر الغامضة بشرحها وتفسيرها وتأويلها، والتعليق على قضاياها، ويبدو أن أول من قام بهذا العمل في تاريخ حركة الشعر، الشاعر نفسه. إذ كثيرا ما كان يسأل عن الغامض عن شعره فيوضحه. ثم انبرى لهذه المهمة فريق من العلماء و الرواة توسم في نفسه المقدرة على القيام بمثل هذا العمل الشاق. فأقبل يبين ما يعترضه من معنى مبهم، أو تركيب لم يألفه من قبل، هذا الفريق هو الطبقة الأولى من العلماء التي كان لها الدور الكبير في الدراسات العربية القديمة على العموم، ثم تبع هذه الطبقة طبقات أخرى، وكانت الطبقة الأولى ممثلة في أبي عمرو بن العلاء الذي كان " يجمع طوال حياته أشعار العرب القدماء..... كما كان يدأب على شرحها و إجراء الملاحظات اللغوية عليها " (23) وكذلك كانت ممثلة في معاصريه  "حماد الراوية، و المفضل الضبي، وخلف الأحمر، الدين ألحقوا بما رووه أو دونوه من أشعار العرب، إشارات سريعة من تفسير لغريب، وشرح لمعنى وبسط لخبر أو نسب، ونقد لشاعر" (24). ثم كانت الطبقة الثانية من أمثال " الأصمعي وأبي عبيدة، وأبي زيد، و الأخفش الأوسط و أبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي " (25)، ولقد وجدت هذه الطبقة نفسها إزاء فيض من الأشعار، جمعه الجيل الأول من الرواة شيوخهم في العلم، ووجدوا بعض الشذرات من الشرح. فأضافوا إليها ما تقتضيه الضرورة من التفسير والشرح، و التقويم أحيانا. وقد وسعوا بعملهم هذا ميدان الشرح، فشمل ميادين أخرى لأنهم لم يكونوا كسابقيهم رواة شعر وأخبار فقط، بل إضافة إلى ذلك، كانوا علماء لغة و تفسير و تقويم للشعر، وهذا ما بدا لنا واضحا من خلال الرجوع إلى بعض الأمثلة من أعمالهم (26).

      "وبذهاب هذه الطبقة الثانية يبلغ تدوين الشعر ذروته، فيصبح لدى من خلف بعدهم ذخيرة ضخمة من الدواوين، و المجموعات الشعرية و الاختيارات، فيصرف هؤلاء التلاميذ جهودهم إلى دراسة ذلك التراث وفهمه، وتوضيحه، وبذلك تتجلي لمؤرخ الأدب ظاهرة جديدة في منتصف القرن الثالث، قوامها صناعة شروح أدبية منظمة، وافية تفسر الغريب و توضح المعاني، وتعرض الروايات وتقوم الشعر،  وقد مثل هذه الظاهرة كل من ابن السكيت و الطوسي و ابن حبيب و أبي حاتم السجستاني، و أبي عكرمة الضبي " (27). لم تكن شروح هذه الطبقة رواية أو مجلس، إنما كانت شروحا قائمة بذاتها منظمة و مرتبة حسب وجهة يرتضيها صاحب الشرح، ولم تكتف هذه الطبقة بشرح غريب الألفاظ، إنما كانت تقوم بعملية الشرح كاملة، لكن كان هناك تفاوت بين رجالها في هذا العمل، بل لنقل كان التفاوت عاما بين الشراح عامة، فقد كان لكل واحد منهم وجهته، وكانت هناك وجهات تتحكم في شرح الشعر، على الرغم من الرابط الذي كان يربط بينهم لشرح الشعر.

      و أما رجال الطبقة الرابعة من الشرح، فقد تفننوا في عملهم متلافين النقائص التي ظهرت عند السابقين حتى تكون الاستفادة منهم أكبر، فقد "ألقى أبناء هذه الطبقة كأحمد بن عبيد، و السكري، والأحول، وثعلب أنفسهم إزاء أشعار مدونة، تختلف رواياتها، ومصادرها، و التفسيرات التي ألحقت بها، فوجهوا اهتمامهم إلى صنعة شروح، تنسق هذه الاختلافات، وتضيف إليها ما يوحدها و يوجهها نحو خدمة الشعر، متعاونة، متآلفة." (28) لقد كان هدف هؤلاء إيضاح المعاني وتبيانها، فقد كانوا يقلبون الروايات، ويحققون فيها، فيقبلون الصحيح منها ويردون غيره.

      ولقد شهد القرن الرابع الهجري بروز الطبقة الخامسة من الشراح "كأبي محمد الأنباري، وأبي عبد الله اليزيدي، والأخفش الأصغر، وابن كيسان، ونفطوية، و أبي بكر بن الأنباري، و ابن دريد، وأبي جعفر النحاس، و أبي رياش، و أبي بكر الصولي،

وأبي العباس الطبيخي". (29) وكان لكل رجل من رجال هذه الطبقة اختصاص بحسب ميوله، وبحسب منهجه في الدراسة، " فالأنباري، وابن دريد، والأخفش يمثلون الاتجاه اللغوي، وابن كيسان يعنى بالنحو والمعاني، وابن الأنباري يجمع بين اللغة والنحو، والنحاس يخلص للجانب النحوي، وأبو رياش يسلك السبيل التاريخي، واليزيدي ونفطويه والطبيخي يلتزمون جانب المعاني، في حين أن الصولي يجمع بين المعاني والتاريخ " (30) و بدخول هذه الاختصاصات الشروح، أخذت توسع في مضمونها، وتكبر حجم الديوان المشروح، وقد تؤدي إلى أن ينزلق الشارح مع خبر تاريخي فيترك الشرح، ويعرض لهذا الخبر كاملا وبجميع تفاصيله، ولا يقدمه بالقدر الذي يستفيد منه في الشرح، فهو إذا أراد أن يشرح معلقة زهير الميمية، ذكر جميع تفاصيل حرب داحس والغبراء ثم الصلح الذي قام به اثنان من العرب، أحدهما هرم بن سنان، الذي يمدحه الشاعر في هذه القصيدة المطولة وكان يكفي أن يعرض هذا في صورة مختصرة، وبالقدر الذي يخدم شرحه، أو قد يتعرض هذا إلى مسألة خلافية في النحو، فيسرد أقوال العلماء فيها، ثم يناقشها، تاركا الشرح جانبا (31) لكن مع تقدم الزمن، وظهور رجالات أخرى تعتني بالشرح، أخذ بعض هذه الوجهات يخف، وبعض الآخر يطغى، فأصبح الاهتمام بجانب المعاني وتقويم الشعر أكبر من المجالات الأخرى، وهذا ما ميز رجال الطبقة السادسة التي "يمثلها أبو حامد الخارزنجي، وأبو علي القالي، وابن خالويه، والآمدي، و أبو علي الفارسي، و أبو محمد بن السيرافي، و أبو عبد الله النمري، و ابن جني، وأبو هلال العسكري". (32) وحتى هذه الطبقة مسها نوع من الاختصاص، أو لنقل غلب جانب على آخر عند أغلبهم، فاتجه كل نفر منهم وجهة يرضاها.

لقد مر الشرح بمراحل تطورية، وفي أثناء تطوره تخلص من بعض الأمور وتمسك ببعضها الآخر، فبعد أن كان يشرح الألفاظ الغريبة ويشير إلى التراكيب الجديدة التي انفرد بها الشاعر عن غيره من الشعراء، ويعرض لما يتعلق بالشعر من حوادث تاريخية وأخبار، صار ينحو تقويم ما يشرح وبذلك أصبح يقول كلمته، ولم يكن الأمر مقصودا في بدايته، إنما جره إلى ذلك تشابك الدراسات فيما بينها، وخاصة في المراحل التي أخذت مقياس الخطأ والصواب أساساً لها، والشارح حين كان يقوم بعمله، كانت تعرض له بعض الأمور، التي كانت تجبره على أن يقوم ما بين يديه، فقد يكون للبيت عدة روايات، وعليه أن يختار ما يراه أقرب إلى الصواب، أقرب إلى طريقة العرب في هذا الفن، وقد يطرح البيت نفسه إشكالاً لا يوافق ما عرفه عن لغته وقواعدها، فإما أن يخطئ الشاعر وإما أن يلتمس الأعذار والأساليب لتبرئته. هذا وغيره دفع الشارح إلى التقويم، إذ لم يعد عمله يكتفي بتفسير غامض، بل كان لا بد أن تدخل عناصر جديدة حتى تساعد على مزيد من الإفهام و الإيضاح، وتشارك في تربية الذوق الجمعي للجمهور (33)

     لقد اتضح مبدأ النقد والتقويم، وغلب على غيره من القضايا الأخرى التي كانت تعالج عند أصحاب الطبقة السابعة من أمثال " العروضي، وأبي المظفر الهروي، وأبي عبد الله الإسكافي  وأبي محمد الأعرابي، وأبي علي المرزوقي، وابن دوست، وثابت بن محمد الجرجاني، وأبي طاهر الرقي، وقد اتضحت ظاهرة النقد في شروح هذه الطبقة، حتى سارت في كثير منها، ولم ينج منها إلا القليل، ومن هذا القليل الذي نجت مصنفاته من طغيان النقد، كان أبو عبد الله الإسكافي اللغوي، فهو يهتم من الشرح باللغة والمعاني". (34) لقد كان لهذه الطبقة فضل توجيه الشرح الوجهة الصحيحة في نظر الدارسين له، وجهة تبين المعنى ثم تقومه حسب ما وضحت من خبايا هذا المعنى،

ولا يتم النقد دون الشرح، الذي هو في الأساس موقف من العمل الفني، فالشارح في كثير من الأحيان يدخل النص بفكرة قبلية، وبموقف من الشعر الـذي هـو بصدد إيضاحه، يتم النقد حتى يكون قد بين موقفه. ثم أصبح الشرح الشعري مادة سائغة ولا للنقد بين أيدي رجال الطبقة الثامنة من أمثال " أبي القاسم الإفليلي، وأبي العلاء المعري، وابن سيده، وأبي القاسم الفسوي، وأبي الحسن الواحدي، وأبي الفضل الميكالي، وعبد الله الشاماتي، والأعلم الشنتمري، وأبي عبد الله الزوزني". (35)

      إن الشيء الملفت النظر في هذه الطبقة، هو أن رجالها من مخضرمي القرون الهجرية الثلاثة (رابع، خامس، سادس) وبالرجوع إلى تاريخ وفياتهم، نجد أن الإفليلي والمعري عاشا في القرنين الهجريين الرابع والخامس، فالمعري عاش نصف حياته في القرن الرابع الهجري، ونصفها الآخر في القرن الهجري الخامس، في حين أن ابن سيده ولد سنة 392هـ ، وأما الباقي فقد عاش في القرنين الهجريين الخامس والسادس، ثم أن من رجال هذه الطبقة رجالاً من الأندلس، فالإفليلي، وابن سيده، والشنتمري والزوزني، شراح أندلسيون، وبهذا دخلت عناصر جديدة هذا الميدان الخصب لتساهم بما توفر لها في بناء هذا الصرح العربي، وخدمة اللغة العربية، بقي أن نشير إلى أن الشرح الشعري لم يتوقف بذهاب هذه الطبقة، بل استمر، فقد ظهر شراح آخرون، واصلوا المسيرة، وما زلنا حتى يومنا هذا تطالعنا بعض التفاسير المعاصرة تشرح شعرنا القديم، كشرح اليازجي لديوان المتنبي. (36)

    و ختاما و نتيجة لهذا التداخل، تتساقط على أذهاننا أسئلة، تحتاج إلى إجابات و هي:

         - كيف يمكن الفصل بين القراءة والشرح؟، و ما هي أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟، و هل الشرح في حد ذاته قراءة؟، و ما هي آليات هذه القراءة؟، وأين يمكن تصنيف الشروح في الدراسات الأدبية، خاصة الحداثية منها؟، أهي نقد أم قراءة أم......؟.

القراءة بعيارات العمود الشعري - أبو تمام نموذجا:

       العيارات هي مقاييس وشروط تقرأ بها بنية القصيدة. وهي بنود عمود الشعر عند العرب كما ذكرها المرزوقي ونظر لها في مقدمة شرح ديوان الحماسة وعدها بسبعة، وهذه العيارات التي يقاس بها عمود الشعر ويميز بها ما بين التليد من الطريف، وبين المصنوع من المطبوع. وبها يحاولون شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف، وسماها المرزوقي بالخصال:" فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المغلق المعظم، والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها، فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن" (37)

      وبهذا يكون معظم النقاد والقراء تبنوا هذه النظرية ووظفوها في أعمالهم، واشتغلوا عليها في قراءتهم ودراستهم، وتعد نبراسا يحتدى به في أية قراءة للشعر وتقييم الشاعر.

      وعليه فإن أبا تمام حبيب بن أوس الطائي أبى أن يرضخ لمعايير العمود وما فتئ يخرج عنها، واحدا بعد آخر إلى أن فتق لنفسه طريقا في القول ،تميزه، ويعرف بها وتعرف به.

       فكيف كان تعامل أبي تمام مع عيارات العمود الشعري في تجربته الإبداعية؟: هذا سؤال لا ندعي أن الإجابة عنه يسيرة، وإنما لابد من محاولة الإجابة عنه كمدخل ضروري لفهم أسس شعرية أبي تمام الشاذة، ولإدراك منطق التجاوز الذي عرف به هذا الأديب المتميز، فما هو موقفه من كل عيار من عيارات عمود الشعر التي ذكرها المرزوقي في مقدمته، وكيف حقق تجاوزها في شعريته؟:، ذالك ما سنورده- لأهميته 

   بتصرف- ما تطرق إليه محمد أديوان في كتابه "سؤال الحداثة في الشعرية العربية القديمة"  

1-     تجاوز عيار المعنى:

       إذا كان العمود الشعري يميل إلى الوضوح في المعاني وقرب الدلالة، فإن أبا تمام فضل التعقيد في المعاني، لا التعقيد الصناعي، الذي يطلبه الشاعر، ويرشح جبينه في استجلابه، وإنما تعقيد أبي تمام من التعقيد الذي يأتي عفو الخاطر وعلى السجية، لا يرى فيه أثر لعنت النفس أو رشح الجبين، إنه نمط من التعقيد يتأتى للشاعر، نظرا لما يعتمل بداخل ذهنه ونفسه من نوازع الفكر والحضارة مما ليس بسيطا أو هينا أثناء العبارة عنه (التعبير عنه) فيأتي على لسان الشاعر ممتزجا بحاله ولغته الجوانية في لحظة الإبداع، فيبدو لمن لم يدرك لحظات هذا المخاض المرير والصادق أنه تعقيد دلالي لا طائل تحته، في حين أنه من التلقائية والعفوية والطبع بحيث تكاد تنتفي عنه صبغة التعقيد، وأمثلة ذلك كثيرة في شعر أبي تمام منها قوله:

               ولهت فأظلم كل شيء دونها         وأنار منها كل شيء مظلم

فقد تألف البيت من ألفاظ لها معان بسيطة لا تحتاج إلى كبير تأويل إذا نظر إليها واحدة بعد أخرى، لكنها عندما نظمت في هذا السياق تركب منها معنى يبدو معقدا ينافي قاعدة الوضوح التي يحبذها عمود الشعر في المعنى، غير أن معنى أبي تمام على ما فيه من تعقيد ظاهر شديد الوضوح، فهو يصف حال الجازعة عليه، فقال بأنها اعتراها الوله فأظلم ما بينها وبينه بسبب ما ناله من الجزع لما أصابها من الوله ثم سرعان ما تبدد الظلام واتضح ما كان مستترا عنه وهو حبها إياه، وهذا معنى قد يعبر عنه بالوضوح وفق العمود الشعري غير أنه يمكن التعبير عنه بشيء من الإثارة والإيحاء مع بعض التعقيد، وهذا أسلوب أبي تمام في التعبير وهو شاذ بالقياس إلى قاعدة العمود طبعا،  ومن ذلك قوله:

            إن الحمامين من بيض ومن سمر     دلوا الحياتين من ماء ومن عشب

  فالشاعر قد جعل للحمام وهو الموت لونين هما الأبيض و الأسمر، والبياض هو لون السيوف و السمرة هي لون القنا، وعبر عن الحياة بلوازمها وهي الماء و العشب، والمعنى أن الضرب بالسيوف و إعمال القنا في رقاب الأعداء هو الكفيل بتحقيق الظفر للمسلمين. وهو ما يمكنهم من الحصول على الماء و العشب، وباقي ما سيظفرون به بعد النصر من ألوان الغنائم. و المعنى العام في البيت هو أن أسباب القتل و السيوف والقنا هي المحققة لأسباب الحياة و الماء و

العشب، فالمعنى على ما فيه من بعض التعقيد المنافي للوضوح في عمود الشعر، يحمل عناصر إيحاء ذكي يعطي للشعر قوة تأثيرية تمكن من تحقيق فعالية أكبر حين تلقيه، ومن ذلك قوله كذلك:

             رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه      بكفيك ما ماريت في أنه برد

      فمعنى البيت يقوم على أساس وصف قيمة نفسية من قيم المروءة العربية بما توصف به أثواب الحرير من ليونة ونعومة، ومناط التعقيد في هذا المعنى هو خروجه عن المألوف في وصف قيمة الحلم، فقد خرج أبو تمام عن الرسم المعهود، ونسب للحلم حواشي، وهذا محال في حقه وشبهه بالبرد، وقد اعترض أصحاب الذوق المحافظ على مثل هذا الكلام، فنسبوا صاحبه إلى الغموض، بيد أن تجاوز أبي تمام للمألوف في وصف الحلم ناشئ عن إحساسه الصادق بأن حلم ممدوحه يفوق صفة الحلم الخفي، فهو حلم مبالغ فيه ومن الخفاء بحيث يشبه الحرير الخفيف الناعم، وهذا إحساس شعر به أبو

تمام وحاول من خلال هذا التشبيه نقله إلى المتلقي. (38)

2- تجاوز عيار اللفظ:

       تصرف أبو تمام تصرفا كبيرا في ألفاظه، وتحرر في استعمالها تحررا ظاهرا، فخرج عن القياسات المعروفة أحيانا، واصطنع الغريب و الحوشي أحيانا و ابتدع في ألفاظه ما شاء من الأوزان و الأبنية، فصدم الذوق السائد، وعده أصحاب العمود شاذا لا يحترم قاعدة عيار اللفظ، فمن الغريب قول أبي تمام:

                أهيس أليس لجاء إلى همم         تغرق الأسد في أذيها الليسا

وأهيس: هاس يهيس، إذا وطئ وطأ شديدا وسار سيرا عجلا. والأليس الشجاع البطل وهو الذي يظل في ساحة الكريهة يقاوم ويحارب حتى يظفر أو يهلك. وهاتان كلمتان متوغلتان في الغرابة اللغوية بيد أنهما أكثر تعبيرا عن المدلول النفسي للشجاعة والصمود الموصوف بهما ممدوح أبي تمام، ولذا اختارهما عوضا عن غيرهما. و من ذلك قوله:

                 تامكه نهده مداخله         ملمومه محزئله أجده

التامك: السنام الطويل، النهد: الضخم المرتفع، الملموم أي المجموعة أجزاؤه، المحزئل: المنتصب. ومن ذلك قوله كذلك:

                 قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت       عشواء تالية غبسا دهاريسا

فاطلخم لفظ غريب مستكره غليظ يمجه الذوق، ومثله لفظ دهاريس، غير أنهما لفظان اختارهما أبو تمام لقدرتهما على تصوير ما يريد وتقريب دلالة نفسية وشعورية أحس بها وامتزجت بكيانه فصاغها في هذه اللغة المضطربة الخشنة. ومن خروجه عن القياسات العربية في الاشتقاق وتصريف اللغة قوله:

                  ثم كشحتني على غير جرم      فأنا و المباركي سواء                  

وكشحتني لفظة فارسية معناها جعلتني كالكشحان وهو من لا يدافع عن عرضه. (39)

       وقد جرى أبو تمام على طريقه تلك في استعمال الألفاظ العربية، ممتثلا لنزوعه الذاتي في البحث عما يشفي غليله وينقع غلته في التعبير الشعري، غير مبال بقواعد العمود الشعري أو ما اصطلح عليه أصحاب الذوق القديم، وعرف بطبعه الصادق أن تحرره في استعمال الألفاظ إنما هو من باب التوسع وتوظيف إمكانات اللغة العربية بغية الاستجابة لنوازع الإبداع الشعري لديه. وقد كان استعمال الألفاظ عند أبي تمام استعمالا وظيفيا لا يفهم اللفظ فيه إلا في ظل شرط نفسي وتعبيري وتواصلي في بيت الشاعر أو قصيدته. أما إذا فصلنا لفظ أبي تمام عن سياقه التواصلي العام، فإنه يبدو شذوذا تنفر منه الأذن ويمجه الذوق. وقد كان القدماء ينظرون إلى ألفاظ أبي تمام نظرة تلغي فعاليتها الوظيفية التأثيرية داخل السياق الشعري، مما فوت عليهم فرصة فهم حقيقي لدور اللفظ في شعرية التجاوز عند أبي تمام وأضرابه.

3-  تجاوز لعيار المقارنة في التشبيه

      آخذ النقد القديم أبا تمام على تشبيهاته التي يخرق فيها قاعدة وضوح العلاقة بين طرفي التشبيه، وقاعدة بروز الوجه الجامع بين المشبه و المشبه به. ومن الأبيات التي كانت مناط جدل في هذه المسألة قول أبي تمام في مدح أحمد بن المعتصم:

            إقدام عمرو في سماحة حاتم      في حلم أحنف في ذكاء إياس

فلم يعجب صاحب الذوق القديم هذا الكلام، لأن أبا تمام مدح الخليفة بمن هم أقل قدرا منه في الهرم الاجتماعي، فعمرو بن معدي كرب وحاتم الطائي و الأحنف و القاضي إياس، كلهم من عامة الناس أو خاصتهم، وهم أقل قدرا من الخليفة لكن مؤاخذي أبي تمام نسوا أن هؤلاء الناس يضرب بهم المثل في تلك الشيم و الخلال المذكورة، ولهذا السبب شبه بهم أبو تمام الخليفة، فكان تشبيهه أقوى لأنه جعل الخليفة يجمع في شخصه

الواحد ما تفرق لدى هذه الجماعة التي كانت مضرب الأمثال في تلك الصفات. وإذا فهمنا البعد الوظيفي في المكون التشبيهي عند أبي تمام بهذه الطريقة، زال أثر المؤاخذة وصار أصحاب الذوق القديم أخلق منه بالمؤاخذة لعدم استبصارهم بالمقاصد البعيدة في آلية التشبيه عند أبي تمام.

4- تجاوز عيار الاستعارة

       أكثر أبو تمام في الاستعارة في شعره، حتى اتهمه القدماء بفلسفي الكلام والغوص وراء المعاني، وظن بعض هؤلاء القدماء أن أبا تمام مغرم بإيراد الاستعارات البعيدة في شعره، وهو أمر لم يقع فيه الشعراء القدماء إلا في حالات قليلة، و أغرق فيه أبو تمام. وهذا ما يفهم من شهادة الآمدي في حق أبي تمام عندما قال عنه: "رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات متفرقة في أشعار القدماء... فاحتداها و أحب الإبداع و الإغراب بإيراد أمثالها. فاحتطب و استكثر منها." (40)

       فالآمدي يظن أن أبا تمام يختار من شعر القدماء استعاراته البعيدة فيكثر منها استحسانا لها. وهذا زعم فيه نظر لأن أبا تمام إنما يأتي باستعاراته من واقع حضارته وحياته، ولا يمكن فصل المكون الاستعاري لديه عن شغاف نفسه و أحواله الشعورية ومواقفه الانفعالية. فليست الاستعارة لديه كما ظنها الآمدي، وإنما هي آلية تؤسس الكون الشعري عند أبي تمام و تلائم مقتضيات اللحظة العقلية و الشعورية للإبداع. ومن الاستعارات التي عابها القدماء على أبي تمام قوله:

             لا تسقني ماء الملام فإنني        صب قد استعذبت ماء بكائي

فهو قد جعل للملام ماء، وهذا ما رفضه القدماء، على أنهم يقبلون ماء الشوق لأنه هو الدمع، ولا نرى المانع من تصور الماء للملام ما دام الشاعر قد استعمـل أحـد لوازم الماء و هو السقي. ولا عبرة بما قاله القدماء، ما دام أبو تمام أحس أن اللوم الذي تجرعه و لا يكاد يسيغه يشبه الماء، وقد يكون أبو تمام استعمل لفظ الماء للملام هنا لإقامة التناسب الصوتي بينه وبين لفظ "ماء بكائي" في الشطر الثاني، فاستعمل هذه الاستعارة الغريبة عن ذوق القدماء ليستجيب لمقتضيات سياقية و نفسية وجمالية عنـد أبي تمام، وهي مقتضيات خفية تؤطر تجربته الإبداعية أثناء النظم.

      ومن الاستعارات التي عابها القدماء عليه أيضا قوله:

           بيوم كطول الدهر في عرض مثله      ووجدي من هذا وهذاك أطول

فهو يصف الدهر بالعرض، ولم يعرف هذا عن القدماء، و إنما لجأ أبو تمام لهذا الوصف لكونه يصف اليوم بالطول الذي لا مثيل له، فرأى أن الدهر هو الأطول، فشبه طول يوم معاناته بطول الدهر، ولما كانت معاناته أقسى مما يتصور أبى إلا أن يجعل هذا اليوم أطول من طول الدهر وعرضه. والدليل على قصده ذاك، ما يصفه من  المعاناة وشدة الوجد اللذين لقيهما في ذلك اليوم، فهما أشد طولا ووطأة عليه من الدهر وعرضه ووطأته. إن اللجوء إلى هذه الاستعارة الغريبة، قصد أبو تمام من ورائه إلى إشعار المتلقي بمدى شدة معاناته في ذلك اليوم الذي لا نظير له في الطول. ومن هذه الاستعارات أيضا قوله:

              لا يأسفون إذا هم سمنت لهم          أحسابهم أن تهزل الأعمار

ومنها قوله:

               به أسلم المعروف بالشام بعدما       ثوى منذ أودى خالد وهو مرتد

 فهو قد استعار السمن للأحساب والهزال للأعمار، والإسلام للمعروف والارتداد له أيضا. وهذه كلها استعارات مجها الذوق القديم وقد نمجها نحن أيضا إذا لم نقرأها قراءة وظيفية تنظر إلى الآلية الاستعارية كآلية أسلوبية تتحكم فيها عوامل النفس والسياق التواصلي في الإبداع الشعري عند أبي تمام.

      ويتحدث أبو هلال العسكري عن أن أبا تمام لم يكن ينقح شعره، ولعل ذلك يكون سببا في كثرة تلك المآخذ عليه فيقول: "وقال بعضهم خير الشعر الحولي المنقح، وكان الحطيئة يعمل القصيدة في شهر، و ينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها، وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها، فيلقي أكثرها و يقتصر على العيون منها، فلهذا قصر أكثر قصائده، وكان البحتري يلقي من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا، وكان أبو تمام لا يفعل هذا، وكان يرضى بأول فاطر، فنعى عليه عيب كثير." (41)

   لكن بالمقابل يقول قصاب:"...ومضى البحتري يحاول أن يجاري أبا تمام في مذهبه، ولكنه لم يستطع، فلم يكن يسعفه تكوينه الثقافي كما قلنا على أن يبلغ مستوى حبيب أو يدانيه، كما أن أبا تمام قد عقد هذا المذهب تعقيدا شديدا، فصعب مداخله ومخارجه، واستولى على منافذه وطرقه حتى لم يستطع أحد من بعده أن يجاوز سفحه. "(42)

      ويبقى السؤال الهام التالي بلا جواب أكيد، وهو هل كانت المعاني التي أوردها أبو تمام في شعره جديدة كل الجدة؟، وأين يكمن التجديد في شعر أبي تمام؟.

     ولنا أن نتساءل هل أزمة الشعر العربي في عصر أبي تمام زعم أم واقع حقيقي؟

     الواقع أنها كانت محنة حقيقية فعلا يحس بها الشاعر ويحاول أن يتغلب عليها. يقول وليد قصاب ما يفهم منه أنه لم تكن هناك أزمة ولكنها أزمة صنفها النقاد أو افتعلوها فيقول: "وإضافة إلى ذلك كان أبو تمام شاعرا مرهفا حساسا، وأكثر ما يبدو ذلك في شعوره بأزمة الشعر الحديث، والمحنة التي وضعه النقاد فيها حيثما زعموا-  كما رأينا من قبل- أن القدماء قد استغرقوا المعاني وسبقوا إليها، وأن المحدثين عالة عليهم. ويخيل إلينا أن هذا الرأي كان يؤلم أبا تمام المرهف الرقيق الحس كثيرا، وكان يصدم كبرياءه وعبقريته، ولعله أحس بما في هذا الرأي من استهانة بالمحدثين، واحتقار لمواهبهم وملكاتهم، فكان أول شيء فعله أن ثار على هذه الفكرة الشائعة، فكرة ما ترك الأول للآخر شيئا، فنقضها وعكسها لتصبح عنده كم ترك الأول للآخر، فقال:

                 يقول من تقرع أسماعه         كم ترك الأول للآخر (43)

      وذكر ابن سنان الخفاجي أن الشعراء الذين يستعملون مثل هذه الألفاظ و منهم أبو تمام قد أرادوا الإغراب "حتى يتساوى في الجهل بكلامهم العامة و أكثر الخاصة" (44)

إن كل ما ذكرناه يمكن أن يقع فيه الاختلاف بين القدماء و بين المحدثين أيضا، وتبقى لكل دراسة منزعها واتجاهها. لكن شيئين اثنين عند أبي تمام لا يمكن لأحد أن ينازع فيهما أو يختلف حولهما: موهبته الخارقة وثقافته المتنوعة، ولذلك تتوالى الكتابة عنه في العصر الحاضر بمثل ما توالت في العصور السابقة.

     وقد قارن صاحب إعجاز القرآن بين الطائيين في تناولهما للبديع فقال وهو يتحدث عن أبي تمام: "فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة حتى يعميه عن وجه الصواب وربما أسرف في المطابق و المجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها حتى استثقل نظمه." (45)

       إن اهتمام الناس بشعر أبي تمام في عصره وبعده، وافتراقهم فيه إلى أنصار وخصوم يدل على أنه أحدث في الشعر ثورة، تحمس لها جماعة وردها آخرون، وهذه الثورة غايتها توجيه الشعر وجهة جديدة تستجيب لرغبات العصر الذي انتشرت فيه الثقافات العديدة حتى ارتفع المستوى الثقافي عند الناس ولاسيما الطبقة الحاكمة وكتابها وهي تتلخص في رفض المثل النسبية التي لمسناها في الشعر القديم وبها استبدلوا المثل

المطلقة في الجمال والمتعة والعظمة. (46)

       ولكن أبو الفرج يورد خبراً يعترف فيه أبو تمام أنه يعرف عيوب شعره ولكنه لا يستطيع أن ينفي المعيب عنها، فأبياته الشعرية كأبنائه، منهم النجيب وغير النجيب، وهو لا يستطيع أن يتخلص من غير النجيب منهم. (47)

 

  هوامش البحث

1- ابن منظور – لسان العرب – مادة شرح ج2 ص: 497, 498 دار صادر بيروت.

2- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص:22

3- سورة الفرقان- الآية: 33.

4- لسان العرب – مادة فسر ج5 ص: 55.

5- لسان العرب – مادة فسر مادة أول ج11 ص: 33.

6- يوسف خياط 1984 -معجم المصطلحات العلمية و الفنية ص: 501-351 دار لسان العرب –بيروت.

7- دائرة المعارف الإسلامية 188:13. إعداد و تحرير إبراهيم زكي خورشيد و آخرين مطبعة الشعب القاهرة

8 - دائرة المعارف الإسلامية 188:13. إعداد و تحرير إبراهيم زكي خورشيد و آخرين مطبعة الشعب القاهرة

9 - يوسف خياط 1984 -معجم المصطلحات العلمية و الفنية ص: 501-351 دار لسان العرب –بيروت.

10 و 11 و 12- المعجم الوسيط ج2 ص: 695 – ج1 ص: 480 – ج1 ص: 32 (على الترتيب)

13- سورة الفجر الآية: 14

14- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص:24

15- ابن مصباح وناس 1987- ملاحظات أولية حول الشروح الأدبية: 36 -في الحياة الثقافية عدد: 41 تونس. 

16- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 25 .

17- درويش محمد طاهر1979 – في النقد الأدبي عند العرب، 5 دار المعارف، مصر.

18-  تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص:66 ,67.

19- الشايب أحمد – أصول النقد الأدبي ص:149 .

20- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 66، 67.

21 - درويش – في النقد الأدبي عند العرب ص: 36.

22- تحريشي محمد- النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 69.

23-  بروكلمان كارل – تاريخ الأدب العربي  ج2 ص: 129 دار المعارف مصر.

24- قباوة – منهج التبريزي في شروحه ص: 45.

25-  نفسه ص: 47.

26- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 61.

27- قباوة- منهج التبريزي في شروحه ص: 98.

28- نفسه ص: 64.

29- قباوة- منهج التبريزي في شروحه ص: 69.

30- نفسه.

31- تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 62، 63.

32- قباوة- منهج التبريزي في شروحه ص: 81

33 -  تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 62، 63.

34-  قباوة – منهج التبريزي في شروحه: ص: 93، 94.

35-  قباوة – منهج التبريزي في شروحه: ص: 104.

36-  تحريشي محمد – النقد الأدبي في شروح الشعر العربي ص: 64، 65.

37- المرزوقي- شرح ديوان الحماسة ص: 8-11.

38- ينظر: محمد أديوان– سؤال الحداثة في الشعرية العربية القديمة ص: 62، 63.

39- ينظر: محمد أديوان– سؤال الحداثة في الشعرية العربية القديمة ص:64، 65.  

40- الآمدي– الموازنة ص: 272.

41- أبو هلال العسكري–الصناعتين، تح علي بن محمد البيجاوي وآخرون-دار الفكر العربي القاهرة ط2ص: 147.

42- وليد قصاب– قضية عمود الشعر ص:111.  

43- عبد الحميد القط– في النقد العربي القديم ص: 164.

44- ابن سنان الخفاجي- سر الفصاحة- دار الكتب العلمية بيروت 1982 ص:71         

45- الباقلاني- إعجاز القرآن ص: 96. المطبعة السلفية القاهرة 1349هـ.

46- موهوب مصطفاي– المثالية في الشعر العربي ص:591

47- أبو الفرج الأصفهاني- الأغاني ج16 ص: 583 ط  وزارة الثقافة والإرشاد المصرية.


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا