منتدى موقع التاريخ

 

منهج التوثيق وإثبات الحقائق

في دراسة التاريخ الإسلامي

د. محمد أمحزون


أ- دراسة الإسناد

الإسناد لغةً هو المعتمد، وسمي كذلك لأن المتن يشتد إليه ويعتمد عليه[1]. أما في الاصطلاح فهو سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر واحداً بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي[2].

ويعتبر الإسناد في المنهج الإسلامي العمود الفقري للخبر، فهو الوسيلة لنقد الأخبار، إذ بمعرفة النقلة يعرف قيمة الخبر. والإسناد المتصل الصحيح من خصائص الأمة الإسلامية، وميزته أنه يعطي طمأنينة وثقة بما يتم نقله عن هذا الطريق، إذ يمثل شهادة مجموعة من الرجال العدول الثقات الضابطين، مما يؤكد صحة الخبر المنقول وضبطه.

وميزة السند أيضاً أن الروايات المسندة أفضل بكثير من الروايات والأخبار غير المسندة، لأن فيها ما يدلُّ على أصلها، ويمكن التحكُّم في نقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند[3]. وهكذا يبقى الهدف من السند هو تصحيح النصوص والأخبار، ومحاربة الوضع والكذب فيها. ولأهمية الإسناد فإن استعماله لم يعد قاصراً على الحديث النبوي، وإنما شاع استعماله في علوم أخرى كالتفسير والتاريخ والأدب حتى صار يمثل الصفة الغالبة على منهج تدوين العلوم الإسلامية المختلفة.

وفي مجال التاريخ لما كان ذكره يساعد على التحقيق من صحة الرواية ونقد الأخبار، فلذلك حافظ عليه العلماء الأعلام الذين قاموا بالجمع والتدوين سواء في السيرة النبوية أم في الأخبار التاريخية: كما فعل أبان بن عثمان [4] عروة بن الزبير[5] والزُّهري وخليفة بن الخياط [6] ويعقوب بن سفيان الفسوي[7] وأبو زرعة الدمشقي [8] والطبري وغيرهم.

وقد بدأ الاهتمام بالإسناد والسؤال عنه في فترة مبكرة، وذلك في أعقاب الفتنة التي شهدها صدر الإسلام في عهد عثمان -رضي الله عنه- وترتّب عليها ظهور الفرق ذات الآراء السياسية المتعارضة والأهواء المذهبية المتعصّبة، ففشا الكذب وظهر الوضع، ولجأ أتباع هذه الفرق إلى الوضع في الحديث وفي الأخبار. وهذا ما جعل العلماء يؤكّدون على ضرورة التثبُّت في مصادر الرواية، ويسألون عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها، خصوصاً وأن القرآن الكريم والسنّة النبوية يأمران بالتبيّن والتثبّت في خبر الفاسق دون العدل الثقة حتى لا يُصاب أحد بجهالة أو ظلم أو قالَة سوء. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: 6]. وجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظنَّ، فإن الظن أكذب الحديث".[9] وقوله: "كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع"[10].

وفي شأن الإسناد قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فلينظر إلى أهل السنة فيأخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يأخذ حديثهم".

وهكذا فإن ابن سيرين جعل قيام الفتنة بداية التفتيش عن الإسناد لتوثيق الأحاديث والأخبار، وقبل ذلك لم يكن يتشدد في السؤال عن الأسانيد، بل كانت الرواية تقبل، وإن كانت مرسلة ثقة بالرواة.

ومما يدل على هذا قول ابن عباس رضي الله عنه: "إنا كنا نحدِّث عن رسول الله e إذ لم يكن يُكذَب عليه، فلما ركب الناس الصعبَ والذلول تركنا الحديث عنه"[11] فعبّر ابن عباس هنا عن الفتنة بقوله ركوب الناس الصعب والذلول، ولذا كان لا يقبل إلا ما يعرف.

وقال ابن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"[12]. وقال الحاكم متعقّباً: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لَدُرِسَ منارُ الإسلام ولتمكَّن أهل الإلحاد والبدع بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرَّتْ عن وجود الأسانيد كانت بتراء" [13].

وقد اتخذت جهود العلماء المسلمين لمقاومة الكذب في الخبر جانبين: جانباً نظرياً، وهو وضعهم للقواعد الدالّة على الكذب؛ وجانباً عملياً، وذلك ببيانهم الأشخاص المتهمين بالكذب وتعريف الناس بهم ليُحتاط منهم. ففي الجانب النظري بلغ المنهج النقدي عند العلماء المسلمين في وضع قواعد علم الرواية من الدقة والإحكام أرقى ما يمكن أن تصل إليه الطاقة البشرية والمقدرة الإنسانية. ويكفي لمعرفة دقة المنهج العلمي الذيث اتبعه العلماء المسلمون أصحاب هذا الفن الإطلاع على ما كتبوه في قواعد الجرح والتعديل، ومعنى ألفاظهما، ومراتب هذه الألفاظ من أعلى مراتب التعديل إلى أدنى مراتب الجرح، وشروط قبول الرواية، حيث اشترطوا في من تُقبَل روايته شرطين أساسيين وهما:

العدالة: ويعنون بها أن يكون الراوي: مسلماً، بالغاً، عاقلاً، صادقاً، بريئاً من أسباب الفسق، سليماً من خوارم المروءة.

الضبط: وهو إتقان ما يرويه الراوي، حافظاً لروايته إن روى من حفظه، ضابطاً لكتابه إن روي من الكتاب عالماً بمعنى ما يرويه، متيقِّظاً غير مُغفل.

فمن قواعد الرواية كراهة النقل من الضعفاء واختيار السماع من الأمناء، واشتراط الصدق، وأن السفه والكذب يوجبان إسقاط العدالة، وترك السماع ممن اختلط وتغيَّر، ومن غلب على حديثه وروايته الشواذ والمناكير والغرائب لايُحتَج بروايته، وترك الاحتجاج بمن كثر غلطه وكان الوهم غالباً على روايته، وردّ حديث أهل الغفلة ومن عُرِف بالتساهل في روايته، وكراهية الرواية عن أهل المجون والخلاعة.

أما الجانب العملي المتمثِّل في بيان الرواة والتعريف بهم، فقد ألَّف العلماء المتخصصون عدداً كبيراً من المؤلفات منها ما أُفرِد لذكر الثقات،ومنها ما أُفرِد لذكر الضعفاء، ومنها ما جمع بين الثقات والضعفاء، مع ذكر ألفاظ الجرح والتعديل المنطبقة على كل راوٍ. وفيما يأتي بعض الأمثلة على أصناف هذه الكتب.

-كتب الثقات:

1.       كتاب الثقات لأبي الحسن أحمد بن عبد الله العِجلي.

2.       كتاب الثقات لعمر بن أحمد بن شاهين.

-كتب الضعفاء:

1.       كتاب الضعفاء الصغير والضعفاء الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري.

2.       كتاب الضعفاء والمتروكين لأبي زرعة الرازي.

-الكتب الجامعة بين الثقات والضعفاء:

1.       الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي.

2.       تواريخ الإمام البخاري الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير.

ومما لا شك فيه أن المصنَّفات في قواعد الرواية وفي الرجال قدَّمت خدمة جليلة للسنّة المظهرة، ويمكن الاستفادة منها في حقل التاريخ الإسلامي إلى حد ما، إذ تكشف النقاب عن قواعد التحديث وأحوال الرواة، لتمييز القوي نم الضعيف والصادق من الكاذب، وبذلك يمكن للباحث أو المؤرخ أن يعرف لكل خبر قيمته، فيستبعد الأخبار الضعيفة والموضوعة ويُنَبِّه عليها ليتجنَّبها الناس، ويستخرج الروايات الصحيحة ويبيِّنها، خصوصاً وأن الهدف من الدراسات التاريخية هو إبراز الحقائق التي تُعتَبر هدفاً منشوداً يتوخَّاه كل باحث نزيه.

ب- دراسة المتن

المتن لغةً ما صلب وارتفع من الأرض، واصطلاحاً ما ينتهي إليه السند من الكلام بمعنى نصّ الخبر.

ويراد بدراسة المتن دراسة النص من جوانب متعددة، منها ما يهدف إلى التأكد من صحة النص بأن لا يخالف الأصول الشرعية والقواعد المقررة، أو يخالف طبيعة العصر المتحدَّث عنه وأعراف الناس وعاداتهم وقيمهم، أو يخالف طبائع الأشياء والمعلومات التاريخية المستفيضة، أو يشمل على أمر منكر أو مستحيل، إلى غير ذلك من الأمور. ومنها ما يهدف إلى فهم النص وفقهه، سواء فهم أحكامه ودلالتها أو فهم لغته وألفاظه.

