منتدى موقع التاريخ

نظرات في الفكر المنهجي عند ابن خلدون

الجزء الثاني

بقلم: علال البوزيدي


المنهج الاقتصادي والاجتماعي من خلال المقدمة..

          اشتهر ابن خلدون بمقدمته التي هي جزء من كتابه الضخم الذي ألفه في التاريخ العام وسماه: »كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر«، وهذا الكتاب يشمل المقدمة ومعها:

1-     الكتاب الأول: في العمران وطبيعته.

2-     الكتاب الثاني: ويشتمل على أخبار العرب وأجيالهم

3-     أما الكتاب الثالث: فيعرض لنا أخبار البربر ومن يليهم.

وقد عالج ابن خلدون واقعات العمران البشري، التي تشمل كل القواعد في الاتجاهات العامة التي يسلكها أفراد المجتمع في تنظيم شؤونهم الجماعية، وضبط العلاقات وتنسيقها »الظواهر الاجتماعية«.

دراسة الظواهر الاجتماعية

          وبذلك يكون ابن خلدون قد درس الظواهر الاجتماعية، وكشف القوانين التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية، سواء في نشأتها في تطورها.

          فرغم أن كثيراً من العلماء قبله تعرضوا للمجتمعات، فإنهم اكتفوا بوصفها، وبيان ما كانت عليه وما هي عليه الآن، ولم يستخلصوا لنا قوانين تفسر لنا العوامل والأسباب التي قادت الظاهرة لأن تسير على شكل من الأشكال. وهناك من درس الظواهر الاجتماعية أيضاً وبيّن ما يجب أن تكون عليه حسب مبادئ مثالية أبعد ما تكون عن الواقع.

          أجل، إن التفكير في المجتمع قديم قدم الإنسانية، وقد تعرض كثير من الفلاسفة إلى دراسة مجتمعاتهم، فرسموا لنا نماذج لمجتمعات فاضلة ارتضاها كل واحد منهم، وبيّنوا ما ينبغي أن تكون عليه المجتمعات. ولكن ابن خلدون درس الظواهر الاجتماعية التي تتحكم في مصيرها، وبيّن أنها تسير حسب قوانين ثابتة.

          وقد قرر ابن خلدون بأن دراسة ظواهر الاجتماع على هذا النحو لم يسبقه إليها أحد فقال: »واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص«.

أخضع الظواهر الاجتماعية للقوانين

          فابن خلدون إذ يخضع الظواهر الاجتماعية للقوانين، فهو يبحث عن مدى الارتباط بين الأسباب والمسببات، ولم يكتف بالوصف وعرض الوقائع وبيان ما هي عليه، وإنما اتجه اتجاهاً جديداً في بحوثه الاجتماعية، جعله يعلن بصراحة أن التطور هو سنة الحياة الاجتماعية، وذلك لأن الظواهر الاجتماعية غير قابلة للركود والدوام على حالة واحدة، ومن ثَمّ كانت الأنظمة الاجتماعية متباينة حسب المكان والزمان: »إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول«.

          فإذا كانت العلوم الرياضية وما شابهها تعالج أموراً مستقرة، فعلم الاجتماع يعالج مواضيع تختلف من جيل إلى جيل، ومن منطقة إلى أخرى. لذلك يرى ابن خلدون أنه يتحتم على الباحث الاجتماعي أن يبحث عن هذا الاختلاف، متخذاً الحذر والحيطة حتى لا ينساق وراء الخيال والمغالطات.

          وقد اعتمد ابن خلدون في بحوثه على ما لاحظه في الشعوب التي عاصرها، واحتك بها ووازن بينها وبين سابقيها، ودرس العلاقات الاجتماعية، وذلك بأن جمع معلوماته من التاريخ، ثم أخضعها للعقل، ومن هنا تتجلى أصالته المنهجية. ولا أدلّ على ذلك من كونه يقرر أن العصبية نوع خاص من القرابة داخل ترابط مجتمعي.

المنهج الاستقراري عند ابن خلدون

          ابن لابن خلدون منهجاً استقرائياً استنتاجياً، يعتمد فيه على الملاحظة، ثم الدخول في الموضوع، وبدون فكرة مبيتة، لذلك جاءت قوانينه أقوى أساساً، وأمتن بنياناً، وأقرب إلى وقائع الأمور.

          وهكذا سار على منهج علمي سليم، وإن كان استقراؤه ناقصاً بعض الشيء، لأن كثيراً من القوانين والأفكار التي وصل إليها لا تطبق إلا على أمم عاصرها في فترة معينة.

سبق مالتس إلى نظرية تزايد السكان

          ومن العجيب أن هذا الباحث الاقتصادي الإسلامي قد تحدث في المقدمة عن القوانين التي يسير عليها التزايد في النوع الإنساني، وبذلك سبق »مالتس« الإنجليزي في نظريته التي اشتهر بها، وهي نظرية »تزايد السكان«. ومالتس من علماء الاقتصاد الإنجليزي، ولد سنة 1766م وتوفي سنة 1842م، ويعدّ من المنشئين لعلم »الديموغرافيا« أو علم إحصاء السكان، وهو من العلوم الاقتصادية. وقد وضع مالتس في ذلك كتاباً أسماه »تزايد السكان« وظهر هذا الكتاب سنة 1803م.

          واستخلص مالتس من دراساته لظاهرة التزايد في النوع الإنساني أن السكان يتزايدون كل خمس وعشرين سنة بنسبة متوالية هندسية (1، 2، 4، 8، 16، 32...)، إذا لم يوقف تزايدهم عائق خارجي.

          وابن خلدون الذي كان قبل مالتس بأكثر من أربعمائة سنة قد تعرض لهذا النظرية، وإن لم يعن بتفصيل الحديث عن أجزائها، ووضع قانوناً محدداً لها، كما فعل مالتس.

أبحاث في مواضيع اقتصادية...

          وتحدّث في المقدمة عن الفلاحة والنباء والتجارة والحياكة والخياطة والوراقة وغيرها، وقد لخص كتاب تاريخ فلاسفة الإسلام المواضيع التي طرقها في مقدمته، فقال عن الفصل الخامس:

»الفصل الخامس في المعايش ووجوهه من الكسب والصناعات، وفيه مسائل في الرزق والكسب، وفي المعاش وأصنافه ومذاهبه، ونسبة ذلك إلى طبيعة العمران، وفيه مباحث مسهبة في أبواب الرزق من التجارة والصناعة على اختلاف ضروبها وأنواعها«، ووصفَ أمهات الصناعات في أيامه، كالزراعة والعمارة والنسيج والتوليد والطب والورق وغيره.

          وباختصار، فإن عبد الرحمن بن خلدون الباحث الاجتماعي والاقتصادي والسياسي سيظل في نظر الباحثين حجة في كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية، وستظل نظرياته الواردة في مقدمته صالحة للاستفادة منها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مكانته العلمية

          قام ابن خلدون بدراسة تحليلية لتاريخ العرب والدول الإسلامية، وعرض محتويات الأحداث التاريخية على معيار العقل حتى تسلم من الكذب والتزييف، فكان بذلك مجدداً في علم التاريخ.

تعريف التاريخ

          وقد عرّف التاريخ بما يلي: إن خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال: مثل التوجس، والتأنس، والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش، والعلم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال.

ما يؤخذ عليه

          ومما يؤخذ عليه مبالغته في إعطاء البيئة الجغرافية أهمية كبرى في شؤون الاجتماع، حتى جعلها حجر الزاوية في توجيه نشاط الشعوب ومدى تقدمهم وتأخرهم. حقاً إن المحيط الجغرافي له أثره في توجيه سلوكنا وتبايننا الحضاري، ولكن ليس هو الكل، وإنما هو عامل من عوامل عدة، أهمها: العقيدة، ثم الأحداث التاريخية والعوامل التكنولوجية والانسياق والانسياب الحضاري.

الواقع الأدبي في عصر ابن خلدون

          لقد حاولتُ فيما سلف الإلماح إلى جوانب من الفكر المنهجي عند ابن خلدون، ولكن هناك جوانب أخرى لها ارتباطها الوثيق بحياة هذا المفكر، لكونه عاصرها وعايشها، وهي أحداث ووقائع لا يمكن إغفالها في هذا البحث المختصر، بل ينبغي الإشارة إليها ولو بلمحات. عرف العصرُ الذي عاش فيه ابن خلدون الحروبَ والقلاقل والفتن، وكما قال أديب عربي: »وكيف يزدهر الأدب والعلم في جو متقلب غير مأمون العاقبة«. على أن الملوك والأمراء كانوا ينتهزون فرص السلام على قلتها وقصرها فيقرّبون إليهم العلماء والأدباء. فكان بنو حفص وبنو مرين ملاذ رجال الفكر والأدب، يظلونهم برعايتهم ويحتفون بهم ويولونهم المناصب الرفيعة.

          يقول ابن خلدون: »... ولما استوى السلطان أبو الحسن على تلمسان، رفع من منزلة ابني الإمام: أبي زيد وأبي موسى، واختصهما بالشورى في بلدهما، وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري عليهم الأرزاق، ويعمر بهم مجلسه، ثم أدنى ابن عبد النور وقرّبه من مجلسه وولاه قضاء عسكره. وكانت غرناطة حافلة بكثير من العلماء والأدباء، فلما طغت مملكة قشتالة النصرانية على أطراف المملكة الإسلامية، واستولت على أكثر ثغورها ومدنها، رحل كثير من علماء الأندلس وأدبائه إلى المغرب فازدادت ثراء بالأدب والثقافة«.

النثر في عصره

          أما عن النثر في عصر ابن خلدون، فيجدر بمن يبحث النثر أو الشعر في المغرب، أو في الأندلس أن يتعرف حالهما في المشرق، وليس في هذا ما يثير العجب، لأن العرب نزحوا إلى الأندلس أن يتعرف حالهما في المشرق، وليس في هذا ما يثير العجب، لأن العرب نزحوا إلى الأندلس، وانبثوا في أرجائها، من كل قبيلة وعشيرة، من عدنانيين وقحطانيين، وابن خلدون نفسه يمني الأصل، كما يقرر ذلك عن نفسه.

          ثم إن كثيراً من العلماء والأدباء وفدوا إلى الأندلس، فوجدوا ترحيباً وتكريماً وإغداقاً، ففاضت كتاباتهم، وقرضوا الشعر، وكتبوا النثر، مقيدين بطرائق التعبير التي جرى عليها أسلافهم، والتي يجري عليها معاصروهم في المشرق.

          وكان كثير من علماء المغرب وأدبائه يرحلون إلى المشرق، حتى ليخيل لمن يقتفي آثار هذه الرحلات أن الطريق كان حافلاً بالرحالة الذين يسعون في سبيل التعليم أو طلب العلم دائماً.

          ويضاف إلى ذلك أن الملوك والخلفاء بالأندلس كانوا في المشرق مثلاً أعلى جديراً بالاحتذاء، ولهذا استقدموا بعض العلماء والفنانين وبعض المؤلفات.

          أما العرب في الأندلس فلم يحفلوا أول الأمر بما كان في بلاد الأندلس من كتابة لاتينية، ولم ينشطوا إلى نقل شيء من فلسفة اليونان وعلومهم، إذ أرادوا أن تكون دولتهم عربية خالصة ينافسون بعروبتها، حتى لقد كان طلاب العلم الذين يقصدون المشرق يكتفون بالتلمذة على علماء اللغة والدين، مثل يحيى بن يحيى الليثي، وأبي الخطاب عمر بن الحسن الأندلسي وابن مالك. كذلك كان العلماء الذين يقدمون إلى المغرب أدباء أو لغويين مثل أبي علي القالي.

الطريقة الشائعة للكتابة في عصر ابن خلدون

          كانت الطريقة الشائعة في عصر ابن خلدون هي طريقة القاضي الفاضل المتوفى سنة 596 هـ، فقد سيطرت على كتاب مصر والأندلس والمغرب، وهي طريقة مؤسسة على طريقة ابن العميد، وتزيد عليها المبالغة في الزينة، من سجع ملتزم أكثره متكلف، في جمل طوال، وكلف بالتورية والجناس والطباق والتوجيه والاقتباس والتخمين.

          وكان القاضي الفاضل يعتسف هذه المحسنات في نثره وفي شعره، ثم كان تلاميذه المتأثرون بطريقته من بعده أقل منه اطلاعاً، وأقصر باعاً، فهبطوا بتكلفهم هبوطاً شنيعاً، وربما سولت لبعضهم نفسه أن يبرز طريقة القاضي الفاضل بشحذ البديع، واستكراه الحلى اللفظية والمعنوية، فحمّلوا نثرهم أثقالاً ظنوها لآلئ، وهي في الحقيقة قواقع. وكان من الطبيعي أن تلفظ الأفكار أنفاسها تحت هذه الأثقال، وأن تنوء الأساليب بالضعف من هذه الأحمال.

          وكان الدافع إلى ذلك سيطرة غريزة التقليد على الكتاب، وظنهم أن طريقة القاضي الفاضل أسمى ما انتهت إليه الأقلام. وشيء آخر أنهم كانوا فقراء في الثقافة العامة، فلا تختلج في نفوسهم معانٍ سامية، أو أفكار راقية، فعمدوا إلى تمويه هذه الضعف بستار وطلاء من الزخارف. على أنّ نقّاد العصر كانوا كلفين بالطريقة الفاضلية، فخضع الكتّاب للنقّاد وجاروهم في إعجابهم وأنشأوا على الغرار الذي يرضيهم.

          ولسنا ننتظر من كتاب ذلك العصر أن يخرجوا على نقاده، ويثوروا على الطريقة العقيمة التي يكلفونهم احتذاءها، لأن عصور الضعف لا تجود بعبقري إلا نادراً. وقد كان هذا العبقري الجريء هو ابن خلدون. فقد تحرر من قيود الطريقة التي وضعها معاصروه للكتابة، فكان فذاً في عصره من حيث تفكيره الأدبي والمنهجي.

خلدونيات

          فيما كتبناه لم نوفِ الموضوع حقه، وهذا اعتراف منطقي لأن شخصية ابن خلدون تستحق البحث والتقصي أوسع مما تمت الإشارة إليه بهذا الخصوص. والحقيقة أن إعطاء نظرة شمولية عن الفكر المنهجي عند صاحب المقدمة، والعمل على تحليل جوانب العبقرية والنبوغ عند هذا المفكر، عملية تستوجب الاستيعاب الكامل لعطاءاته، في مجالات لها اتصالها بنشاطات الفرد والدولة والأسرة والمجتمع، وبالتالي تحدد المعايير الأساسية لممارسة الحياة بشكل يتلاءم مع العمران البشري والاجتماع الإنساني في كل زمان ومكان مهما تطورت الممارسات.

          إذن، فالبناء لا بد له من قواعد وأسس، وتلك هي المهمة الكبرى التي قام بها ابن خلدون رحمه الله.

          وخلاصة القول أن هذا قليل جداً استخلصناه من كثير جداً لأن جلائل الأعمال وروائع الأفكار المنهجية الراسخة أعمق من أن تحشر في حديث قصير كهذا... إلا أن لسان الحال يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله.

وفي الختام

          إن الإلمام بدراسة جانب محدد من جوانب حياة زاخرة بالإبداع الفكري والعطاء الثقافي والعلمي، كحياة فيلسوف العروبة والإسلام عبد الرحمن بن خلدون مسألة تقتضي البحث المسهب في ذلك التراث الأصيل الذي تركه للأجيال هدية رائعة لا تقدر بثمن. وهذا التراث هو حصيلة وثمرة جهاده طيلة حياته المليئة بجلائل الأعمال، والتي عاش خلالها عمراً ناهز 78 سنة إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة 1406م.


المراجع

فلاسفة الإسلام في المغرب العربي – من منشورات جمعية نبراس الفكر – الطبعة الأولى 1961م.

مجلة الفكر التونسية – العدد 6، السنة 6، 1961م.

مجلة المتأهل المغربية – العدد الأول، نوفمبر 1974م.

أفكار معاصرة – الطبعة الثانية، سلسلة كتاب الهلال.

صفحات من أمجادنا – الأستاذ أنور الجندي.

مجلة التعاون الوطني المغربية – انظر مقال لمنير الدكالي، رحمه الله.

المصدر السابق نفسه، انظر مقال الدكتور الحوفي.


الجزء الأول


مجلة الأمة، العدد 38، سنة 1404 هـ

الفسطاط، 7/2003

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا