جان بردي الغزالي المملوكي والدولة
العثمانية
رؤية
تاريخية جديدة
د. أسامة محمد أبو نحل
الأستاذ المساعد في التاريخ الحديث
ورئيس
قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة
الأزهر – غزة
1423هـ/2002م
ملخص
تتناول
هذه الدراسة شخصية مملوكية مهمة نسجت حولها العديد من الروايات التاريخية
التي تلصق بها تهمة الخيانة والتواطؤ لحساب الدولة العثمانية وقد أسميت
هذه الدراسة: "جان بردي الغزالي المملوكي والدولة العثمانية: رؤية
تاريخية جديدة".
وأهمية
هذه الدراسة تنبع من قصور بعض الباحثين في إظهار الحقيقة، وتسليمهم
المطلق بما أورده المؤرخون القدامى دون تتبع لأهواءهم الشخصية، وإلقاء
تلك التهمة الصعبة على شخص الأمير جان بردي الغزالي يدخل ضمن نطاق هذا
القصور، فالباحثون نقلوا عن هؤلاء المؤرخين دون التحقق من أصل الروايات
التي يتناقلونها، حتى غدت حقيقة واقعة مسلم بها ودون إدراك أن أصلها
واحد.
وقد
حاولت بهذا العمل أن أكون موضوعياً لكشف اللثام عن شخصية جان بردي
الغزالي، متقصّياً الدوافع التي دعت المؤرخين لإلصاق تهمة الخيانة
والتواطؤ به، لذلك فهذه الدراسة تعتبر رؤية تاريخية جديدة لقضية اعتاد
الباحثون على جعلها أمراً مسلماً به غير قابلة للتغيير والدراسة.
المقدمة
دأبت
المصادر والمراجع التاريخية على إلصاق تهمة "الخيانة" بالأمير المملوكي
جان بردي الغزالي وغيره من أفراد المماليك، وأول من رمى الغزالي بتلك
التهمة محمد ابن إياس وأحمد بن زنبل في محاولة منهما لإلقاء تبعة هزيمة
المماليك في موقعة مرج دابق عام 922هـ/1516م، إلى عنصر الخيانة الذي كان
موجوداً بالفعل داخل البيت المملوكي، وصبّا جام غضبهما على الغزالي وخاير
بك على أساس أنهما كانا أكثر المتواطئين لحساب العثمانيين، علماً بأن
العوامل والأسباب التي أدت إلى هذه الهزيمة عديدة ولا تقتصر على الخيانة.
وما فتأ
بقيمة المؤرخين اللاحقين لابن إياس وابن زنبل حتى أخذوا في نقل تلك
الروايات بعضهم عن بعض أو من الغير دون التحقق من صحة أصل الروايات التي
يتناقلونها، حتى غدت حقيقة واقعة مسلماً بها دون إدراك أن أصلها واحد.
وأهمية
هذه الدراسة تنبع من قصور بعض الباحثين في إظهار الحقيقة، وتسليمهم بما
أورده المؤرخون القدامى دون تتبع لأهواءهم الشخصية، وإلقاء تهمة الخيانة
والتواطؤ على شخص الأمير جان بردي الغزالي يدخل ضمن نطاق هذا القصور الذي
ذهبنا إليه، فالباحثون تجاهلوا في كتابات ابن إياس وابن زنبل تعاطفهما مع
السلطات المملوكية التي حكمت في مصر والشام.
وهذه
الدراسة مجرد محاولة متواضعة لكشف اللثام عن شخصية الغزالي لإعطائه ما له
وما عليه، كما أنها رؤية جديدة لأحداث تلك الفترة المهمة في تاريخ العالم
الإسلامي الحديث.
وفيما
يخص منهج البحث في هذه الدراسة، فقد جمع أساساً بين المنهجين الوصفي
والتحليلي، مع عدم إهمال سرد الأحداث الذي يساعد عملية التحليل التاريخي.
أما
مراجع البحث، فهي عديدة وكان جلّ الاعتماد على مؤلف ابن إياس المسمى
بدائع الزهور في وقائع الدهور ومخطوط ابن زنبل المسمى تاريخ مصر، إضافة
إلى عدد من المراجع الثانوية أهمها كتاب الفتح العثماني للشام ومصر لأحمد
فؤاد متولي، حيث أفادت تلك المراجع البحث في كثير من جزئيا ته.
الأوضاع السياسية في عصر جان بردي الغزالي (توطئة لتحليل حالة):
قبل أن نُحمّل جان بردي الغزالي أو نحمِل عليه فيما يتعلق
بهزيمة المماليك في موقعة مرج دابق، ينبغي أن نتعرّف على الظروف السياسية
والعسكرية المحيطة والتي شكّلت عناصر النصر والهزيمة، عناصر النصر
العثماني وعناصر الهزيمة المملوكية، لأن ذلك يساهم إلى حدٍ كبير في كشف
الحقيقة التاريخية ويُلقي الضوء على ما يرمي إليه هذا البحث من تجلية
موقف الغزالي، وبيان حقيقة دوره التاريخي.
وكانت السلطنة المملوكية قد أصابها في أواخر أيامها ما أصاب
غيرها من الدول السابقة لها، فتخلى الأمراء والمماليك عن روح الشجاعة
والوفاء والطاعة التي تحلى بها أسلافهم، وغدت روح التمرد والعصيان تغلب
عليهم، كما أخذ الكثير من كبار الأمراء بالتطلع للفوز بمنصب السلطنة،
فاتصل بعضهم بخصوم السلطان وأعدائه أحياناً، مما سبب لدولتهم تصدعاً
شديداً(1).
وثمة عوامل عدة أدت إلى تصدّع الدولة المملوكية وتقويضها،
ليس بالإمكان إيرادها هنا، لكن سنكتفي بإبراز أهمها، ومنها فرار فلاحي
قرى مصرية بكاملها من الأرياف إلى المدن الرئيسة مخلّفين وراءهم المحاصيل
التي لم يجمعوها، وإقفال الخياطين في القاهرة ورشهم، ونفس الشيء قام به
صانعو الأسلحة، كما تعالت في الشوارع التهديدات والشتائم الموجهة ضد شخص
السلطان المملوكي(2)،
بينما كان الوضع في الشام أشد سوءاً لبعد الإدارة المركزية عنها، حيث كره
الأهلون المماليك وعمد الفلاحون للقيام بأعمال معادية للسلطنة المملوكية
بصورة مباشرة، وخرجت قرى عدة ومناطق بأسرها عن الطاعة، ما دعا أمراء
المماليك فيها إلى الكتابة للسلطان قانصوه الغوري وإبلاغه بخطورة الموقف
في الشام قائلين: "أيها السلطان، أرض حلب أفلتت من أيدينا وانتقلت إلى
أيدي ابن عثمان (السلطان سليم الأول) فاسمه يذكر هناك في خطبة
الجمعة وينُقش على النقود"(3).
لم تنتشر المشاعر المعادية للحكومة المملوكية بين أوساط
السكان فحسب، بل انتقلت إلى صفوف الجيش، فانخفضت درجة الانضباط به بصورة
لم يسبق لها مثيل، وارتفعت أصوات الجند تطالب السلطان بالمال والمكافآت،
وبدأوا بالتمرد وعاثوا في الشوارع العامة فساداً، وصرخوا في وجه السلطان
قبل معركة مرج دابق بأشهر قليلة:"ليش ما تمشي (لماذا لا تسير)
على طريقة الملوك السالفة تقلّ(تقلل) من هذا الظلم؟"(4).
وازداد التفسخ واستشرت المشاكل الداخلية وتفاقمت في أوساط
المماليك، ويؤكد البعض ذلك التفسخ بأن البطل عند المماليك أصبح من يستطيع
تدبير مؤامرة ناجحة لا الذي يكسب معركة حامية، ومما عمق هذا النهج في
نفوسهم، عدم اشتباكهم في حرب خارجية لعدة سنوات طويلة، باستثناء تلك
الحرب القصيرة التي وقعت بين المماليك والعثمانيين في أواخر القرن الخامس
عشر(5)
. وبذلك تحولت هذه الكتل المملوكية المترابطة إلى التنافس المميت فيما
بينها، ولجأ السلطان لدعم سلطته إلى الاعتماد أكثر فأكثر على مشترواته أو
ما يطلق عليها الجلبان(6)، وإلى ضرب الكتل الأخرى ببعضها
لإضعافها، وزاد في العداء بين طوائف المماليك تكتّل كل طائفة على نفسها
بفعل رابطة الخشداشية، أو ما يُعرف بولاء المملوك لزميله المباشر، الذي
شُري ودرس وأعُتق معه(7)
والأهم من كل ذلك، أن السلطنة المملوكية باتت تواجه دولاً
متطورة من طراز جديد تقوم إما على أساس الفكر المذهبي مثل الدولة الصفوية
الشيعية في بلاد فارس، أو على أساس الجهاد الديني مثل الدولة العثمانية
في الأناضول والبلقان، أو على أساس اقتصادي مثل البرتغاليين(8).
ذلك في الوقت الذي أخذت فيه السلطنة المملوكية بالانحطاط -كما أسلفنا
الذكر. كما أن العثمانيين نجحوا في تقويض طاقة تلك السلطنة العسكرية، بعد
ما وضعوا العراقيل على طريق شراء المماليك الفتيان من أسواق البحر الأسود
لنقلهم إلى مصر(9).
في الوقت الذي كان فيه المماليك يطوون آخر صفحات دولتهم،
كانت الفتوحات العثمانية تتوسع في أوروبا من إقليم إلى آخر، من البلقان
إلى أوروبا الوسطى إلى شمال نهر الدانوب، غير أن أبصار العثمانيين اتجهت
فيما بعد نحو البلاد الإسلامية المتاخمة لحدودهم في آسيا الصغرى، وراحوا
يمنّون أنفسهم بالسيادة على العالم الإسلامي، بعدما انتشرت بينهم أواخر
القرن الخامس عشر حماسة دينية، توجهت أولاً لقتال الصفويين الشيعة في
فارس، واشتد العداء في ذلك الوقت بين الشاه إسماعيل الصفوي(10)
و الدولة العثمانية، بعد وفاة السلطان العثماني محمد الثاني، حيث انتهز
الشاه النزاع الذي نشب حول السلطة بين أبناء البيت العثماني، وحرّض
الشيعة بآسيا الصغرى على الثورة والتمرد على العثمانيين السنيين، كما
أغرى أمراء الأطراف المجاورين لدولته بالخروج على السلطنة العثمانية(11).
وعندما اعتلى السلطان سليم الأول عرش الدولة العثمانية عام
1512م، تدهورت علاقته بالشاه إسماعيل الذي احتضن أبناء البيت العثماني
المناوئين لسليم، فبدأ الأخير عهده بإخماد ثورة الشيعة في آسيا الصغرى
واضطهادهم فهجم الشاه على آسيا الصغرى دفاعاً عن الشيعة، وأصبح العداء
سافراً بين الطرفين، مما أدى إلى مهاجمة سليم لممتلكات الشاه سنة
920هـ/1514 م، والاستيلاء على ديار بكر وكُردستان، والتوغل شرقاً في
فارس، وملاقاة الجيش الصفوي أخيراً عند تشالديران بالقرب من تبريز، ودارت
رحى معركة انتهت بهزيمة الشاه إسماعيل في 23 آب (أغسطس)1514م، ودخول سليم
تبريز وإقامة صلاة الجمعة والخطبة له فيها(12).
ويبدو أن السلطان سليم كان قبل حربه مع الصفويين قد طلب
المساعدة في قتالهم من السلطان قانصوه الغوري، ومع أنه كان بإمكان
السلطنة المملوكية تقديم يد العون للعثمانيين، وكان بإمكان السلطان
الغوري بصفته زعيماً للمسلمين السنّة، شنّ حملة ضد الحكام الصفويين، غير
أنه فضّل اتخاذ موقف المراقب من بعيد للأمور، وترك العثمانيين السنيّين
وحيدين في مواجهة الصفويين(13).
يتضح مما
سبق الإشارة إليه، أن المماليك أرادوا بموقفهم الحيادي هذا استفزاز
العثمانيين لإثارة الصدام بينهم وبين الصفويين، لكي يتحطم أحد العدوين
بيد الآخر، ويسهل لهم فيما بعد التدخل والقيام بدور المنقذين للسُنّة،
وربما وراثة ممتلكات الدولة العثمانية نفسها.
مهما
يكن من أمر، فقد أدى التوسع العثماني في أجزاء من بلاد فارس إلى امتداد
أملاك الدولة العثمانية إلى منطقة الأطراف التابعة للسلطنة المملوكية وهي
المنطقة الممتدة من جبال طوروس في الشمال الغربي من الشام إلى مدينة
ملطّية بآسيا الصغرى والخاضعة لحكم الأمير علاء الدولة دلغاضر المشمول
بحماية المماليك والذي وقف من الجيش العثماني المتوجه لحرب الصفويين موقف
الحياد المسلح، فاتهمه سليم بالعداء واستولى على بلاده سنة 1515م(14).
وبذلك أضحى العثمانيون على مقربة من الأراضي المملوكية في الشام.
أحسّ السلطان الغوري بالخطر المحدق بدولته بعد الاعتداءات
العثمانية واستخفاف العثمانيين بحماية المماليك على إمارة دلغاضر
(ألبستان) وضمها إلى أملاكهم دون مجاملة، كما بدأ سليم يسيء الظن
بالمماليك بعدما رفضوا مساندته في حربه ضد الصفويين(15).
وفي أوائل عام 1516م /922هـ، وصلت الأخبار إلى القاهرة
باستعدادات العثمانيين في أستا نبول للحرب، وأدرك الغوري أن دولته هي
المقصودة بهذه الاستعدادات، فأعدّ جيشه وخرج به إلى حلب بالشام في 15 بيع
الآخر 922هـ / تموز (يوليه) 1516م، وأردف هذا العمل بإرسال رسولٍ إلى
سليم يؤكد رغبته بالصلح وعدم الحرب، لكن سليماً رفض الحديث في أمر الصلح
وقال للرسول: "قل لأُستاذك يلاقيني على مرج دابق"(16)
داخل الأراضي الشامية الخاضعة لسلطنة المماليك.
ويبدو أن سليماً قد عقد العزم على تسوية حساب قديم مع
المماليك الذين هزموا من قبل جيوش العثمانيين داخل الأراضي العثمانية
أواخر القرن الخامس عشر- كما أسلفنا القول.
جان
بردي الغزالي ومصلحته الشخصية:
شاءت
الظروف أن ترتبط الصفحة الأخيرة في تاريخ السلطنة المملوكية بعددٍ من
الأمراء مثل خاير بك(17) وجان بردي الغزالي اللذين اتهمتهما
المصادر والمراجع بالخيانة والتواطؤ لحساب العثمانيين عند دخولهم بلاد
الشام ومصر بين عامي 16-1517م / 22 – 923هـ.
وتشمل هذه الدراسة تتبعاً لحياة جان بردي الغزالي في محاولة
جادة لإلقاء الضوء عليها من خلال المصادر والمراجع التاريخية التي تناولت
شخصيته سواء من قريب أو من بعيد، لكشف اللثام عن حقيقة هذا الاتهام
الخطير وجذوره.
لم يُعرف للأمير جان بردي الغزالي تاريخٌ لميلاده، وهو أصلاً
من مماليك السلطان الأشرف قايتباي، وكان قد اشتراه ثم اعتقه، وأخذ في
الارتقاء في المناصب في سلّم السلطنة المملوكية، وعُيّن فيما بعد كاشفاً(18)
لمنطقة في الشرقية تسمى "منية غزال"، فنُسب إليها(19)، ثم
جعله الأشرف قايتباي جمداراً(20) وقرره في كشف الشرقية(21).
وفي
أواخر أيام حكم قايتباي رُقيَّ الغزالي إلى أمير عشرة(22).
وفي بداية حكم السلطان قانصوه الغوري عُينّ محتسباً للقاهرة عوضاً عن
الأمير قرقماس المقري، ثم حاجباً(23)
لحلب في الشام، فنائباً لصفد عام 917هـ ، ثم حماة بعد ذلك بعام، واستمر
بهذا المنصب حتى هزيمة المماليك في موقعة مرج دابق عام 922هـ/1516م(24).
وصف ابن إياس، الأمير جان بردي الغزالي بالرعونة "وكان
الغزالي عنده رهج وخفة زائدة، أهوج الطبع ليس له رأي سديد، رهّاج في
الأمور، ليس له تأمل في العواقب"(25).
هذا الوصف يبدو أنه يناقض تماماً ما ذهب إليه ابن إياس نفسه عندما تكلم
عن فترة حكم الغزالي للشام بعدما ولاه السلطان العثماني سليم الأول
عليها، إذ قال: "وكان لما ولي نيابة الشام في غاية العظمة من الحرمة
الوافرة والكلمة النافذة، وقد أصلح (أي الغزالي) الجهات الشامية
في أيامه حتى مشى فيها الذئب والغنم سواء"(26)
وهذا إن دلّ إنما يدل على العدل الذي اتصف به الغزالي أثناء فترة حكمه
للشام قبل تمرده على الحكم العثماني فيما بعد.
وقبيل موقعة مرج دابق التي أنهى فيها العثمانيون نفوذ دولة المماليك
تماماً من الشام، اختلفت آراء الأمراء المماليك حول كيفية مواجهة
العثمانيين فرأى الغزالي نائب حماة ضرورة التقهقر إلى دمشق وحرق المحاصيل
الزراعية التي في الطريق حتى لا تستفيد منها القوات العثمانية، فيطول
عليهم الطريق ولا يجدوا طعاماً لهم أو لدوابهم، وبالتالي يتمكن الصفويون
المتربصون بالعثمانيين من مهاجمتهم والإطباق عليهم، وإفنائهم عن آخرهم،
لكن بعض الأمراء لم يقتنعوا على ما يبدو بهذا الرأي لشكّهم في ولاء
الغزالي، فتم رفضه(27).
والواقع، أن أيُ من المصادر والمراجع التاريخية لم تعطِ
دليلاً ملموساً للشك في ولاء الغزالي وخيانته لسلطانه الغوري، فكل ما
ذُكر حول التشكيك في ولاء الغزالي أو خيانته، كان في مجمله كلاماً مبهماً
يعوزه التوضيح، الأمر الذي سوف نتطرق إليه خلال هذه الدراسة.
ومهما يكن من أمر، فقد دارت موقعة مرج دابق عام 922هـ/1516م،
وهّزم المماليك وقتل السلطان الغوري(28).
وزال الحكم المملوكي نهائياً عن الشام، وشرع المؤرخون يرصدون العوامل
والأسباب التي أدت إلى تلك النتيجة، فعزا كل من ابن إياس وابن زنبل
الرمال المعاصرين لتلك الفترة، الهزيمة إلى عنصر الخيانة الذي كان
متواجداً داخل البيت المملوكي، وصبّا جام غضبهما على جان بردي الغزالي
وخاير بك على أساس أنهما كانا أكثر المتواطئين لحساب السلطان العثماني
سليم الأول، وما فتأ بقية المؤرخين اللاحقين لابن إياس وابن زنبل أن
أخذوا في نقل تلك الروايات بعضهم عن بعض أو من الغير دون إعمال جهدهم في
التثبت من صحة أصل الرواية، حتى غدت تلك الروايات التي اقتبسوها حقيقة
واقعة دون إدراك أن أصلها واحد.
لم يشر كل من ابن إياس وابن زنبل للدور الذي لعبه الأمراء
اللبنانيون، خاصة الأمير فخر الدين المعني الأول في موقعة مرج دابق، فقد
وقف هؤلاء الأمراء أثناء المعركة موقف المتفرج انتظاراً لما ستسفر عنه من
نتائج لينضمّوا للفريق المنتصر. ويؤكد هذا الموقف حيدر الشهابي بقوله: "فقال
الأمير فخر الدين لمن معه من رجاله وقومه دعونا لننظر لمن تكون النصرة
فنقاتل معه"(29).
أو بمعنى آخر كان هناك عوامل أخرى لهزيمة المماليك في مرج دابق غير عنصر
الخيانة الذي كان موجوداً في الصف المملوكي.
وفي هذه الدراسة لن نتوقف فيها بإسهاب لما قيل حول خيانة
الأمير خاير بك، إلاّ إذا اقتضت الدراسة التوقف عنده من خلال علاقته
بالأمير جان بردي الغزالي.
إن أول اتهام تم توجيهه للغزالي بالخيانة والتواطؤ ما ذكره
ابن زنبل، عندما اكتشف الأمير سيباي نائب دمشق تخابر الأمير خاير بك نائب
حلب مع السلطان سليم قبل وقعة مرج دابق، فألقى القبض عليه وسلمه للسلطان
الغوري الذي صمم على قتله(30).
ولكن الغزالي تدخل لمصلحة زميله خاير بك ودافع عنه، وأظهر أن قتله في هذا
الوقت وفي ظل الموقف العصيب الذي يمر به المماليك سوف يشعل فتنة بين
الجند "فقام الأمير جان بردي الغزالي وقال: يا مولانا السلطان لا
تفتنوا العسكر وتبدوا (وتبدأوا) في قتال بعضكم بعضاً وتذهب
أخباركم إلى عدوكم، فيزداد طمعاً فيكم وتضعف شوكتكم، والرأي لكم، وتأخر
من مكانه، وكانت هذه مكيدة من الغزالي، وإلاَّ كان خاير بكل قد هلك"(31)،
وهذا يعني أن الغوري قد تراجع عن قراره وأبقى على خاير بك.
وبصرف النظر عن حقيقة خيانة خاير بك وتخابره مع العثمانيين،
إلاّ أننا لا نستطيع إثبات صحة تدخل الغزالي لصالح زميله خاير بك، فربما
كان تدخل الغزالي في هذا الموقف كان للمصلحة العامة، خشية أن ينتشر
التمرد داخل الجيش المملوكي، خاصة بين أعوان خاير بك نفسه لو تم قتله
بالفعل. وبما أن السلطان الغوري في موقف لا يحسد عليه ومقبل على الحرب،
فلو صحت رواية خيانة خاير بك هذه، لكان بإمكان السلطان عزل خاير بك من
منصبه، وإلقاء القبض عليه لحين الانتهاء من أمر القتال مع العثمانيين.
ومن خلال ما سطره ابن زنبل في مجمل ما كتبه عن تاريخ دولة
المماليك وانحيازه الواضح لسلاطين المماليك، نستنتج أنه ذكر تلك الرواية
وكأن عنصر الخيانة هو المسبب الوحيد لهزيمة المماليك وليس أي شيء أخر،
ودون أن يؤكد بالقرائن صحة تواطؤ الغزالي لمصلحة زميله خاير بك.
وتشير بعض المصادر إلى دور الغزالي وغيره في خيانة الجيش
المملوكي أثناء القتال في موقعة مرج دابق، فيشير ابن زنبل إلى أن النصر
كان لصالح المماليك حتى تقهقر خاير بك الذي كان يقود الميسرة والغزالي مع
الفلول المنهزمة من الجيش، ودخلوا وطاق(32)
السلطان الغوري، فنادى خاير بك بأعلى صوته بضرورة الفرار لأن السلطان قد
قُتل، وأن العثمانيين قد هجموا، فصدقوه، وفرّ إلى حلب برفقة أغلب
المماليك الجلبان وما كان ذلك إلاَّ مكيدة منه لتشتيت شمل الجيش المملوكي(33).
ويؤكد أنور زقلمة أن الغزالي سار على درب خاير بك وانسحب من
المعركة بجزء آخر من الجيش، فاختلّ نظام المماليك بعدما استخدم
العثمانيون المدفعية التي لم يكونوا قد بدأوا باستعمالها قبل ذلك، فحصدت
الكثير من القوات المملوكية(34).
إن المتمعن في رواية ابن زنبل السالفة الذكر لا يجد بها
دليلاً على خيانة الغزالي وفراره من المعركة، بل كل ما ذكره يخص خاير بك
بمفرده، أما رواية أنور زقلمة فهي ضعيفة لأنه لم يحدد الوقت الصحيح الذي
انسحب فيه الغزالي من ساحة القتال، وأغلب الظن أن هذا الانسحاب أو
التقهقر قد تم بالفعل، لكن بعد مقتل السلطان الغوري واختلال نظام الجيش
المملوكي بالكامل، والتيقّن من حتمية الهزيمة، فخشي على نفسه وعلى جنده،
فقرّر الفرار.
وبالإمكان التدليل على صحة ما ذهبنا إليه، بأن الغزالي لم
يكن الوحيد الذي فرّ بعد التحقق من الهزيمة، إنما تبعه محمد ابن السلطان
الغوري نفسه، الذي توجه إلى دمشق برفقة الغزالي(35).
إذ لا يُعقل أن يهرب ابن السلطان من ساحة القتال تاركاً أبيه لمصيره دون
الدفاع عنه، إلاّ إذا كان بالفعل قد تحقق من مقتل والده.
وإذا كان
الأمير خاير بك قد انضم للعثمانيين بعد المعركة وتوجه إلى حماة وسار
بركبهم(36)،
فإن الأمير جان بردى الغزالي لم يقم بالشيء ذاته، وهذا ما يدل على أنه لم
يكن بعد قد انضم للعثمانيين، فقد أكدت المصادر التاريخية أن الغزالي تم
تعيينه نائباً على دمشق بموافقة المماليك المنهزمين(37).
في حين أن البعض ذكر أن الغزالي أراد التسلطن في دمشق، لكن رفاقه من
المماليك المهزومين اعترضوا على ذلك وقالوا بأن الأولى أن تكون السلطنة
لمحمد ابن السلطان الغوري، ثم أجمعوا رأيهم على العودة إلى مصر مقر
السلطنة وهناك يتم اختيار السلطان من أحد الأمراء الأكفاء المتسمين
بالشجاعة، وأوكلوا حكم دمشق لأحد ا |