وجدير بالذكر أن جهود العلماء المسلمين لم تكن منصبّة فقط على نقد السند، وإنما كانت منصبة أيضاً على المتن، لأن العلة كما تكون في السند قد تكون في المتن، على أنه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، وكذلك لا يلزم من صحة السند صحة المتن؛ فقد يكون السند ضعيفاً والمتن صحيحاً لوروده من طرق أخرى تشهد بصحته، كما أنه قد يصح السند ولا يصح المتن لشذوذ أو علة قادحة فيه.

ولذلك أصَّلوا في هذا الشأن منهجاً علمياً دقيقاً، فهم لا يحكمون بالضعف على كل أخبار راوٍ ضعيف، فقد يكون مصيباً أو صادقاً في رواية ما بعينها، وفي هذا ردٌّ للحق، إذ قد يصيب الضعيف، وقد يَهِمُ الصادق. ولهذا يستشهد علماء الحديث في بعض الأحيان بأحاديث في أسانيدها ضعفاء- لكنهم غير متهمين بالكذب والوضع- عند ثبوت متن الحديث أو أصل الخبر من غير تلك الطريق.

وهذا يعني أنهم نظروا إلى متن الحديث كما نظروا إلى سنده، إذ قبول ذلك المتن بذلك الإسناد على ما فيه من ضعف يدل دلالة واضحة على عمق نظرهم في نقد النصوص، وأن الإسناد الضعيف لا يمنعهم من قبول المتن الصحيح أو المعروف من طريق آخر.

وقد كان منهج الصحابة -رضوان الله عليهم- التثبّت في الرواية والتأكد من صحة النص مع أنهم لا يتهمون رواتها بالكذب.

فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- حين سئل عن الجَدَّة هل ترث؟ فأجابه المغيرة ابن شعبة -رضي الله عنه- أنها ترث السدس، فطلب منه أن يأتيه بشاهد، فشهد محمد بن مسلمة -رضي الله عنه-.

وكذلك اعتذر عمر بن الخطاب من أبي ابن كعب عندما حدثه بحديث، فطلب منه أن يأتيه ببينة على ما يقوله، فلما أتاه بذلك قال له: أما إني لم أتهمك، ولكني أحببت أن أتثبت.

وفيما استدركته عائشة -رضي الله عنها- على الصحابة أنها سمعت حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله e قال: “إن الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه.” فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله e أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد، ولكن قال: “إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه”؛ وقالت: حسبكم القرآن: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وفي رواية مسلم أنها قالت: إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ.

وبالنظر إلى نقد المنون عند الصحابة والفقهاء والمحدثين يلاحظ في هذا الباب تأصيلهم لبعض المقاييس لنقد النص كعرضهم المتن على القرآن، فإذا خالفه مخالفة لا يمكن معها الجمع حكموا بردّه إذا تعذر تأويله أو توجيهه، ثم عرض السنة بعضها على بعض، حيث كان المحدثون يعرضون الروايات الواردة في موضوع واحد بعضها على بعض. ويظهر لهم من هذه المقابلة عدة نتائج تلعب دوراً في تصحيح النص مما يمكن أن يعلق به من زيادات أو إدراجات الرواة وأوهامهم. كما كان من مقاييسهم ردّ المتن إذا تعارض مع الأصول الشرعية المقررة، وما عرف من أحكام الدين، وكذا استعمال النظر العقلي والمعلومات التاريخية الثابتة في نقد بعض المتون.

ومثال ذلك ما حدث في عام 447 هـ أن أظهر بعض اليهود كتاباً، وزعموا أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة -رضي الله عنه- فلما رفع الكتاب إلى وزير الخليفة القائم العباسي أحاله على المؤرخ الحافظ الحجة أبي بكر الخطيب البغدادي، فتأمله ثم قال: هذا مزوّر. فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح (سنة 8 هـ)، وفتح خيبر كان سنة (7 هـ)، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات يوم بني قريظة (سنة 5 هـ) قبل فتح خيبر بسنتين.

وهكذا تمكن الخطيب البغدادي بفضل استعانته بالمعلومات التاريخية الثابتة من اكتشاف تزوير نص هذه الوثيقة، واعتمد الوزير ما قاله المؤرخ، ولم يجز اليهود على ما في كتابهم. وينطبق على هذا الحادث وأشباهه ما سبق أن قاله سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ.

ومما يلاحظ أن القواعد التي وضعها العلماء المسلمون للتوصل إلى معرفة النص الصحيح - وإن كانت في الأصل خاصة بالحديث النبوي- صالحة للتطبيق في مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة التاريخ الإسلامي، لأن المؤرخين الأوائل نسجوا على منوال المحدثين في طريقة العرض وسرد الروايات بالأسانيد، كما أن التاريخ عبارة عن أخبار ووثائق ونصوص لا طريق للتثبت من صحتها إلا بتطبيق هذه القواعد المنهجية.

وقد أدرك عدد من المؤرخين المعاصرين إيجابيات هذا المنهج ودقة قواعده النقدية، فدعوا في مؤلفاتهم إلى الإقتداء به، واقتبسوا فصولاً من مؤلفات علماء المصطلح مثل الخطيب البغدادي وابن عبد البر باسم المصطلح الذي يستعمله علماء الحديث.

ج- شروط الرواية المقبولة

من العسير تطبيق منهج النقد عند المحدثين بكل خطواته على جميع الأخبار التاريخية، وإن اشترط العلماء في المؤرخ ما اشترطوه في راوي الحديث من أربعة أمور: العقل والضبط والإسلام والعدالة، لأن الأخبار التاريخية لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها واتصال أسانيدها إلى درجة الأحاديث النبوية إلا فيما يتعلق ببعض المرويات في السيرة والخلافة الراشدة مما تأكدت صحته عن طريق مصنفات السنة. أما أكثرها فمحمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيها المجاهيل والضعفاء والمتروكون.

ولهذا فرق العلماء بين ما يتشدد فيه من الأخبار وبين ما يتساهل فيه تبعاً لطبيعة ما يُروى، على أن تطبيق قواعد نقد الحديث في التاريخ أمر نسبي تحدده طبيعة الروايات.

فإذا كان المروي متعلقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بأحد من الصحابة رضي الله عنهم، فإنه يجب التدقيق في رواته والاعتناء بنقدهم.

ويلحق بهذا ما إذا كان الأمر يتعلق بقضية في العقيدة أو موضوع شرعي كتحليل وتحريم، فإنه لا بد من التثبت من رواته ومعرفة نقلته، ولا يؤخذ في هذا الباب إلا من الثقات الضابطين. يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في هذا الشأن : كما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التاريخية ينبغي أن يشتد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويشتط عندها الرواة، كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد كالفتن التي حدثت في جيل الصحابة، أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية، فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد الحديث بدقة أمراً مقبولاً. اهـ

أما إذا كان الخبر المروي لا يتعلق بشيء من الأحكام الشرعية - وإن كان الواجب التثبت في الكل- فإنه يتساهل فيه قياساً على ما اصطلح عليه علماء الحديث في باب التشدد في أحاديث الأحكام والتساهل في فضائل الأعمال.

روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً أو يرفعه تساهلنا في الأسانيد. اهـ

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا التساهل لا يعني الرواية عن المعروفين بالكذب وساقطي العدالة، لأن ساقط العدالة لا يحمل عنه أصلاً، وإنما قصد العلماء بالتساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط أو التغير والاختلاط ونحو ذلك، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة. ووفق هذه القاعدة جوّز بعض الفقهاء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب.

وبناءً على ذلك إذا كانت الرواية التاريخية لا تتعلق بإثبات أمر شرعي أو نفيه سواء كان لذلك صلة بالأشخاص - كالصحابة رضوان الله عليهم- أو الأحكام -الحلال والحرام- فإن الأمر عندئذ يختلف، فيقبل في هذا الباب من الروايات الضعيفة ما لا يقبل في سابقه، فيستشهد بها، لأنها قد تشترك مع الروايات الصحيحة في أصل الحادثة، وربما يستدل بها على بعض التفصيلات ويُحاول الجمع بينها وبين الروايات الأخرى التي هي أوثق سنداً.

يقول الكافيجي في هذا الصدد: يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولاً ضعيفاً في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه، ولكن لا يجوز له ذلك في ذات البارئ عز وجل وفي صفاته ولا في الأحكام، وهكذا جواز رواية الحديث الضعيف على ما ذكر من التفصيل المذكور. اهـ

ويقول أكرم ضياء العمري أيضاً: أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التاريخية التي دوَّنها أسلافنا المؤرخون لم تُعامَل معاملة الأحاديث بل تمّ التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع… لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدِّثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا. ولكن الإفادة ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة. اهـ

وهذا التفريق بين ما يتشدد فيه من الأخبار ويتساهل فيه نلحظه بوضوح في تصرف الحافظ ابن حجر العسقلاني في جمعه بين الروايات في كتابه "الفتح".

ففي الوقت الذي يقرر فيه رفض رواية محمد بن إسحاق إذا عنعن ولم يصرح بالتحديث، ورفض رواية الواقدي، لأنه متروك عند علماء الجرح والتعديل فضلاً عن غيرهما من الإخباريين الذين ليس لهم رواية في كتب السنة من أمثال عوانة والمدائني فإنه يستشهد برواياتهم، ويستدل بها على بعض التفصيلات، ويحاول الجمع بينها وبين الروايات الأخرى التي هي أوثق إسناداً.

وهذا يدل على قبوله لأخبارهم فيما تخصصوا فيه من العناية بالسير والأخبار، وهو منهج معتبر عند العلماء المحققين وإن لم يقبلوا رواياتهم في الأحكام الشرعية. فنجد ابن حجر يقول في محمد بن إسحاق: "إمام في المغازي صدوق يدلِّس"؛ ويقول في الواقدي: "متروك مع سعة علمه"؛ ويقول في سيف بن عمر: "ضعيف في الحديث. عمدة في التاريخ".

وفيما يلي بعض النماذج من تصرف ابن حجر واعتباره لروايات الإخباريين:

في (كتاب المغازي، باب غزوة العشيرة):

ذكر عدد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وعدد بعوثه وسراياه، وعدد الغزوات التي وقع فيها القتال، فاستشهد بأقوال أهل السير مثل ابن إسحاق والواقدي وابن سعد، وذكر خلافهم وجمع بين أقوالهم وأقوال من هم أوثق منهم من رواة الصحيح.

في (كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل):

جعل رواية ابن إسحاق جامعة بين الروايات رغم مخالفتها لما في الصحيح، وذلك في قصة مقتل أبي جهل يوم بدر في قوله: "فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أنه رأى معاذاً ومعوذاً- رضي الله عنهما- شدَّا عليه حتى طرحاه- يعني أبا جهل".

في (كتاب المغازي، باب حديث بني النضير):

في قصة بني النضير ومتى كان حصارهم، ذكر ابن إسحاق أنها كانت بعد أُحُد، وبعد استشهاد القرّاء في بئر معونة. والذي في البخاري عن عروة أنها كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، أي قبل أُحُد. وقد مال ابن حجر إلى ترجيح رواية ابن إسحاق رغم إيراده سبباً للغزوة غير الذي ذكره ابن إسحاق وصححه بقوله: "فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبُه e أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق أهل المغازي".

من كتاب (تحقيق مواقف الصحابة في الفتن من روايات الطبري والمحدثين) للدكتور محمد أمحزون.


[1] محمود الطحان: (أصول التخريج ودراسة الأسانيد) ص157

[2] فاروق حمادة: (المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل) ص 231

[3] أكرم ضياء العمري: (دراسات تاريخية) ص26

[4] ابن عفان الفقيه الأمير، توفي سنة 105هـ، كان من رواة الحديث وفقهاء المدينة.[5] ابن العوام، كان أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان محدِّثاً عالماً بالسيرة والمغازي. توفي عام 93هـ.

[6] كان من الثقات ومن متيقظي رواة الحديث. وكان حافظاً عارفاً بالتواريخ وأيام الناس. توفي عام 240هـ.

[7] الإمام الحافظ الحجة. له كتب في التاريخ؛ توفي عام 277هـ.

[8] هو عبد الرحمن بن عمرو النصري، من العارفين بالحديث ورجاله وعلله. توفي عام 280هـ.

[9] متفق عليه.

[10] رواه مسلم وغيره.

[11]  رواه مسلم في الصحيح.

[12] المصدر نفسه.

[13] الحاكم، كتاب (معرفة علوم الحديث) ص6

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا