علاقة الأمير فخر الدين المعني الثاني بالزعامات المحلية الفلسطينية وموقف الدولة العثمانية منه

999 1043 هـ /1590 1633 م

د. أسامة محمد أبو نحل

الأستاذ المساعد في التاريخ الحديث

ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة الأزهرـ غزة

 1423هـ /2003م

osamabunahel@hotmail.com


ملخص

          تتناول هذه الدراسة فترة مهمة من تاريخ لبنان وفلسطين العثماني، حيث حاولت شخصية بارزة كشخصية الأمير فخر الدين المعني الثاني، إقامة إمارة إقليمية على حساب الدولة العثمانية، وقد أسميت هذه الدراسة: "علاقة الأمير فخر الدين المعني الثاني بالزعامات المحلية الفلسطينية 999 ـ1043هـ/1590ـ1633م".

وأهمية هذه الدراسة ناجمة عن قلة المراجع التي تناولت علاقة فخر الدين الثاني بالزعامات والأسر الفلسطينية، كما تنبع أهميتها في بيان الدافع الرئيسي لفخر الدين الذي جعله يضع فلسطين على سلم أولوياته السياسية والعسكرية، وقد نفت هذه الدراسة عن فخر الدين صفة المغامرة، وأرجعت تصرفاته التوسعية في فلسطين تحديداً إلي طموحه في بناء مجد ذاتي يخلده رغم محدودية الإمكانيات المتاحة لديه.

وقد حاولت من خلال هذه الدراسة إعادة الأمور إلي نصابها الحقيقي، وعدم الانسياق وراء الدراسات التي تبنت نتائج مفادها أن مشاريع فخر الدين التوسعية في الأراضي الفلسطينية كانت ناجمة عن استشراء نفوذه السياسي والعسكري في لبنان، وأوضحت أن المرة الوحيدة التي كان لفخر الدين نفوذ مؤقت في فلسطين كان ناجماً عن سياسته الحكيمة في شراء المناصب من الباب العالي، والتي تمكن من خلالها أن يصبح حاكماً علي كل عربستان من حدود حلب إلى القدس.

المقدمة

رغم وفرة المصادر والمراجع التاريخية التي تناولت سيرة حياة الأمير اللبناني فخر الدين المعني الثاني، إلاّ أن معظمها تناول أهم أعماله في لبنان مع لفتةٍ موجزةٍ لاهتماماته بضم فلسطين إلى ممتلكاته، وقليلة جداً تلك المراجع التي تناولت مشاريعه التوسعية بفلسطين مع بعض الإسهاب، والحقيقة أن معظم هذه المراجع كان يعوزها التحليل.

وفيما يخص المراجع التي اهتمت بتفاصيل حملات فخر الدين الثاني على الأراضي الفلسطينية، فقد اشتطّ بعضها في ذكر دوافع تلك الحملات وأعادها إلى دوافع طائفية في المقام الأول، غير أن الدراسة التي بين أيدينا نفت ذلك، وأرجعت تلك الدوافع لأسبابٍ حزبية ليس إلاّ.

ولماّ تقاعست المراجع التاريخية في بيان أهمية فلسطين في مشروع فخر الدين الثاني التوسعي، وجدنا أنه لا بأس من التطرق لتلك الفكرة في محاولة متواضعة لكشف اللثام عما أغفله البعض، صحيح أن شخصية كفخر الدين لم تكن مجهولة أو مغمورة، بل بالغة الصيت ومرموقة، حتى أن صيته وسمعته وصلت أوروبا قبل أن يصلها بجسده، ولا ندّعي لأنفسنا إضافة الكثير لتلك الشخصية التي تستحق الدراسة أكثر من مرة؛ وإن اختلفنا معها في تحليل دوافعها ونتائج تصرفاتها.

أما المنهج الذي اعتمدته الدراسة، فهو مزيج من السرد التاريخي والتحليل الوصفي نظراً لأهميتهما في إيصال الفكرة للقارئ بشكل سلس مباشر ومبسط، ودون الإخلال بالوقائع التاريخية الأخرى، التي وقعت أحداثها خارج فلسطين وكان لها ردود أفعال سياسية تأثرت بها الساحة الفلسطينية كموقعة عنجر الشهيرة عام 1033هـ/1623 م.

وما يخص مصادر ومراجع الدراسة فهي كثيرة ومتنوعة، بعضها كانت فائدته بصورة مباشرة ككتاب تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني لأحمد بن محمد الخالدي الصفدي، وتاريخ حيدر الشهابي للأمير حيدر الشهابي، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر لمحمد الأمين المحبي، وتراجم الأعيان من أبناء الزمان للحسن بن محمد البوريني، و العرب والعثمانيون لعبد الكريم رافق، وغير ذلك من المراجع الأجنبية مثل:

Holt (P.M), Egypt and the Fertile Crescent 1516-1922.

تمهيد

أصبح من الأمور المسلم بها في المصادر التاريخية، أن بلاد الشام كانت تابعة لسلطة السلطان العثماني تبعية اسمية، حيث ترك العثمانيون الحكم في تلك الأنحاء لأصحاب السطوة والنفوذ المنتمين لبيوتات تمتلك الكثير من مقوّمات القوة والزعامة، واكتفوا بتعيين والٍ لإقرار الأمن والنظام في الولايات الثلاث التي أقاموها وهي: دمشق وطرابلس وحلب، إضافة إلى بعض المأمورين (1). كما أصبح من الأمور المسلم بها أيضاً، أن العثمانيين ذوي الباع الطويل في المسائل العسكرية وبحكم خبراتهم السابقة في نظم الإدارة، خاصة العسكرية منها في الميدان الأوروبي، وبحكم انشغالهم في الحروب المتتالية في أوروبا وعلى كافة الأصعدة، كانوا أكثر ميلاً لترك أمور الحكم للأُسر الإقطاعية المتواجدة بكثرة في كافة أرجاء بلاد الشام مكتفين باعتراف تلك الأُسر بسيادتهم على المناطق التي يحكمونها؛ لأنهم في نهاية المطاف يحصلون على مشروعيّة حكمهم من الولاة العثمانيين في دمشق وطرابلس فيما عدا شمال سورية التي بقيت تحت الحكم العثماني المباشر.

ومن هنا فان مصلحة السلطان العثماني سليم الأول اقتضت بعد استيلائه على دمشق الاعتراف بزعامة الأمراء اللبنانيين مثل الأمير فخر الدين المعني الثاني حاكم جبل الشوف (لبنان)، بعد اشتراكه إلى جانب العثمانيين في موقعة مرج دابق عام 922 هـ/1516 م (2)، وجعله حاكماً على لبنان من يافا إلى طرابلس(3).

ومهما يكن من أمر، يجب أن نضع نصب أعيننا حقيقة لا يمكن تجاهلها، مفادها أن الطائفة الدرزية في لبنان كانت تتمتع بحس سياسي يتسم بالذكاء المطلق نتيجة لتواجدها في منطقة تتقاطع فيها الانتماءات المذهبية والسياسية، فلبنان على صغر مساحته، يضم بين دفتيه العديد من المذاهب الدينية المختلفة، وكان الدروز تائهين بين الاستقلالية الدينية وانتمائهم الإسلامي.

هذا الحس السياسي، جعل من الدروزـ إن جاز التعبيرـ أساتذة في المكيافيللية (الانتهازية) على مدار تاريخهم حتى قبل ظهور ساسة البندقية بزمن طويل(4)، وفي حالة الأمير فخر الدين الأول يؤكد حيدر الشهابي صحة هذا الوصف، بأنه لم يشارك منذ الوهلة الأولى في موقعة مرج دابق، بل آثر البقاء على الحياد بين الطرفين المتحاربين (أي العثمانيين والمماليك) حتى يرى لمن ستكون الغلبة، ثم يدخل القتال إلى جانب الطرف المنتصر(5)، ليبدو في مظهر المسعف له، وبالتالي يحصل على ثمن مساعدته له.

ويقول عادل إسماعيل؛ أنه كان لدى سليم الأول من الحكمة ما جعله يوافق على أن يحكم الدروز أمراء منهم، فأعطى فخر الدين الأول إمارة الشوف التي بقيت خاضعة لنفوذ المعنيين حتى القرن السابع عشر(6). والحقيقة أن الحكمة التي دفعت سليماً وما تلاه من سلاطين العثمانيين لجعل حكام لبنان يحكمون مناطقهم، لا يعود في المقام الأول لضعف السلطة العثمانية في توطيد نفوذها في لبنان بقدر ما يعود إلى خشيتها من التورط في المستنقع اللبناني الآسن المليء بالتناقضات المذهبية والسياسية، لذا وجد السلطان سليم نفسه في غنى عن هذا التورط الذي قد يبذل من أجله خسائر جسيمة قد تؤثر على موقف دولته في أوروبا.

ويستطرد عادل إسماعيل في القول: "بينما أعطيت بقية المقاطعات السورية واللبنانية في هذا العهد إلى حكام أجانب"(7)؛ لكن هذا القول تعوزه الدقة فيما يخص لبنان وفلسطين باستثناء مناطق سورية الشمالية، فمن المعلوم أن وادي التيم اللبناني كانت تحكمه الأسرة الشهابية، والبقاع يحكمه آل حرفوش الشيعة، وجبل عامل كان يحكمه عدة أسر إقطاعية شيعية. وفي فلسطين كانت الأسر الإقطاعية هي من تتولى إدارة زمامها، وإن كانت مؤيدة ومحالفة للسلطة العثمانية.

ويؤكد البعض صحة هذا الطرح؛ بأنه لم يقع تحت سلطة الحكم العثماني المباشر سوى القليل من مدن الشام وضواحيها، حيث ظل الكثير من المناطق خاصة المناطق الجبلية تحت حكم أمرائها وشيوخها المتوارثين، الذين كانوا كالسابق يعقدون الكونفدراليات فيما بينهم، ويقومون بالحملات مع قواتهم، ويخوضون الحروب ضد بعضهم البعض، كما أن لبنان كان في بداية العهد العثماني لبلاد الشام بمثابة إمارة ذات استقلال ذاتي تحت سيطرة الأسرة المعنية(8).

وكما الحال مع أمراء لبنان، فان النهج نفسه اتبعه السلطان سليم الأول مع الزعامات المحلية في فلسطين وهي ذات مرتكزات بدوية وإقطاعية، وقد وازنت السلطات العثمانية فيما بين هذه الزعامات واستغلتها كأدوات في الحكم، وفي تصريف الشؤون الإدارية المحلية، وكانت فلسطين تتبع إدارياً ولاية دمشق، وقسمت إلي خمسة سناجق(9) أو ألوية هي: القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، إضافة إلى سنجقي عجلون والكرك مع الشوبك في شرقي الأردن(10).

واللافت للنظر، أن العثمانيين قسّموا فلسطين وحدها على صغر مساحتها إلى خمسة سناجق، بينما بقية ولاية الشام كانت تضم على اتساعها أربعة سناجق فقط، وهذا يعود لأهمية موقع فلسطين وحيويته؛ فهي تربط دمشق بمصر والحجاز، أي أنها محور الطرق الرئيسية وعصبها، فقرب فلسطين من الطريق السلطاني الذي كانت تستخدمه قافلة الحج الشامي المتجهة من دمشق إلي الحجاز، زاد من أهميتها الأمنية بالنسبة لهذه القافلة؛ لأن عدداً من القبائل الموجودة فيها أو القريبة منها كان يهدد طريق الحج، وكانت هذه القافلة عندما تشعر بخطر تلك القبائل في طريق العودة من الحجاز، تضطر لتحويل طريقها السلطاني إلى غزة، حيث الطريق التجاري بين مصر ودمشق وهو أكثر أمناً، وهو الطريق الذي أصطلح على تسميته"بالطريق الغزاوي"(11).

ولتحقيق الأمن في فلسطين، حرص العثمانيون على الإكثار من ألويتها، نظراً لكثرة الزعماء المحليين فيها، وهم بمعظمهم من أصول بدوية وبعضهم من بقايا المماليك، وكان من شأن هذه الألوية إحكام الرقابة على هؤلاء الزعماء، أو تقريبهم من السلطة بتعيينهم حكاما عليها، ومن أشهر الزعماء المحليين الذين استقطبهم العثمانيون، طراباي ابن قراجا، أحد زعماء نابلس الذي عيّنوه أميراً على منطقة اللجون، وكان استقطاب هؤلاء الزعماء من عوامل الاستقرار البارزة في فلسطين في بداية العهد العثماني، نظراً لخبراتهم بطبيعة المنطقة وظروف سكانها، وتمتعهم بأفضل الأساليب الإدارية الملائمة لطبيعة هؤلاء السكان(12).

بقي أن نشير إلى مسألة غاية في الأهمية، هي أن الإقطاع في لبنان اختلف عن بقية المناطق السورية الأخرى، إذ كان في الغالب ذا طابع طائفي، حيث كان فيها أرسخ جذوراً أقوى من الإقطاع الحكومي(13).

طموح فخر الدين الثاني(14)بتكوين إمارة إقليمية:

سبق التنويه إلى أن السلطان سليم كان قد أقر الأمير فخر الدين الأول على حكم جبل لبنان وسماه "سلطان البر"؛ لكن الأخير حاول الاستقلال بالجبل، فقتله العثمانيون سنة 951 هـ/1544 م، ودفنوا معه طموحاته، لكنهم لم يقضوا على النفوذ القبلي والطائفي للمعنيين، وخلف الأمير قرقماز والده في الحكم؛ لكنه لم يستوعب الدرس الذي مرّ به والده، وحاول بدوره أن يحقق طموحاً سياسياً إقليمياً في بعض نواحي الشام وفلسطين، فدفع هو الآخر حياته ثمناً لمغامرته عام 993هـ/1585م، في إحدى مغارات جزّين في سفوح جبل الشوف(15).

تولى فخر الدين الثاني مقاليد الحكم في جبل لبنان عام 999 هـ/1590 م، وكان عمره وقتذاك ثمانية عشر عاما(16)، وبذلك فتحت صفحة جديدة من تاريخ لبنان الحديث، فقد اتصف فخر الدين بأنه سياسي ماهر، بارع في حبك الدسائس، كما كانت له عيون في الآستانة وفي قصور الباشوات ودور الأتباع، وبذر الشقاق في صفوف أعدائه، ولإرضاء السلطان العثماني عنه، قام بدفع أموال ضخمة لخزينة الدولة، وتقاسم معه الغنائم الحربية(17).

ولم يتوان فخر الدين بعد ذلك في إعادة بناء موقع أسرته في الشوف بثبات، ومن ثمّ تمكن من الحصول على قيادة لا ينازعه فيها أحد على كامل جبل لبنان والمقاطعات المجاورة، وإتباعاً لسياسته الحكيمة، فقد اتخذ من الأسرة الشهابية حكام وادي التيم حلفاء مخلصين له(18).

وقبل التطرق إلى كيفية تمكن فخر الدين من إقامة إمارة معنية مترامية الأطراف على شكل مؤقت، نجد لزاماً علينا بسط الخريطة السياسية اللبنانية والفلسطينية بما عليها من قوى محلية متصارعة وتكتّلات متحالفة، لنعرف المدى الذي نجح من خلاله في إقامة تلك الإمارة. ففي منطقة بعلبك وسهل البقاع اللبناني، كان آل حرفوش الشيعة (1000-1282 هـ/1591ـ1865 م ) يتمتعون بشبه استقلال سياسي في مقاطعاتهم. ولم يقتصر نفوذ الحرافشة على البقاع، بل كثيراً ما كانوا يتدخلون في شؤون المقاطعات المجاورة لهم(19)، وفي جبل عامل بيوتات إقطاعية شيعية أيضاً كبني صعب في مقاطعة الشقيف، وبني منكر في مقاطعة الشومر، وبني علي الصغير في بلاد بشارة، حيث تمتعوا هم الآخرون بحكم ذاتي تحت قيادة شيوخهم(20).

وفي شمال لبنان كان آل سيفا ذوو الأصل الكردي يحكمون في طرابلس، وأشهر حكامها يوسف باشا سيفا الذي عينته الدولة العثمانية والياً على طرابلس عام 987 هـ/1579 م، واشتهر بعدائه الشديد لفخر الدين الثاني، فقد كان لعدائهما الشخصي مدلول حزبي؛ فآل سيفا كانوا من اليمنية(21)، بينما آل معن من القيسية رغم أنهم كانوا في الأصل يمنيين(22)، وتمكن فخر الدين من الحصول على أول نصر له على يوسف باشا سيفا في موقعة نهر الكلب عام 1007 هـ/1598 م، غير أنه لم ينجح في تملّك الإقليم الشمالي لأكثر من سنة؛ لأن العثمانيين كانوا يدعمون يوسف باشا دعماً معنوياً(23).

أما في فلسطين، فقد عاصرت زعامات محلية فيها تولي فخر الدين الثاني مقاليد السلطة، وقد تنافرت بينها وبين فخر الدين المصالح؛ نظراً لأطماع الأخير في الاستيلاء على ممتلكاتهم، ففي منطقة اللجون كان آل طراباي لهم السيادة والزعامة، واشتهر منهم الأمير أحمد بن طراباي (979 ـ1057 هـ/1571 ـ1647 م) الذي حكم لمدة نصف قرن تقريباً (1010 ـ1057 هـ/1601 ـ1647 م)(24)، ودارت بين الزعيمين عدة مواقع سنأتي على ذكرها.

وثمة أسرة من أصل شركسي كان زعماؤها حكاما على نابلس والقدس، هم آل فرّوخ، وكانت تلك الأسرة حلقة الوصل بين آل طراباي في شمال فلسطين وآل رضوان في الجنوب (غزة)، وقد شغل أفراد آل فرّوخ وظيفة إمارة الحج الشامي لعدة أعوام، وتعاونوا مع حلفائهم على منع فخر الدين الثاني من الاستيلاء على القدس كما خطط لذلك، وقاموا بحماية الحجاج كل عام، ومن أشهر آل فرّوخ الذين تصدّوا لتوسعات فخر الدين، الأمير محمد بن فرّوخ الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه الأمير فرّوخ بن عبد الله وهو في طريقه إلى مكة على رأس قافلة الحج الشامي. وكان محمد قد عزل عن نابلس عدة مرات، ثم عاد إليها بفضل الدعم الذي لقيه من العثمانيين ضد عدوه الأمير فخر الدين الذي طمع بمنح حكومة نابلس لأبنائه وأعوانه، وتولى محمد بن فرّوخ إمارة الحج الشامي في معظم الفترة ما بين 1031 هـ/1622 م إلى 1048 هـ/1639 م،  تاريخ وفاته(25).

أما مركز القوى الثالث في فلسطين فكان آل رضوان حكّام غزة ذوو الأصل التركي، الذين توارثوا حكم سنجق غزة بضعة أجيال من منتصف القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي إلى أواخر القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، أي قرابة القرن ونصف القرن(26)، وكان آل رضوان أبرز وأقوى أمراء الحلف الثلاثي الذي ضمهم مع آل طراباي وآل فرّوخ، حيث واجهوا فخر الدين ومخططاته، وأهم أمراؤهم الذي يعنينا في هذه الدراسة، حسن بن أحمد رضوان (1009 ـ1054 هـ/1600 ـ1644 م) بسبب دوره في صد خطر فخر الدين(27).

ومهما يكن من أمر، فثمة أسباب عدة دعت فخر الدين فور توليه مقاليد السلطة للنظر إلى أبعد من إمكانياته المتاحة لديه ولأسرته منها:

  1. طموحه بإقامة لبنان على نطاق أوسع، وبالتالي قطع أخر صلة له بالدولة العثمانية.
  2. السير في إمارته نحو التطور والازدهار(28).
  3. علاقته المتميزة مع المسيحيين خاصة الموارنة منهم، بعدما شعر بعدم ارتياحهم لسياسة آل سيفا تجاههم. وكان ذلك حافزاً له يعطيه القدرة على تحقيق مطامحه في التوسع.
  4. تجاوزات آل سيفا وانتقاصهم من حقوق أسرته بالاعتداء على ممتلكاتها وامتيازاتها.
  5. طموحه بتحقيق أمجاد جده فخر الدين الأول التي لم يستطع استكمالها بسبب مقتله(29).
  6. استغلاله لبوادر الضعف والترهل التي بدأت تظهر على جسد الدولة العثمانية خاصة عندما تم السماح لغير الإنكشاريين من الفلاحين والحرفيين بالانخراط في سلك الانكشارية بعد أن كانت حكراً لهم(30).

كما استفاد فخر الدين كذلك من المواهب التي منحته إياها الطبيعة، فاندفع بخطىً حثيثة نحو الميدان السياسي الذي شغف به، وسرعان ما استطاع أن يحكم بنفسه، فأظهر مقدرة فائقة في تسيير دفة الحكم مستلهماً السياسة والمخططات التي اتبعها وسار عليها أسلافه من الأمراء واتبع منهجها بعدما وجدها ترضي طموحه البعيد المدى(31).

بعدما استهل فخر الدين الثاني حكمه على جبل لبنان تسلّم من السلطان العثماني سنجقي بيروت وصيدا. وبدأ طموحه السياسي يتّقد في توسيع رقعة إمارته، فساعد العثمانيين في القضاء على عدوه الأمير منصور بن الفريخ حاكم البقاع ونابلس وصفد وعجلون بعدما خشيت السلطات العثمانية، خاصة والي دمشق مراد باشا، من ازدياد قوته ونفوذه، فتم قتله في 13ربيع الأول 1002هـ/7كانون الأول (ديسمبر) 1593م(32).

كما حمل فخر الدين على جاره ووالد زوجته، يوسف باشا سيفا، وبعد معارك عدة أشهرها موقعة نهر الكلب عام 1007هـ/1598م ـ كما أسلفنا الإشارة ـ تمكن من السيطرة المؤقتة على شمال لبنان، ولم يلبث أن خضع له بنو حرفوش في بعلبك، وزعماء البدو في البقاع وفي المنطقة الجنوبية حتى الجليل، مستغلاً فترة انشغال السلطان أحمد بقتال المجريين في أوروبا والصفويين في بلاد فارس(33).

ورغم أن العثمانيين لم يتخذوا موقفاً بعينه من فخر الدين بعد تحرشه بيوسف باشا حليفهم الرئيسي في لبنان، إلا أنهم سرعان ما انقلبوا عليه بعد تحالفه مع علي باشا جانبولاد (جنبلاط)(34) أحد أفراد الأسرة الكردية الحاكمة في كِلّس والذي كان قد اغتصب السلطة في حلب عام 1015هـ/1606م، وكان علي باشا هذا مناوئاً ليوسف باشا سيفا منافس فخر الدين، لذلك عندما هُزم ابن جنبلاط من العثمانيين آثر فخر الدين إيجاد تسوية عاجلة مع العثمانيين، غير أن الوقت كان قد أدركه، فالخصومة المحلية بين آل معن وآل سيفا كانت قد كلفت فخر الدين توريط نفسه في الاشتراك في تواطؤ خطير مع المتمردين على الحكم العثماني، الأمر الذي سيكلفه فيا بعد فقدان إمارته لبعض الوقت(35).

فلسطين ومشروع فخر الدين الإقليمي التوسعي:

ليس بوسع أيّ من الباحثين قراءة أهمية فلسطين في المخطط التوسعي الذي وضعه الأمير فخر الدين إلاّ من خلال زاوية الصراع القيسي ـ اليمني الذي اشتعلت أواره حتى قبل استيلاء العثمانيين على بلاد الشام، هذا الصراع الذي شمل مساحة واسعة من لبنان وفلسطين، لسيادة النظام القبلي فيهما.

وبناءً عليه؛ فإن أبرز السمات التي ميّزت المجتمع في المقاطعات اللبنانية في العهد المعني، هي انقسام هذا المجتمع انقساماً حزبياً لا طائفياً، بحيث يلتقي في الحزب القيسي كما في الحزب اليمني أُسر ورجال من جميع الطوائف دون عقد طائفية ولا حساسيات مذهبية، وكانا هما الحزبان الوحيدان اللذان عُرفا في ذلك العهد، وبمعنى آخر كان الحزب الواحد يضم أتباعاً من مذاهب مختلفة، كالسنّة والمتاولة (الشيعة) والموارنة المسيحيين والدروز(36)، وفي الوقت نفسه كان الحزب الآخر يضم أيضاً أتباعًا من المذاهب ذاتها، وخلاصة الأمر أن ولاء الفرد كان للحزب الذي ينضم إليه، وليس للمذهب الديني الذي ينتمي إليه.

أما في فلسطين ونظراً لعدم وجود اختلافات مذهبية عميقة كشأن لبنان، ونظراً لديانة معظم القبائل العربية فيها بالإسلام، خاصة المذهب السنّي، فقد كان الانقسام فيها إلى حزبين اثنين أيضاً وتحت ذات المسمى، القيسي واليمني؛ ولكن على أساس الأصول الأولى لتلك القبائل.

ومهما يكن من أمر، فقد استطاع الأمير فخر الدين والمعنيون رغم هذا الانقسام الاجتماعي إلى إثبات نفوذهم في لبنان الجنوبي(37) أولاً، ثم في شمال فلسطين ثانياً، وكان بعض الأمراء المحليين في فلسطين قد استفادوا من انشغال فخر الدين في تقوية نفسه لمواجهة ولاة دمشق المتعاقبين وأعدائه التقليديين آل سيفا، فتنفسوا الصعداء على إثر القضاء على حكم آل فرّيخ الذين سبق أن وسّعوا نفوذهم على حسابهم، وأشهر هؤلاء الأمراء أحمد بن رضوان حاكم غزة الذي توفي عام 1015هـ/1606 ـ1607م(38)، وحمدان بن قانصوه أمير عجلون والكرك، وطراباي بن قراجا حاكم اللجون الذي خلفه بعد وفاته عام 1010هـ/1601 ـ1602م، ابنه أحمد(39)، والأمير فرّوخ بن عبد الله حاكم نابلس والقدس(40).

وكانت إمارة الحج الشامي تنتقل بين هؤلاء الأمراء المحليين، حسب قوتهم ورضى الدولة عنهم، ولكن فيما بعد تعرض هؤلاء الأمراء لضغط فخر الدين وقتاله لهم، بعد أن ازدادت قوته وترسّخ نفوذه، وكان ضغطه يخف عنهم عندما ينشغل بالقتال مع الولاة العثمانيين أو آل سيفا(41).

غير أن هؤلاء الحكام لم يكونوا على قدر من القوة الكافية لبسط نفوذهم على مساحات من الأرض، كما كانت سلطاتهم غير ثابتة ومعرضة للتغيير من حين لآخر؛ بسبب سياسة الباب العالي، وبما أن جبل لبنان وجنوبه كان يرضخ لنفوذ الأسرة المعنية التي تميّزت بطموحها السياسي الإقليمي على زمن فخر الدين الثاني؛ فإنه من الطبيعي أن تتعرض فلسطين لتجاذب القوى المحلية والإقليمية، وأن تترك الأسرة المعنية آثارها السياسية على مساحات واسعة من أراضيها، وبخاصة في المناطق الساحلية والشمالية(42).

ويعزو البعض السبب الذي دعا المعنيين بزعامة فخر الدين للاهتمام بمنطقة شمال فلسطين، إلى وجود عدد من الروابط الاجتماعية والقبلية والطائفية بين المعنيين وبعض الأسر الدرزية الفلسطينية التي تقطن صفد وبعض نواحي الجليل، حيث كان لهذه الروابط دورها وأثرها الخاص في صياغة الطموح المعني في فلسطين؛ وبالتالي في تشكيل طبيعة العلاقة السياسية التي ربطت ولازالت تربط بين الإقليمين، ويتأكد ذلك إذا علمنا أن زعامة المعنيين في لبنان نفسها كانت مهددة في كثير من الأحيان، بعددٍ من المنافسين الأقوياء سواء كانوا منافسين قبليين أم من الطوائف الدينية الأخرى(43).

هذا السبب السابق ذكره ليس كافياً لزعيمٍ في حجم فخر الدين للاهتمام بأمور شمال فلسطين، لكي يشنّ عدة حملات متتالية كان هدفها الاستيلاء على كامل فلسطين لا الجزء الشمالي منه فحسب، وبالإمكان إيراد بعض النقاط التي تهدم الفكرة من أساسها:

  1. أن القتال خلال القرون الثلاثة السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر لم تكن لأسباب طائفية، بل حزبية في المقام الأول، متعلقة بالصراع بين الحزبين القيسي واليمني، وبالتالي ليس كل الدروز من القيسية لكي يناصرهم فخر الدين، فهنالك دروز ينتمون للحزب اليمني كآل علم الدين المنافسين للمعنيين، لذلك كان من الممكن أن يدخل فخر الدين نفسه في صراع مع أسرة درزية مغايرة له في الانتماء الحزبي لو كانت مصالحه تتعارض مع مصالحها.
  2. لا يُعقل أن يرهن فخر الدين مصيره السياسي كله ويضحي بمجمل ما حققه من مكتسبات في لبنان من أجل عدد من الأسر الدرزية التي تسكن منطقة الجليل الفلسطيني، ولا يُعقل أساساً أن يكون قد صاغ مخططاته وطموحاته من أجل تلك الأسر فقط، خاصة إذا ما علمنا أن الطائفة الدرزية في شمال فلسطين لم تكن آنذاك معرضة للخطر أو أية ابتزازات سياسية من الطوائف الأخرى، حيث لم يرد في أيّ من المصادر التاريخية ما أفاد عكس ما قررناه.
  3. أن العلاقة السياسية التي ربطت بين لبنان وفلسطين في عهد فخر الدين جد مختلفة؛ ففي لبنان ثائر انفصالي حاول قصارى جهده فصل لبنان عن محيطه العثماني، وفي فلسطين زعامات محلية موالية تماماً للسلطات العثمانية وتأتمر بأمرها. وما محاولة فخر الدين للاستيلاء على فلسطين، إلاَّ نوع من الطمع والشبق في الاستحواذ على أملاك الآخرين من أمراء فلسطين المحليين.
  4. ليس من المقبول منطقياً في العُرف السياسي والعسكري أن تكون زعامة أسرة مهددة في كثير من الأحيان بعدد من المنافسين الأقوياء في منطقة ما؛ أن تدفع عنها هذا التهديد بالتوجه نحو مناطق أخرى للاستيلاء عليها، وفخر الدين ليس ساذجاً إلى هذا الحد ليورط نفسه في مشاكل جديدة؛ لأنه بذلك يدفع مصيره السياسي ومستقبل أسرته نحو الهاوية؛ فالذي يتعرض لمشاكل داخلية في بلده حري به معالجتها والقضاء عليها قبل التوجه للغزو خارجها، وكما ستكشف الدراسة؛ فإن الأوقات التي جرّد فيها فخر الدين حملاته على فلسطين وشرقي نهر الأردن كانت فيها سلطته قوية بعدما يكون قد انتصر على أحد منافسيه في لبنان أو حتى على والي الشام نفسه، ومع هذا فإن معظم حروبه في فلسطين انتهت بهزيمته.

ومهما يكن من أمر، فأولى اهتمامات فخر الدين لبسط سيادته علي فلسطين كانت عقب استيلائه على منطقة البقاع الغنية، مستغلا فرصة القضاء على حكامها من آل فريخ، فمد نفوذه من البقاع حتى صفد في شمال فلسطين(44)، ويلاحظ هنا أن امتداد نفوذ فخر الدين إلى صفد كان ناجما عن استيلائه لمنطقة كانت تخضع لنفوذ أسرة إقطاعية (آل فريخ) كان حكمها يمتد من البقاع إلى صفد ونابلس وعجلون، أو إن جاز التعبير، فقد ورث ممتلكات آل فريخ حتى صفد في المرحلة الأولى، وليس بسبب ارتباطه الطائفي بإخوانه الدروز في شمال فلسطين.

وأدى زوال حكم آل فريخ الذين كانوا يشكّلون قوة عازلة بين ولاة دمشق وفخر الدين وامتداد نفوذ الأخير على البقاع إلى ازدياد الاحتكاك والمنافسة بين الطرفين، خاصة وأن المناطق التي أصبح فخر الدين يسيطر عليها كانت تمر فيها الطرق الرئيسية التي تربط بين دمشق والساحل، وبين دمشق وفلسطين ومصر؛ وبالتالي تتحكّم في سلامة قافلة الحج الشامي، ومن ثمّ بدأت المشاحنات والصراعات بين فخر الدين وولاة دمشق(45).

ورويداً رويداً، رسّخ فخر الدين موقعه السياسي باللعب بمهارة على وتر جشع وخلافات نُخب الحكم العثماني. وكانت سياسة "فرّق تسُد" إحدى السياسات التي مارسها بدقة فائقة، بل وأكثر انتظاماً مما مارسها العثمانيون أنفسهم، حيث كان أعوانه ووكلاؤه في الآستانة يسارعون في إحباط وتفادي أية معارضة من جانب مسئولي الدولة بالرشاوى الباهظة(46)، كما أنه عمد إلى تكوين جيشٍ خاصٍ من السكّبان(47) المرتزقة، إضافة إلى أتباعه من الدروز والقيسية، وحصّن القلاع في منطقته، وأجرى اتصالات مع آل مديتشي Midici حكّام دوقية توسكانيا Tuscany في فلورنسا(48) الإيطالية للحصول منهم على مساعدة عسكرية وفنية، إضافة إلى تنشيط التبادل التجاري بين إمارته معهم، خاصة تجارة الحرير، التي كانت مزدهرة في منطقة الشوف(49).

وفي ظل هذه الظروف تعرّض شمال فلسطين عند مطلع القرن السابع عشر لنفوذ الأسرة المعنية إلى حدٍ كبير، فقد كان من أهم أهداف سياسة فخر الدين توسيع مجال نفوذه إلى ما وراء جبل لبنان ليشمل أراضٍ جبلية أخرى، خاصة حوران في سوريا ونابلس وعجلون في فلسطين وشرقي نهر الأردن، وكانت هذه المناطق شأنها شأن لبنان نفسه تسكنها أقوام مضطربة ومتمردة وسلطة العثمانيين عليها هشّة، وتمكن فخر الدين من اصطناع أعوان له بين رؤساء ووجهاء تلك المناطق ودعمهم ضد منافسيهم، مما شكّل تحدٍ مباشر للولاة العثمانيين المتعاقبين في دمشق بعدما أصبح بمقدوره تهديد طريق الحج إلى الحجاز، وقد واصل فخر الدين بوجه عام سياسته الشمالية بثبات بحيث لم يجعل من نفسه شخصاً غير مرغوب فيه لدى السلطات العثمانية، لكنه تحرّك في الجنوب بصعوبة محاولاً قدر الإمكان عدم الإثارة ولفت الانتباه لما يقوم به من توسّع(50).

ومهما يكن من أمر، فقد نجح فخر الدين في استرضاء الباب العالي وانتزع ببراعته وحنكته السياسية فرماناً سلطانياً عام 1012هـ/1603م يقضي بتوليه على كل لبنان، وعلى الأجزاء الشمالية من فلسطين وتملكه على بلاد صفد، في مقابل تعهده للباب العالي بتقديم المستحقات المالية المترتبة عليه، بالإضافة إلى وعده للسلطان العثماني بمقاسمته في كل ما يحصل عليه من أموالٍ وغنائمٍ في حروبه المقبلة(51).

ويرى البعض أن هذا الاتفاق قد أباح لفخر الدين ولو بصورة غير مباشرة بسط نفوذه على القوى المجاورة في فلسطين، حتى وان كانت هذه القوى معينة من قبل الباب العالي وموالية له(52)، غير أن هذا الرأي ينافي تماماً صحة ما سبق أن ذكرناه آنفاً، من أن تقدم فخر الدين نحو فلسطين واصطناعه للأعوان بين زعمائها، قد أثار حفيظة ولاة دمشق العثمانيين، نظراً للتهديد المباشر الذي سيشكّله فخر الدين في حال نجاحه في مشروعه التوسعي من تهديد لطريق قافلة الحج الشامي، ناهيك عن مصلحة السلطان العثماني في ذاك الوقت، التي تقتضي استقرار الأوضاع الأمنية في منطقة حساسة بالنسبة لإمبراطوريته وتعتبر من أهم مفاصلها الرئيسية، خاصة وأن الصراع العثماني ـ الصفوي مازال مستعراً، من هنا، فإن مصلحة العثمانيين اقتضت دعم أعوانهم في فلسطين لا إثارة قوى جديدة ضدهم، وهو ما حدث بالفعل كما قررت المصادر التاريخية، الأمر الذي سوف نفصله لاحقاً.

وسرعان ما توترت العلاقات بين فخر الدين والدولة العثمانية بعد صلحها مع النمسا عام 1015هـ/1606م، وقضائها على تمرد علي باشا جنبلاط ـ الذي كان متحالفاً مع فخر الدين ـ في شمال سوريا في العام التالي، فكلّفت ولاة دمشق بالتصدي له خوفاً من استشراء نفوذه، وتهديده للطرق الرئيسية، بالإضافة لخشية الدولة من طعنه لها في الخلف في أثناء انشغالها في حروب الصفويين(53).

والظاهر أن الأمير أحمد بن طراباي الحارثي حاكم اللجون أقحم نفسه في الصراع الذي دار بين العثمانيين ومعهم يوسف باشا سيفا والي طرابلس وعلي باشا جنبلاط؛ فبعد هزيمة يوسف باشا أمام قوات ابن جنبلاط قرب حماة 1015هـ/ 1606م استقبله الأمير أحمد بكل حفاوة وإكرام، ورفض تسليمه لابن جنبلاط، لأن ابن سيفا كان حليفه الطبيعي تجاه مطامع فخر الدين في الأجزاء الشمالية من سورية الجنوبية، وبصفة خاصة بعدما استولى فخر الدين على سنجق صفد، وأظهر طمعه بسنجق عجلون، إضافة إلى أن هذا التصرف من جانب ابن طراباي كان منسجماً مع ميوله اليمنية مقابل ميول فخر الدين القيسية، وأخيراً موالاته للسلطة العثمانية مقابل تمرد فخر الدين عليها(54).

وبناءً على ما سبق؛ فإن الصراع في بلاد الشام عامة وفي لبنان وفلسطين خاصة لم يكن وقتذاك ذا نعرة طائفية بقدر ما كان تنافس على الإقطاع والسلطة والنفوذ والمطامع التوسعيّة بين القوى المحلية المنقسمة إلى حزبي القيسية واليمنية.

ويبدو أن الأمير أحمد بن طراباي رغم مناصرته للعثمانيين في حربهم ضد ابن جنبلاط، قد آثر عدم الانضمام إلى حملة مراد باشا والي دمشق على الأخير، معتذراً عن السفر ومكتفياً بإرسال رسول وهدية، بعدما رأى أن لا مصلحة له في حرب بعيدة عن حدوده، خاصة وأن خطر فخر الدين محدق به وأطماعه مجاورة له، بعد أن مدّ الأخير نفوذه على سناجق صيدا وبيروت وغزير(55).

ولمواجهة الخطر الذي شكله فخر الدين على نفوذ العثمانيين في فلسطين، وللحد من نفوذه المتصاعد، عيّن الباب العالي والياً جديداً على دمشق عام 1018هـ/1609م هو أحمد باشا الحافظ، الذي جعل كل همّه مقاومة فخر الدين، وقد بدأ أحمد باشا عهده بإثارة الأمراء المحليين المعادين لفخر الدين ضده(56)، مع العلم أنه نادراً ما كان يحدث اتفاق وإجماع بين مناوئ فخر الدين المحليين ووالي دمشق والحكومة المركزية في الآستانة، وقد أدّى هذا الاتفاق إلى إمكانية وجود عمل جماعي مؤثر ضد فخر الدين(57).

عمد أحمد باشا الحافظ إلى تشجيع آل سيفا حكّام طرابلس وأثار الاضطرابات على فخر الدين في منطقتي البقاع وعجلون الخاضعتين لسيطرته ونفوذه، كما حاول القضاء على حلفاء فخر الدين مثل الأمير يونس الحرفوش حاكم بعلبك والأمير أحمد الشهابي حاكم وادي التيم؛ لكنه فشل في مسعاه بعدما أرسل فخر الدين النجدة لهما. هذا الفشل الذي لقيه أحمد باشا دعاه إلى طلب مقابلة الصدر الأعظم نصوح باشا في حلب ـ الذي كان بدوره معادياً لفخر الدين ـ والاشتكاء له من تصرفات فخر الدين، وممن رافق الوالي في المقابلة المذكورة الأمير فرّوخ بن عبد الله الذي أنعم عليه نصوح باشا بسنجقية نابلس وعجلون والكرك عوضاً عن حمدان بن قانصوه(58)، كما عزل الصدر الأعظم الشيخ عمرو شيخ عرب المفارجة عن بلاد حوران وأعطاها للشيخ رشيد شيخ عرب السرديّة، ما دعا الزعيمين المعزولين لطلب النجدة والمساعدة من فخر الدين، لكنه تلكّأ في نجدتهما وطلب منهما إمهاله بعض الوقت لتسوية الأمر مع الصدر الأعظم(59).

ويبدو أن الأمير فخر الدين واجه ضغوطاً من جانب رجال حاشيته، فاضطر لتجريد حملة عسكرية جعل قيادتها لولده الأمير علي ذو الخمسة عشر عاما ً، فتمكن من إلحاق الهزيمة بفرّوخ وعرب السرديّة في المزيريب بأرض حوران في غرة ربيع الثاني 1022هـ/1613م، ونجح الأمير علي وأعوانه من دخول عين جالوت في بلاد عجلون، فأعاد الأمير حمدان بن قانصوه إلى عمله السابق في سنجقية عجلون(60).

ولما كان الوقت في غير صالح فخر الدين بعدما تكالبت القوى المعادية له لا للحد من نفوذه فحسب، بل للقضاء المبرم عليه وعلى إمارته، فقد أصدرت السلطات العثمانية الأوامر لأحمد باشا الحافظ بالزحف على فخر الدين، وانضم إليه الأمراء المحليون كالأمير فرّوخ، والأمير أحمد بن طراباي، وآل سيفا، ومدّه السلطان بقواتٍ من حلب والأناضول، كما أُرسلت مجموعة من السفن الحربية إلى الساحل اللبناني، فاكتسحت القوات العثمانية فخر الدين.

ولما رأى فخر الدين ألاَّ طاقة له بالتصدّي لقوة والي الشام وحزبه، ورأى شدة حصاره لقلعة الشقيف في جنوب لبنان المحصنة، وإلى إرساله لقوات أخرى ضد الشوف نفسه معقل فخر الدين، إضافة إلى تيقّن الأخير من عجز حلفائه وعدم اكتراثهم به وبمصيره، عند ذاك اضطر إلى التوجه إلى صيدا، ومنها سافر بحراً إلى ليغهورن  Leghorn  أحد مرافئ دوقية توسكانيا الإيطالية في غرة شعبان 1022هـ/أيلول (سبتمبر) 1613م، حيث ظل فيها مدة خمسة أعوام عند أصدقائه من آل مديتشي، وخلفه ابنه الأمير علي في إمارة الشوف بمساعدة عمه الأمير يونس المعني، وبهذا التصرف أنقذ فخر الدين الإمارة المعنية من الانهيار لتبقى تحت تصرف عائلته(61).

ترتب على فرار فخر الدين إلي إيطاليا أن ولّت الدولة العثمانية على صفد بستانجي حسن باشا، بالإضافة إلى صيدا وبيروت وغزير في جمادى الأول 1023هـ/1614م، كما حاولت الدولة في العام نفسه إجراء تنظيم إداري جديد في ولاية دمشق، فاقتطعت ناحيتي صيدا وبيروت ولواء صفد وشكّلت منهم ولاية جديدة عُرفت باسم "ولاية صيدا"، لكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح، فصرفت الدولة العثمانية النظر عنها وأعادت الولاية الجديدة إلى ما كانت عليه في السابق من حيث تبعيتها لولاية دمشق(62).

لم يؤدِ اختفاء فخر الدين المؤقت عن الساحة اللبنانية إلي خفت وميض المعنيين السياسي، فقد واصل الأمير علي بن فخر الدين سياسة والده التوسعية لاستعادة ما تم فقدانه، وانتهز فرصة تعيين والٍ جديد على دمشق نشانجي أحمد باشا عام 1027هـ/1617م، فطلب منه سنجقية صفد كما كانت قبل سفر والده إلى أوروبا، فصدر فرماناً سلطانياً بتقرير سنجق صفد وصيدا وبيروت وغزير للأمير علي(63).

ويبدو أن حكّام فلسطين المحليين قد تنفسوا الصعداء خلال فترة الخمس سنوات التي قضاها فخر الدين في أوروبا، فاستراحوا خلالها من الضغوط التي كان يمارسها عليهم، كما أن ابنه الأمير علي كان مشغولاً بترتيب بيته من الداخل. وعلى أية حال، فخلال الفترة التي أمضاها فخر الدين في أوروبا، كان الوضع في الدولة العثمانية قد بدأ يتغيّر لصالحه، فعدوه اللدود نصوح باشا عُزل عن الصدارة العظمى، وأحمد باشا الحافظ والي دمشق ترك منصبه، والدولة نفسها منهمكة في حروبها مع الصفويين، وبوساطة مستشاره والأمير يونس الحرفوش أمير البقاع حصل من الدولة العثمانية على عفو، وعاد إلى لبنان عام 1027هـ/1618م(64).

وتجدر الإشارة إلى أن عودة فخر الدين من أوروبا لم تكن مباشرة إلى أحد المرافئ اللبنانية كصيدا أو بيروت، وإنما رست السفينة التي أقلته في مرفأ عكا(65) الفلسطيني، وقد يحتار المرء لهكذا تصرف من جانب فخر الدين، فيقيناً هو يعلم مسبقاً بأن بيروت وصيدا تخضعان لنفوذ ابنه "علي"، وبالتالي فبإمكانه النزول في إحدى هاتين المدينتين، ويرى الباحث أن اختيار فخر الدين لعكا لتكون أول بقعة تطأها قدمه بعد عودته من منفاه الاختياري، لها رمزية خاصة لديه، تبيّن أهمية فلسطين في مشروعه التوسعي سواء كان قبل مغادرته إلى أوروبا أو في مخطّطاته اللاحقة التي نوى أن يشرع في تنفيذها، هذا من جانب، أما من جانب آخر، فهي توضح بجلاء أن عكا وقتذاك كانت تحت سيطرة ابنه الأمير علي، وفخر الدين يقيناً على علمٍ بذلك مسبقاً.

وللتدليل على صحة ما سبق الإشارة إليه، فقد أوردت بعض المصادر التاريخية، أن فخر الدين لما نزل عكا سأل عمن يحكم في تلك المنطقة، فأخبره مستقبلوه بأن ولده عليّاً هو الحاكم فيها، وأنه يقوم الآن بجولة في قرية أبي سنان الفلسطينية ليجمع المال منها، فأرسل فخر الدين في استدعائه(66).

والحقيقة أنه رغم التأكيد بأن المرفأ الذي نزل فيه فخر الدين هو عكا، لكن من غير المعقول هو تصديق ما أورده كلٌ من الخالدي الصفدي وحيدر الشهابي من عدم معرفة فخر الدين لحاكم عكا وقتذاك، الأمر الذي يدعو للحيرة واللبس، فالمنطق يحتم علينا الجزم بمعرفته المسبقة لهذا الحاكم قبل أن تطأ قدماه منطقة نفوذه لسببين اثنين هما:

  1. يُفترض أن عودة فخر الدين من منفاه الاختياري إلى الشرق قد تمت بتنسيق مسبق مع أعوانه وعلى رأسهم ولده "عليّاً.
  2. لو لم يكن يعلم أن ابنه "عليّاً" هو الحاكم الفعلي لعكا، لِما أقدم على هذا الأمر خشية وقوعه في أيدي أعدائه من زعماء فلسطين المحليين.

وما أورده الخالدي الصفدي وحيدر الشهابي لا يعدو أكثر من مبالغة لإظهار فخر الدين بمظهر الزعيم القوي الذي لا يخشى بأس أعدائه، والعائد لاسترداد ممتلكاته التي افتقدها من قبل.

ومهما يكن من أمر، فقد بدأ فخر الدين إثر عودته من أوروبا بتوطيد سلطته من جديد، فاهتم بتطوير اقتصاديات بلاده، خاصة في مجال الزراعة، واستخدم عائدات الجمارك في بيروت وصيدا لتمويل جيشه(67)، وعمد بعض مناوئيه إلى استرضائه، فأرسلوا له الهدايا كالأمير أحمد بن طراباي، والأمير أحمد بن حمدان بن قانصوه، والأمير أحمد بن الحرفوش، ويوسف باشا سيفا، وقد قبل فخر الدين جميع الهدايا المقدمة له من الأمراء عدا هدية يوسف باشا التي ردّها عليه(68)، تعبيراً عما يكّن في صدره من عداوة له.

ويؤخذ على فخر الدين أنه بدأ العمل بنشاطٍ وهمّةٍ لتحقيق أهدافه القديمة متبعاً الأسلوب القديم الذي كان قد اتبعه من قبل(69)، ففي غرة رجب 1028هـ/1618م عزل العثمانيون الأمير أحمد بن حمدان بن قانصوه عن سنجق عجلون، كما عزلوا الشيخ عمرو عن مشيخة حوران، وولوا مكانهما ابن قلاوون وهو من أصل تركي والشيخ رشيد، واضطر الأميران المعزولين لطلب النجدة من فخر الدين لإعادتهما إلى منصبيهما السابق، فنجح في استصدار فرمان من الباب العالي بهذا الشأن في شوال من العام نفسه(70).

ويبدو أن الأمير أحمد بن طراباي قد شعر في تلك الأثناء بأن موازين القوى آخذة في التغيير لصالح فخر الدين، فبعد نجاح الأخير في مسعاه السابق بإعادة أعوانه إلى مناصبهم، انتهز فرصة وجود فخر الدين في تل الهريج بالقرب من صفد، وأرسل إليه ابنه الأمير طراباي ومعه هدية قبلها فخر الدين، فازدادت بينهما أواصر الأُلفة والمودة(71).

وفي عام 1030هـ/1620م وفي أثناء وجود الأمير فرّوخ أمير الحج الشامي في الآستانة بدعوة من السلطان عثمان الثاني، كلّفه السلطان المذكور ببناء قلعة في الطريق الذي تسلكه قافلة الحج يُسمى "المُعظّم"، ورصد لذلك المشروع خمسين ألف غرش، وانتهز فرّوخ باشا تلك المناسبة والتمس من السلطان تعيين الأمير بشير عم الأمير أحمد بن قانصوه حاكماً على سنجق عجلون لكونه أحد مرافقيه وحلفائه، ليساعده في بناء القلعة، وتعيين الشيخ رشيد لمشيخة حوران، فتم له ذلك.

ومرة أخرى استنجد الأمير أحمد بن قانصوه والشيخ عمرو بالأمير فخر الدين لمساعدتهما على العودة إلي منصبيهما، لكنه هذه المرة كان حازماً في رفضه لطلبهما خشية اتهامه بتعطيل بناء القلعة التي أُوكل لفرّوخ باشا بإنجازها من جهة، وللبرود الذي كان قد اكتنف علاقته بالأمير أحمد والشيخ عمرو بسبب قتل فخر الدين لسلطان كتخدا الأمير أحمد، فاضطرا للتوجه إلى بلاد الأمير أحمد بن طراباي حيث توفى الشيخ عمرو في دياره، ثم توجه ابن قانصوه للآستانة في محاولة لاستعادة سنجقه(72).

وتلاحقت الأحداث فيما بعد بصورة دراماتيكية بين مدٍ وجزر بين القوى المحلية في ادعاء كلاً منها بملكيته للسناجق، فالأمير أحمد بن قانصوه نجح في الحصول على قرارٍ بعودته إلى سنجق عجلون، لكن باشا دمشق لم ينفذه لحلول موعد خروج قافلة الحج الشامي، وخشيته من عزل الأمير بشير والشيخ رشيد في ذلك الوقت حتى لا يعطّلا سير القافلة، وهو الموقف نفسه الذي سلكه فخر الدين معه عندما استنجد به، وكان فخر الدين يحاول قدر الإمكان تعطيل تسلّم الأمير أحمد بن قانصوه لسنجق عجلون طمعاً منه بمنحها لابنه الأمير حسين(73).

توجه الأمير أحمد بن قانصوه إلى ديار الأمير أحمد بن طراباي مرة أخرى طلباً للاستقرار فيها، وخلال إقامته عند ابن طراباي تعرّض لهجومٍ من جانب عمه الأمير بشير، فتضايق ابن طراباي من تلك الفعلة وكتب لفخر الدين ملتمساً منه مساعدة أحمد بن قانصوه في استعادة سنجقه، ويبدو أن فخر الدين قد يئس من وصول فرمان من الآستانة بمنحه سنجقية عجلون لابنه حسين، فخشي من وجود أعداء مجاورين لمناطق نفوذه، وقرّر بالفعل مساعدة أحمد بن قانصوه وجرّد حملة في ذي القعدة 1031هـ/1621م على الأمير بشير، ضمت الأمير قاسم ابن الأمير علي الشهابي، والأمير طراباي ابن الأمير أحمد بن طراباي، فلما سمع الأمير بشير بوصول التحالف المذكور إلى جسر المجامع هرب مع الشيخ رشيد، واستعاد أحمد بن قانصوه سنجقية عجلون الذي قام فيما بعد ـ اعترافاً منه بالجميل ـ بتأجير منطقة الغور الغربي نواحي بيسان للأمير علي بن فخر الدين(74).

أضحت قوة فخر الدين طاغية لدرجة أن والي دمشق في العام التالي التمس منه تقديم إعانة مالية لقافلة الحج والخروج لملاقاتها في طريق عودتها، كما منحه سنجقية عجلون باسم ابنه الأمير حسين بعد أن كان قد قنط تماماً من حصوله عليها. ويبدو أن الأمير أحمد بن قانصوه قد قبِل هذا الأمر مُكرهاً، وفي ذلك يقول الخالدي الصفدي: "وكان جواب الأمير أحمد السمع والطاعة لله ولرسوله ولولي أمره، ولكن كأنما في قلبه الجمر. وقال: أنا أولاً وآخراً منك وإليك وبسنجق وغير سنجق محسوب عليك". ثم غادر عجلون وتوجه بـأهله إلى بلاد حوران في ضيافة الشيخ حسين بن عمرو(75).

ولما كان الأمير فرّوخ حاكم نابلس قد تُوفي في مكة أثناء قيادته لقافلة الحج الشامي في 1030هـ/1621م، أصدر الصدر الأعظم "مرّه حسين" أحكاماً بتعيين محمد بن فرّوخ محل أبيه، لكن مصطفى باشا والي الشام رفض التصديق على تلك الأحكام، ما دعا ابن فرّوخ للتوجه للآستانة للمطالبة بحقه بسنجقية نابلس حتى تمكن من الحصول عليها، لكنه لم يهنأ طويلاً بمنصبه الجديد، فسرعان ما سيحصل الأمير حسين بن فخر الدين على فرمانٍ بتوليه سنجقي نابلس وعجلون. ومرة أخرى توجه ابن فرّوخ للآستانة وحصل من الصدر الأعظم على قرارٍ بتوليه إمارة الحج وتقرير سنجق نابلس عليه، كما تم منح سنجق عجلون للأمير بشير بن قانصوه، وصفد لبوستانجي باشا رغم محاولات فخر الدين الحثيثة للحصول على حكم هذه السناجق(76).

استمر فخر الدين في مناصرة أعوانه في فلسطين وشرقي نهر الأردن، خاصة وأن الخلافات قد عادت إلى السطح بين الأمير أحمد بن طراباي وفخر الدين عام 1032هـ/1622م عندما ساند الأول الأمير يونس الحرفوش في صراعه ضد فخر الدين، وعندما شعر ابن طراباي بأطماع فخر الدين التوسعيّة، رغم محاولات ابن طراباي الإصلاحية بين الشيخ عاصي أحد مشايخ نابلس ومصطفى كتخدا أحد أعوان فخر الدين، ونجاحه في إيقاف الاقتتال بينهما، كما مدّ ابن طراباي حكمه على بلاد عجلون واربد ونابلس وأعطى الحكم فيها لمشايخ موالين له في المناطق المجاورة، فاضطر فخر الدين لمهاجمة الأراضي الخاضعة لحكم أحمد بن طراباي واستولى على برج حيفا، وأمر بإحراق قرى الكرمل، وإزاء هذا الاجتياح المدمّر رحل ابن طراباي والأمير بشير بن قانصوه باتجاه نهر العوجا على حدود غزّة(77).

حاول فخر الدين التوغّل جنوباً للحاق بابن طراباي، وتمكن من إحراز نصراً مؤقتاً، إلى أن دارت رحى معركة عنيفة اشترك فيها عرب المفارجة إلى جانب فخر الدين، وعرب السوالمة إلى جانب ابن طراباي، حقق الأخير فيها نصراً مدوّياً، واسترجع وحلفاؤه ما سبق أن فقدوه، بل ولاحقوا فلول جيش فخر الدين، وألحقوا به الكثير من الإصابات رغم محاولات المؤرخ الخالدي الصفدي التقليل من شأن هذا الانتصار بقوله: "وصارت هزيمة من جانب الحق سبحانه وتعالى، وليس هذا ما يعيب الأمير فخر الدين لأن الحرب سجال تارة وتارة والرجال في الحرب لم تزل غدارة"(78).

وفي الوقت الذي كانت فيه ممتلكات فخر الدين في لبنان مهددة من جانب يوسف باشا سيفا والأمير يونس الحرفوش اللذان بدأا بمهاجمتها مستغلين فرصة عدم وجود فخر الدين فيها، قرر الأخير العودة لمواجهة الموقف الجديد، وفي أثناء ذلك أغار الأمير علي بن طراباي شقيق الأمير أحمد، على ساحل عكا، وفي طريق عودته إلى بلاده مرّ بحيفا واصطدم بأحد أعوان فخر الدين، نصوح بلوكباشي وسكمانيته، فقتله ولجأ أعوانه الباقون إلى برج حيفا ثم فرّوا بحراً إلى عكا، كما تلاحقت اغارات أحمد بن طراباي ضد أتباع فخر الدين، خاصة في قرية كفر كنّا(79).

تلاحقت الأحداث وبدأت الأمور تتجه نحو أزمة جديدة، فالعداوات القديمة بين فخر الدين والأمير يونس الحرفوش زعيم البقاع اندلعت من جديد، وكان الأمير يونس في وضعٍ سيئ، وتمكن فخر الدين من الاستيلاء على بلدة قب الياس الاستراتيجية التي من خلالها بسط تحكمه على الطريق الرئيسي المهم الذي يربط دمشق ببيروت، علماً بأن الأمير يونس هذا كان حليفاً لفخر الدين من قبل وساعده في العودة إلى لبنان بعد توسطه لدى الباب العالي، ولكنها السياسة بكل تقلباتها.

أدى ازدياد قوة فخر الدين إلى تنبيه مصطفى باشا والي دمشق الذي عمل على التحالف مع الأمير يونس الحرفوش ويوسف باشا سيفا للإطاحة بغريمهم، ومهما يكن من أمر، فقد نجح فخر الدين في بادئ الأمر عن طريق إغداق الرشاوى الباهظة على حاشية الباب العالي في الآستانة، في الحيلــول دون تدخّل الحكومة المركزية، كما تمكن كذلك من تثبيت امتلاكه لصفد ونابلس وعجلون(80).

غير أن سياسة الباب العالي المعتدلة تجاه فخر الدين لم تستمر طويلاً لصالحه فقد أعاد الأخير صلاته بحكومة توسكانيا وسمح لتجارها بالنزول في موانيه، وأعاد جيش السكّبان الذي بلغ مائة ألف من شعوبٍ شتى، عندئذ منح الباب العالي الإذن لوالي دمشق وحلفائه بمهاجمة فخر الدين لتحجيم دوره، وفي هذا السياق دارت معركة شهيرة في تاريخ لبنان الحديث، هي موقعة عنجر عام 1033هـ/1623م هُزم خلالها مصطفى باشا وتم أسره، أما حلفاؤه فقد دُحروا وتشتت فلولهم تماماً، ثم أُطلق سراح الباشا ـ بوساطة وفدٍ من علماء دمشق ـ الذي اضطر فيما بعد للاعتراف بسلطة فخر الدين وممتلكاته، وبذلك بلغ نفوذه الذروة(81).

كانت موقعة عنجر علامة فارقة في تاريخ فخر الدين الثاني، فآل سيفا قبِلوا أخيراً الخضوع المطلق لسلطته وتقديم المال إليه بعد استيلائه على عكار وهدم قلعتها، ومدّ نفوذه شمالاً حتى حدود إنطاكية(82)، أما الوضع في فلسطين فكان مختلفاً تماماً، فالأمراء المحليون فيها رفضوا الانصياع والرضوخ لسلطته، فهاجم أحمد بن طراباي في العام نفسه أعوان فخر الدين الذين يتولون السناجق الفلسطينية وشرقي نهر الأردن وحوران، واستولى على ممتلكات الأمير أحمد بن قانصوه حاكم عجلون والشيخ حسين بن عمرو حاكم حوران ومنح سناجقهما للأمير بشير عم أحمد بن قانصوه والشيخ رشيد، غير أن فخر الدين لم يُسلّم للأمر الواقع بل ساعد أعوانه في استرداد أملاكهم فيما بعد(83).

وتمكن فخر الدين من الحصول على قلعة الصلت (السلط) وعيّن فيها نائباً عنه، كما استولى على نابلس وعزل محمد بن فرّوخ عنها، وبلغ الأمر بفخر الدين مداه بعدما حصل لابنه الأمير منصور على سنجق اللجون بما فيه مدينة جنين مركز آل طراباي الرئيسي، الأمر الذي لم يتقبله الأمير أحمد بن طراباي فكانت ردة فعله أن شكّل تحالفاً من عرب السوالمة وخيالة نابلس وبلاد عجلون والغور بقيادة محمد بن فرّوخ وعرب غزّة الخاضعين لسلطة حسن باشا رضوان حاكم غزّة، لمهاجمة حلفاء فخر الدين من عرب المفارجة، كما هاجم سواحل عكا وأعمل فيها النهب والتخريب، واستمرت المعارك بين الطرفين سجالاً، وأثبتت القبائل العربية بإمرة ابن طراباي ومؤيديه صلابة في المقاومة تجاه فخر الدين وقواته من السكمانية المرتزقة، خاصة في الموقعة التي دارت عند نهر العوجا قرب يافا عام 1033هـ/1623م، التي انتصر فيها ابن طراباي واسترجع مدينة جنين، وألحق الكثير من الخسائر في جيش خصمه، وقد أشار المؤرخ المحبي لهذه الموقعة بقوله:"أشهر وقعاته (أي أحمد بن طراباي) وقعة يافا، ومعه حسن باشا (رضوان) حاكم غزة، والأمير محمد بن فرّوخ أمير نابلس، فقتل من جماعة معن مقتلة عظيمة"(84).

وتوالت هجمات أحمد بن طراباي على ممتلكات الأمير فخر الدين وتخريبها، واستولى على قرية أبي سنان التابعة لسنجق عكا، وحقق عدة انتصارات أذهلت فخر الدين وولده الأمير علي، ولما كانت تكاليف القتال باهظة على الطرفين المتحاربين فقررا التعايش وفتح صفحة جديدة من الوفاق السلمي أو ما يُصطلح على تسميته في التاريخ المعاصر بالحرب الباردة، وقامت بين الطرفين مفاوضات أسفرت عن صلحٍ في شوال من العام نفسه، من أهم شروطه أن تنسحب قوات فخر الدين من حيفا وبرجها بعد هدمه، وأن يمنع ابن طراباي عربانه عن تخريب بلاد صفد التابعة لفخر الدين، كما يتعهد أيضاً بتأمين الطريق بين بلاد صفد وبلاد حارثة، وتخلّى فخر الدين عن جبل نابلس لابن طراباي، واعترف بامتداد حدود سلطته إلى حيفا، وبذلك لم يعُد أي من الطرفين يتعرض للطرف الآخر(85).

ويبدو أن المتاعب التي واجهت فخر الدين في فلسطين وشرقها قد ازدادت فيما بعد، ففي العام نفسه تعرضت قلعتي الصلت وعجلون لخطر داهم من جانب الأمير بشير بن قانصوه بعدما فرض عليهما حصاراً خانقاً، دعا القائمين على أمرها لتسليمهما له، ولما كان الأمير بشير يدرك أن فخر الدين لن يدعه يهنأ بما حصل عليه من مكاسب أرسل في طلب الصلح معه، وبعد المباحثات التي تمت بين الطرفين، اتفقا على أن يكون الأمير بشير حاكماً على سنجق عجلون نائباً عن الأمير حسين بن فخر الدين(86).

وبحلول عام 1034هـ/1624م استتب الأمر لفخر الدين في فلسطين وما جاورها بعد تيقنه من استمرار أواصر المودة وعلاقته الحسنة بالأمير أحمد بن طراباي، وبشير بن قانصوه، واحتفاظ ابنه الأمير علي بسنجق صفد الاستراتيجي، ووفاة منافسه التقليدي يوسف باشا سيفا(87)، هذا الأمر جعل العثمانيين في موقفٍ صعب لا قِبل لهم بمواجهته بسبب انشغالهم آنذاك بمحاربة الصفويين، لذلك اضطر السلطان مراد الرابع للاعتراف بسلطة فخر الدين ومنحه فرماناً ولاه بموجبه على بلاد عربستان(88) من حدود حلب إلى القدس، كما منحه لقب سلطان البرـ الذي حمله جدّه فخر الدين الأول من قبل ـ شريطة أن يقوم بتقديم مال الميري لخزينة الدولة، وأن يحافظ على الأمن في منطقته، هذا الفرمان المهم حصل عليه فخر الدين مقابل ما دفعه من ثمنٍ غالِ ومرتفع(89).

استمرت سياسة الوفاق بين فخر الدين وأحمد بن طراباي حوالي عشرة سنوات، لكن التوتر عاد بينهما عام 1043هـ/1633م عندما حرّض الأمير علي بن فخر الدين عرب الوحيدات ضد آل طراباي، ويبدو أن فخر الدين كان على دراية بما قام به ولده، فرّد آل طراباي بمساعدة الأمير محمد بن فرّوخ بمهاجمة بلاد صفد التابعة للأمير علي ونهبها، وكان والي دمشق أحمد باشا كوجك قد لعب دوراً مشبوهاً في تأجيج التوتر بين القوى المحلية من جديد، مما أدى إلى مقتل الأمير علي بن فخر الدين(90)، والظاهر أن المهمة التي قام بها والي دمشق جاءت كرد فعل من جانب الباب العالي لعدم سماح فخر الدين لفرقة عسكرية عثمانية كانت متجهة لحرب الصفويين عام 1041هـ/1631م من قضاء فصل الشتاء في دياره، بل وصل الأمر لحد طرده لهذه الفرقة بقوة السلاح(91).

شعر فخر الدين أن ساعة الحسم بينه وبين السلطات العثمانية قد حانت، فبدأ بتعزيز دفاعاته، فبنى حصناً في المنطقة الواقعة بين حلب وإنطاكية، وحُصناً اُخر في قب الياس في البقاع، وبانياس في الجنوب، وتدمر ما زال يُعرف باسمه، وإذا كان السلطان مراد الرابع قد اضطر في بداية عهده لمنح فخر الدين سلطات واسعة في بلاد الشام، لِصغر سنه؛ لكنه عمد فيما بعد إلى إحكام سيطرة الدولة وإبراز هيبتها بعدما بدت عليها بعض الإشارات التي تنمُّ عن تجديد حيويتها، وبعدما خشي من الترتيبات الدفاعية التي قام بها فخر الدين، واستمرار اتصالاته مع الأوروبيين. تلك الأمور مجتمعة دعت السلطان مراد الرابع إلى توجيه أمرٍ لأحمد باشا كوجك عام 1043هـ/1633م بالتوجه لقتال فخر الدين على رأس جيشٍ كبير من جنود الأناضول ومصر، كما أرسل أسطولاً بحرياً لمهاجمة المرافئ والحصون الساحلية، مما أدى لهزيمة فخر الدين واختبائه في قلعة نيحا بضعة أشهر ثم انتقاله إلى كهفٍ حصين قرب جزّين، حتى تمكن العثمانيون أخيراً من إلقاء القبض عليه وإرساله إلى الآستانة أسيراً، ثم إعدامه فيها في 13 نيسان (أبريل) 1635م/1045هـ(92).

أدّى القضاء على فخر الدين وحركته الانفصالية الطموحة لإقامة كيان مستقل عن الدولة العثمانية إلى حدوث فوضى شاملة في لبنان وفلسطين؛ ففي لبنان تجددت العداوات القديمة بين الأُسر الإقطاعية التي كانت تخضع لسلطة المعنيين(93)، كما عمد العثمانيون إلى فصل صيدا عن دمشق، وجعلوا منها ولاية مستقلة عام 1071هـ/1660م لمراقبة شؤون لبنان، وتم فصل بيروت كذلك وألحقوها بدمشق، ولم يظهر في البيت المعني شخصية قوية من طراز فخر الدين الثاني تواصل سياسته(94)، أما في فلسطين، فقد كان فخر الدين قد أضعف في أثناء فترة حكمه بطريقٍ مباشر أو غير مباشر، الأمراءَ المحليين فيها، وبعد مقتله كانت بعض هذه الأُسر الحاكمة قد تلاشت على يديه، بينما بعضها الآخر كان في طريقه للانحلال بفعل تأثيره(95).

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأُسر الحاكمة في فلسطين تصرّفت طوال فترة حكم فخر الدين تصرف الندّ له، خاصة الأمير أحمد بن طراباي الذي كانت ممتلكاته مجاورة لمناطق نفوذ فخر الدين من ناحية، ولأنه هو الآخر كانت له مطامحه في السيادة على الجزء الشمالي من فلسطين كله؛ فكان بذلك شوكة في خاصرة فخر الدين ومنافساً له(96).

وبمقتل فخر الدين الثاني انتبهت الدولة العثمانية لجنوب الشام ولطريق الحج التي تعطّلت بسببه، فأرسلت حملة بقيادة عبد الله باشا النمر أحد قادة منطقة نابلس، حيث تمكن هو وأولاده وأحفاده فيما بعد من إقامة إمارة مستقرة، موالية للحكم العثماني(97).

وفي هذا المضمار تجدر الإشارة أيضاً إلى عدة عوامل دفعت الأمراء المحليين في فلسطين من سيطرة فخر الدين عليهم، منها:

  1. إحساسهم العميق بأنه ينافسهم على السيادة أو الزعامة القبلية، ويريد أن يفرض سيادة قبيلته عليهم، في الوقت الذي كانوا يشعرون فيه أنهم ليسوا أقل منه كفاءة ولا أضعف منه عصبية قبلية.
  2.  أنهم كانوا يدركون حقيقة أطماعه ونواياه التوسعية تجاه سناجقهم من ضم وسيطرة.
  3. أن ولاة دمشق المتعاقبين لم يرغبوا في الاستسلام لرغبات فخر الدين وأطماعه في ولايتهم بسهولة، وقد دفعهم هذا الموقف للتنسيق مع حكّام الألوية الخاضعة لنفوذهم، للقيام بعمل عسكري بهدف الحد من نفوذه وتغيير الوضع السياسي الذي فرضه عليهم(98).

بقي أن نشير إلى الوجه الحضاري الذي خلفه فخر الدين في فلسطين، على قلته، فقد اهتم بتشجيع التجارة مع أوروبا، ولهذا الغرض ابتنى في عكا حصناً وخاناً لإقامة التجار الأجانب بعد أن اتخذ عدداً من التجار الفرنسيين والإنكليز والهولنديين من عكا مركزاً لتجارة القطن. فقد أشار حيدر الشهابي في حوادث سنة 1032هـ/1622م إلى وصول مركبين تجاريين فرنسيين إلي عكا لشحن القطن(99)، كما كانت فرنسا تستورد في السنوات التي بها جفاف كميات كبيرة من القمح والأرز من عكا وحيفا، حيث شوهدت في ميناء عكا 32 مركباً حمولة أصغرها 150 طناً، وحمولة أكبرها 600 طن، قدمت لشحن القمح(100)، كما سمح فخر الدين لمجموعة من التجار الفرنسيين باستيطان عكا في الفترة ما بين 1034ـ1043هـ/1624ـ1633م(101).

وفي صفد شيّد فخر الدين مغارة الحمام سنة 1022هـ/1613م، وسُميت قلعة ابن معن، كما أنجز سور تل الهريج بالقرب من صفد(102)، أما يافا فلم تشهد في عهد فخر الدين سِوى أثراً عمرانياً وحيداً هو القلعة وعمل على ترميم أسوارها(103).

وتحسنت أحوال المسيحيين في الناصرة زمن فخر الدين نتيجة لسياسة التسامح الديني التي انتهجها؛ ففي عام 1030هـ/1620م سمح للرهبان الفرنسيسكان بترميم كنيستها القديمة المعروفة بالسانتا، وبناء ديرٍ بالقرب منها؛ ولكن في عام 1040هـ/1630م قبيل القضاء على فخر الدين، بدأت أحوال المسيحيين في الناصرة بالتدهور نتيجة لاستيلاء آل طراباي على جزءٍ كبير من الجليل، حيث شرعوا في مضايقة الرهبان نكاية بفخر الدين(104).

خاتمة الدراسة

نستطيع القول، أن طموح فخر الدين المعني الثاني لإقامة إمارة إقليمية يكون هو زعيمها، لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج التراكمات السياسية التي جعلت من بلاد الشام عامة ولبنان وفلسطين خاصة مرتعاً للكثير من الحكّام المحليين الذين كان كلٌ منهم يحكم منطقة بعينها، لكن هذا الطموح كان بالدرجة الأولى يعود لخططٍ طموحة من جانب أسلافه، كجده فخر الدين المعني الأول ثم والده قرقماز، ورغم أن أسلافه فشلوا مبكراً في تحقيق أي من أهدافهم، إلا أن فخر الدين الثاني تمكن من تحقيق كل النجاح في لبنان، وقضى على منافسيه الأقوياء، وحقق بعض النجاحات المؤقتة في فلسطين، لكنه لم يستطع فرض كامل سلطته عليها.

والسبب المباشر والرئيسي لاهتمام فخر الدين الثاني بالتوسع في فلسطين لا يعود في المقام الأول لدوافع طائفية كما ذكر البعض، وإنما لأسباب حزبية بحتة، ولا سيما الصراع بين الحزبين الرئيسيين في بلاد الشام، القيسي واليمني، حيث اشتعلت أوار الحروب والمنازعات بين هذين الحزبين من أجل سيادة النظام القبلي، خاصة في لبنان وفلسطين.

وأثبتت الدراسة أن تدخل فخر الدين الثاني في شؤون فلسطين العثمانية، كان لأهدافٍ شخصيةٍ بحتة لا لمصلحة قومية عليا كقمع ثائر متمرد على السلطة المركزية على سبيل المثال، فجلّ حكّام فلسطين المحليين كانوا من الموالين للسلطات العثمانية سواء في دمشق أو في الآستانة نفسها، وكان هدف فخر الدين هو منح السناجق الفلسطينية سواء في شرقي نهر الأردن أو في غربه إما لأبنائه أو لأعوانه الموالين له.

وشخصية فخر الدين الثاني لم تكن تصرفاتها تنم عن اتجاه مغامر كما يحلو للبعض وصفه بذلك، ولكنها تصرفات رجل طموح شابت أفعاله الكثير من الأطماع لبناء مجدٍ ذاتي يخلده في المدونات التاريخية، ورجل بمثل تلك المواصفات يصعب عليه المقامرة بمستقبله ومشروعه السياسي التوسعي في خضم مغامرة قد تنجح وغالباً ما ستفشل، وما يحُسب لفخر الدين أنه كان متأنياً في اتخاذ القرارات فحقق الكثير من النجاحات.

كما أثبتت الدراسة أن عودة فخر الدين من أوروبا ـ منفاه الاختياري ـ واختياره لمرفأ عكا لتكون أول بقعة في الشرق تطأه قدماه، لها رمزية خاصة لديه، تبيّن أهمية فلسطين في مشروعه التوسعي سواء كان قبل مغادرته إلى أوروبا أو في مخططاته اللاحقة التي نوى الشروع في تنفيذها.

ومما يجدر ذكره أن موقعة عنجر عام 1033هـ/1623م كانت علامة فارقة في تاريخ فخر الدين، فحكّام لبنان المحليون والموالون للسلطات العثمانية خضعوا بعدها لنفوذه، وازدادت محاولاته للحصول على أكبر قدر ممكن من الكاسب في السناجق الفلسطينية، وأكثر من ذلك اضطرت الدولة العثمانية للاعتراف بسلطته بعد أربعة وثلاثين عاماً من صراعه الطويل مع ممثليها، ومنحته فرماناً يكون بموجبه حاكماً على بلاد عربستان من حدود حلب إلى القدس، كما منحته لقب سلطان البر وهو اللقب نفسه الذي منحته من قبل لجده فخر الدين الأول.

ولم تسِرْ العلاقة بين فخر الدين والزعامات المحلية الفلسطينية على وتيرة واحدة، فهي دوماً صدامية بين الطرفين تتجاذبها حالتي المد والجزر؛ وان كانت هذه الزعامات قد حققت الكثير من الانتصارات على فخر الدين، أما بعض المكاسب التي حققها الأخير في فلسطين؛ فإنما تعود لسياسته الحكيمة في بعض الأحيان لا لقوته العسكرية وذلك من خلال وكلائه في الآستانة حيث أغدق عليهم الأموال الطائلة ليسهّلوا له مهمة شراء المناصب وتعيينه على بعض السناجق في فلسطين وشرقي نهر الأردن، وأحياناً قليلة كانت سياسة الوفاق ترجح بين فخر الدين من ناحية والأمير أحمد بن طراباي حاكم اللجون من ناحية أخرى، لكنها فشلت في النهاية لعدم وجود دعائم ترسّخها، وأُخذ على فخر الدين أنه فشل في الاحتفاظ بفلسطين بسبب عدم محاولته رأب الصدع بين الحزبين المتنافسين وقتذاك، وكان هو شخصياً زعيماً لإحداهما ولم ينجح في التقريب بين وجهات نظرهما، وبالتالي فشل في أن يطوي زعماء فلسطين بين جناحيه.


الحواشي

(1) علي، محمد كرد: خطط الشام.ج3، دمشق 1343هـ (1925م).  ص236.  والعابدي، محمود: صفد في التاريخ. عمان1977، ص64-65.     

(2) الشهابي، حيدر (الأمير): تاريخ الأمير حيدر الشهابي. علق على حواشيه: د.مارون رعد، 4 أجزاء، ج3، دار نظير عبود، بيروت 1993، ص738.

(3) تشرشل، تشارلز: جبل لبنان (عشر سنوات إقامة) 1842-1852. ترجمة: فندي الشعار، دار المروج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1985،  ص56.

(4) حتي، فيليب: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين. ترجمة: د.كمال اليازجي، جزءان، ج 2، دار الثقافة، بيروت1959، ص279.

(5) الشهابي، حيدر: نفس الصفحة.

واستطراداً لما ذهبنا إليه من ذكاء فخر الدين الأول؛ أنه لما دخل على السلطان سليم في دمشق، دعا له دعاءً بليغاً. وقد أدهشت بلاغته سليماً فكرّمه ومنحه شرف الأولوية على كل أمراء الشام، ومنحه لقب سلطان البر.

نفس المرجع، ص740-741.

(6) Ismail,Adel,Histoire du Liban du xvII sicle a nos jours, vol.1,Le Liban au temps de Fakhr-eddin II (1590-1633), Paris1955,p.54.

(7) Ibid.

(8) بازيلي، قسطنطين: سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني. ترجمة: طارق معصراني، دار التقدم، موسكو1989، ص28. ولوتسكي، فلاديمير: تاريخ الأقطار العربية الحديث. ترجمة: د.عفيفة البستاني، مراجعة: يوري روشين، ط8، دار الفارابي، بيروت 1985، ص14.

(9) السنجق أو الصنجق: لفظ تركي استعمل بمعنى العَلَم، أو الراية، وبمعنى الرمح، أو اللواء. والسنجق وحدة إدارية ضمن الولاية، عُرف حاكمه بلقب سنجق بك بالتركية وأمير لواء بالعربية، وعُرفت المنطقة التي يحكمها بالسنجق أو اللواء. وكان السنجق يُقّسم إلى عددٍ من النواحي، ويُسمى السنجق أو اللواء عادة باسم عاصمته وهي أكبر مدنه مثل سنجق القدس وغزّةالخ. أما لواء اللجون فلم يُسمَّ نسبة إلى مدينة؛ لأنه استحُدث بخاصة لأسرة طراباي الحارثية وأبناؤها من زعماء بني حارثة التي كانت تتصرف بالمنطقة كإقطاع.

انظر: دهمان، محمد أحمد: معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي. ط1، دار الفكر، دمشق1410هـ (1990م)، ص93. ورافق، عبد الكريم: فلسطين في عهد العثمانيين (1). الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني-الدراسات الخاصة، المجلد الثاني، الدراسات التاريخية، ط1، بيروت 1990، ص699.

(10) رافق: المرجع السابق، ص698-699.

(11) لمزيد من التفاصيل عن طريق الحج الغزّاوي، أنظر:هيئة الموسوعة الفلسطينية: الموسوعة الفلسطينية. القسم العام، 4 أجزاء، ج3، ط1، دمشق 1984، ص112-113.

(12) رافق: المرجع السابق، ص700-702.

(13) عبد الكريم، أحمد عزت: "التقسيم الإداري لسورية في العهد العثماني". حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، المجلد الأول، مايو 1951، ص134، 173-175. وبولياك: الإقطاعية في مصر وسورية وفلسطين ولبنان. ترجمة: عاطف كرم ، بيروت1948، ص137-146.

(14) وُلد فخر الدين المعني الثاني عام 980هـ/1572م في بعقلين عاصمة الإمارة المعنية آنذاك، من أم تنوخية ذات شخصية فذّة وصيت نبيل هي "الست نسب" شقيقة الأمير سيف الدين التنوخي. وكان والده الأمير قرقماز قد ورث الإمارة عن أبيه الأمير فخر الدين الأول ، فترعرع فخر الدين الثاني مع أخيه يونس في كنف والديه حتى بلغ الثانية عشرة من عمره عام 992هـ/1584م. وبعد موت أبيهما احتضنتهما أمهما الست نسب وخالهما الأمير سيف الدين التنوخي. ولما بلغ فخر الدين الثامنة عشرة من عمره عام 999هـ/1590م ولاه خاله المذكور إمارة أبيه، فأصبح فخر الدين أميراً للدروز والشوف.

        انظر: الشهابي ، حيدر: نفس المرجع ، ج3، ص807. وسويد، ياسين: التاريخ العسكري للمقاطعات اللبنانية في عهد الإمارتين. جزءان، ج1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت1985، ص153.

                                  بينما يذكر تشارلز تشرشل، أن الأمير فخر الدين وأخوه الأمير يونس كانا بعد وفاة أبيهما تحت رعاية الشيخ أبو نادر الخازن الماروني، الذي أسندت إليه أمهما العناية بهما لإنقاذهما من أعوان العثمانيين.

جبل لبنان، ص61.

(15) مجهول المؤلف: نزهة الزمان في حوادث لبنان. مخطوط في المكتبة الوطنية بباريس، رقم Arabe 1684 ، ورقة 17أ-17ب. والشهابي، حيدر: المرجع السابق، ص806. والحتّوني، منصور طنوس: نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية. بدون بيانات نشر، بدون تاريخ، ص60-61.

(16) سويد: المرجع السابق، ص153. و:

-Holt (P.M.),Egypt and the Fertile Crescent1516-1922,Cornell University press, New York 1966,p.115.

(17) لوتسكي: المرجع السابق، ص35-36.

(18)Ibid.

(19) المعلوف، عيسى اسكندر: "الأمراء الحرفشيون". مجلة العرفان، مجلد9 (من ربيع الأول إلى ذي الحجة 1342هـ )، ص291-297.

(20) العورة، إبراهيم: تاريخ ولاية سليمان باشا العادل. نشره وعلق عليه: قسطنطين الباشا    المخلصي، صيدا 1936، ص111. و:

-Charles-Roux (F.), Les Echelles des Syrie et de Palestine au XV III sicle, Paris 1928, p207.

(21) Lammens (S.J.), La Syrie prcis Historique, vol.II, Beyrouth 1921, pp.71-72.

-Holt,op.cit,p.115.      

(22) الصليبي، كمال: تاريخ لبنان الحديث. ط2، دار النهار للنشر، بيروت 1969، ص34-35. والمعلوف، عيسى اسكندر: تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني. ط2، منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1966، ص56.

                        ويبدو أن السبب الذي دعا المعنيون للتخلي عن الحزب اليمني والتحالف مع الحزب القيسي، يعود لخلاف حصل بين فخر الدين الأول والأمير جمال الدين الأرسلاني، وكلاهما من اليمنية بسبب التنازع على حكم الشوف والغرب وغير ذلك من الأمور، فانحاز فخر الدين الأول إلى القيسية ومعه كامل أسرته ومن خلفه منها في الحكم بعده.

       المعلوف: المرجع السابق والصفحة نفسها.

(23) الحتّوني: المرجع السابق، ص63. و:Holt, op.cit, p.115.  

.(24) الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص100.

        ولمزيد من التفاصيل عن أسرة طراباي الحارثية. أنظر:

      كرمل ، ألكس: تاريخ حيفا في عهد الأتراك العثمانيين. ترجمة: تيسير الياس، دار المشرق، حيفا1979، ص47-48. ومناع، عادل: تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700-1918 (قراءة جديدة). ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1999، ص11-12. والصباغ، ليلى: فلسطين في مذكرات الفارس دارفيو. ط1، مؤسسة المصادر للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، بيروت 1416هـ (1996م)، ص172-173. والبوريني، الحسن بن محمد: تراجم الأعيان من أبناء الزمان. تحقيق: د.صلاح الدين المنجد، جزءان، ج2، دمشق 1959، 1966، ص273. والمحبي، محمد الأمين: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. 4 أجزاء، ج1، القاهرة 1284هـ (1869م)، ص221. وابن طولون، محمد: مفاكهة الخلاّن في حوادث الزمان. نشر: محمد مصطفى، جزءان، ج1، ص22 وج2، ص43، 72، 79، 145، القاهرة62-1964.

(25) المحبي: المرجع السابق، ج1، ص187 وج2، ص417 وج3، ص271. والخالدي الصفدي: المرجع السابق، ص102. والبوريني: ج1، ص202 وج2، ص289. ومناع: المرجع السابق، ص13.

      ولمزيد من التفاصيل عن فرّوخ بن عبد الله الشركسي. أنظر:

       المحبي: ج3، ص271. والخالدي الصفدي: ص7. والمقاري، محمد بن جمعة: الباشات والقضاة في العهد العثماني. جمعها وحققها ونشرها: د. صلاح الدين المنجد ، في كتاب: ولاة دمشق في العهد العثماني ، دمشق1949، ص18. والدباغ، مصطفى مراد: بلادنا فلسطين. القسم الثاني، ج2، في الديار النابلسية (1)، دار الهدى، كفر قرع 1991، ص145.

(26) الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص460. والمبيض، سليم عرفات: وقفية موسى باشا آل رضوان سنة1081 هـ، مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة2000، ص19.

(27) الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص460-461. ومناع: المرجع السابق، ص9-10.

            ولمزيد من التفاصيل عن أسرة آل رضوان. أنظر:

       البوريني: ج1، ص 112، 191. ورافق، عبد الكريم: بلاد الشام ومصر من الفتح العثماني إلى حملة نابليون بونابرت (1516-1798). ط1،  دمشق 1967، ص164.

(28) حتي: تاريخ سورية، ج2، ص327.

(29) تشرشل: المرجع السابق، ص61.

(30) رافق، عبد الكريم: العرب والعثمانيون 1516-1916. ط1، دمشق 1974، ص148.  وعوض، عبد العزيز محمد: الإدارة العثمانية في ولاية سورية1864-1914. تقديم: د.أحمد عزت عبد الكريم،  دار المعارف، القاهرة1969، ص13.

(31) دي سان بيير، بيجيه: الدولة الدرزية. ترجمة: حافظ أبو مصلح، ط1، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت 1983، ص39.

            استخدم فخر الدين الثاني عدة وسائل لتحقيق طموحاته منها: التزاوج والدس والرشوة وإقامة التحالفات والتورط في القتال وتحريض الأهالي بالتمرد على موظفي الدولة العثمانية وآل سيفا.

         حتي: المرجع السابق والصفحة نفسها. وتشرشل: المرجع السابق والصفحة نفسها.

(32) المحبي: ج4، ص426-428. والغزّي، نجم الدين محمد بن بدر الدين: لطف السحر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر، أو ذيل الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة، مخطوط موجود في مكتبة الأسد بدمشق، رقم 3406، ورقة 212أ -212ب. والأنصاري، شرف الدين بن موسى: نزهة الخاطر وبهجة الناظر. مخطوط في مكتبة الأسد بدمشق، رقم 7814، ورقة 117ب-119ب. والنمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج1، ط2، نابلس1395هـ (1975م)، ص32-33.  

(33) حتي: المرجع السابق، ص327. والدبس، يوسف: تاريخ سورية. راجعه ودققه: د.مارون رعد، 10 أجزاء ، ج7، دار نظير عبود، بيروت، بدون تاريخ، ص152.

(34) تقطن هذه الأسرة الكردية الأصل الآن في لبنان بعدما تم القضاء على ثورة علي باشا جنبلاط ومقتله. وقد تحولت إلى العقيدة الدرزية بعدما كان أفرادها مسلمون سُنَّة.

         لمزيد من التفاصيل عن تمرد آل جنبلاط في شمال سورية. أنظر:

         رافق: العرب، ص156-162.  

(35) الغزّي: المرجع السابق، ورقة 211أ-211ب. وحتي: المرجع السابق والصفحة نفسها. وHolt,op.Cit, p.116.

(36) سويد: المرجع السابق، ص77. ورافق: المرجع السابق، ص151.

(37) رافق: المرجع السابق والصفحة نفسها.

(38) المحبي: ج1، ص187-189. والبوريني: ج1، ص191-192.

(39) المحبي: ج1، ص221. والبوريني: ج2، ص273-289.

(40) المحبي: ج2، ص127. والبوريني: ج1، ص202 وج2، ص289.

(41) رافق: المرجع السابق، ص154.

(42) الأسطل، رياض محمود: تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر. ط2، غزة 2000، ص39.

(43) نفس المرجع، ص44.

(44) رافق: المرجع السابق، ص153.

(45) نفسه.

(46) Holt, op.cit, p.116.

(47) السكَّبان أو السجَّمان: لفظة من أصل فارسي بمعنى (سكّ) الكلب و(بان) الحافظ والصاحب، والسكَّبان هو المتولّي أمر كلاب الصيد. فالسكبانية في الدولة العثمانية بعد عام 1350م كانوا مستقلين عن الإنكشارية، ويرافقون السلطان في الحرب والصيد.

         دهمان: معجم الألفاظ التاريخية، ص89.

(48) في النصف الأول من القرن الخامس عشر تمكنت أسرة من التجار وأصحاب البنوك تُدعى أسرة مديتشي Midici من الاستيلاء على الحكم عندما تمكن أحد رؤسائها ويُسمى كوزيمو دي مديتشي في عام 1434م أن يقوم بثورة ضد الحاكم ويؤسس جمهورية توالى على حكمها رؤساء من تلك الأسرة.

       طهبوب، فائق وحمدان، محمد سعيد: تاريخ العالم الحديث والمعاصر. ط2، منشورات جامعة القدس المفتوحة، عمان 1998، ص100. والنمر: المرجع السابق، ج1، ص33.

(49) Ismail, op.cit, pp.77-78.         

(50) Holt, op.cit, p.116.

(51) الأسطل: المرجع السابق، ص48. والشهابي، حيدر: المرجع السابق، ص812. وبروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية. ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط13، دار العلم للملايين، بيروت 1998، ص513.

(52) الأسطل: نفس الصفحة.

(53) رافق: العرب، ص163.

(54) الشهابي، حيدر: المرجع السابق، ص816-817. والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص100. والدباغ: بلادنا فلسطين، القسم الثاني، ج3، في الديار النابلسية (2)، ص38-39.

(55) الخالدي الصفدي: المرجع السابق، ص6. والشهابي، حيدر: ص817. والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص100.

(56) رافق: المرجع السابق، ص163. والمقاري، محمد بن جمعة: المرجع السابق، ص29.

(57) Ibid.

(58) الخالدي: ص7-8. والشهابي: نفس الصفحة. والدبس: المرجع السابق، ج7، ص153.

          تضارب الخالدي الصفدي وحيدر الشهابي في ذكرهما ابن قانصوه الذي تم عزله عن عجلون والكرك، فتارة يذكرون أنه حمدان بن قانصوه وتارة أخرى يذكرون أنه أحمد بن قانصوه، والأرجح أن يكون حمدان؛ لأن المصدرين نفسيهما قد استقرا فيما بعد على حمدان.

(59) الخالدي: ص8-9. والشهابي: ص817-818. و Holt, op.Cit, p.117.

(60) لمزيد من التفاصيل. أنظر:

       الخالدي: ص9-10. والشهابي: ص818-820.

(61) لمزيد من التفاصيل.انظر:

       الخالدي: ص15-16. والشهابي: ص820-823. والمحبي: ج1، ص380-382 وج3، ص266-267. والدبس: المرجع السابق ، ج7، ص154. والبوريني: ج1، ص201-210. والحتّوني: المرجع السابق، ص67-68. والمعلوف: المرجع السابق، ص90-110. و  Holt, op.Cit, p.117.

(62) الخالدي: ص33. والشهابي: ص829. والبخيت، محمد عدنان: "من تاريخ حيفا العثمانية: دراسة في أحوال الساحل الشامي". مجلة شؤون فلسطينية (94)، أيلول (سبتمبر) 1979، ص100.

(63) لمزيد من التفاصيل حول جهود الأمير علي لاسترداد أملاك أبيه فخر الدين. أنظر:

       الخالدي: ص19-65. والشهابي: ص823-851.

(64) رافق: العرب، ص164. و Ibid.

       يذكر إحسان النمر أن الصدر الأعظم محمد باشا الخازندار الذي خلف نصوح باشا، كان مرتشياً من حكومة توسكانيا، فكان له دور في إصدار عفو عن فخر الدين وغيره من الثائرين على الدولة العثمانية.

        جبل نابلس، ج1، ص39.

                                    ويبدو أن فخر الدين قد قام في عام 1615م بزيارة قصيرة للبنان ثم عاد بعدها إلى أوروبا. وفترة الخمس سنوات التي قضاها المذكور في أوروبا زار خلالها ليغهورن وفلورنسا حيث أعدّ له البلاط الفلورنسي استقبالاً حافلاً، ونابولي وبالرمو ومسينا ومالطة وغيرها من المدن. وقد أثار ظهور فخر الدين أمير الدروز فضول أوروبا التي كانت لا تزال تجهل أية معلومات عنهم. كما شاعت في الغرب أسطورة تزعم أن اسم الدروز نفسه مشتقاً من اسم كونت صليبي يُدعى دي ديريه Dreux، أي أن الدروز هم أعقاب الصليبيين الذين تاهوا في جبال لبنان. ويبدو أن فخر الدين كان يؤكد هذه الأسطورة التي جعلته محط الأنظار والاهتمام الشديد في الغرب.

                                    وبالإضافة إلى ما سبق؛ فإن فخر الدين رغم أنه أُصيب بخيبة أمل في فشل مساعيه للعودة من أوروبا مصحوباً بحملة من الدول الأوروبية والبابا لمساعدته في حرب العثمانيين، غير أنه استفاد من الغرب كثيراً حيث تشرّب فيها من الأفكار ما قوّى اعتقاده بصحة المبادئ التي عمل في السابق بوحيها، بدلاً من أن يِضعفه بشأنها ويحوله عنها. حتي: تاريخ سورية، ج2، ص329. وبازيلي: تاريخ سورية، ص31.

(65) الخالدي: ص69. والشهابي: ص855. والحتّوني: ص71.

(66) الخالدي: نفس الصفحة. والشهابي: ص856.

(67) رافق: العرب، ص164.

(68) الخالدي: ص69-70.

(69) Holt, p.117.

(70) الخالدي: ص84-87. والشهابي: ص863-864.

(71) الخالدي: ص87.

(72) نفس المرجع ، ص95-96 ، 104-105.

(73) نفس المرجع ، ص112.

(74) نفس المرجع ، ص113-116. والشهابي: ص877-878.

(75) الخالدي: ص117-120. و Ibid.

(76) نفس المرجع، ص124-125، 130-133. والدباغ: القسم الثاني، ج2، في الديار النابلسية (1)، ص146.

(77) لمزيد من التفاصيل. أنظر:

        الخالدي: ص129-139. والشهابي: ص885-890. والدباغ: ق2، ج3، ص40.

(78) الخالدي: ص139-141. والشهابي: ص890-892.

(79) الخالدي: ص142.

(80) Holt, op.cit, pp.117-118.

(81) Ibid.         والنمر: المرجع السابق، ج1، ص39- 40.

(82) رافق: العرب،  ص165. وتشرشل: المرجع السابق، ص77.

(83) الخالدي: ص177،183-184. والشهابي: ص910-911.

(84) لمزيد من التفاصيل عن حروب أحمد بن طراباي مع فخر الدين. أنظر:

       الخالدي: ص184-194. والمحبي: ج1، ص221-222 وج3، ص267 وج 4، ص295. والشهابي: ص912 - 915. والدباغ: المرجع السابق، ق 2، ج2، في الديار النابلسية (1)، ص147.

(85) الخالدي: ص196-198. والشهابي: ص916-917.

(86) لمزيد من التفاصيل. أنظر:

        الخالدي: ص201-204. والشهابي: ص918-920.

(87) الخالدي: ص205-206.

(88) بلاد عربستان: هي المنطقة التي تقع من حدود حلب شمال سورية إلى حدود القدس، أي المناطق القبلية الواقعة خارج نطاق المقاطعات والمدن التي يديرها الولاة العثمانيين.

     Holt, p.118.

(89) الخالدي: ص242. والحتّوني: ص76. و Ibid.

(90) الخالدي: ص245-247.

(91) بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ص514. والنمر: المرجع السابق، ج1، ص40.

(92) لمزيد من التفاصيل. أنظر:

         المحبي: ج1، ص385-388 وج 3، ص267-268. والمقاري ، محمد بن جمعة: المرجع السابق ، ص32. والمعلوف: المرجع السابق، ص188-243، 247، 302. ومجهول المؤلف: نزهة الزمان، ورقة 23ب. وتشرشل: جبل لبنان، ص89-90. وحتي: المرجع السابق، ص332-333. و            Holt, pp.118-119.   

 (93) حتي، فيليب: مختصر تاريخ لبنان. ترجمة: فؤاد جرجس نصار،  ط1، دار الثقافة،           بيروت1968، ص188.

(94) نفسه. وأنيس، محمد: الدولة العثمانية والشرق العربي (1514-1914). القاهرة 1977، ص156. والبخيت: من تاريخ حيفا، ص100. و Lammens, op.Cit, p.60.

(95) رافق: العرب، ص168.

(96) الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص101 (بتصرف).

(97) النمر: تاريخ جبل نابلس، ج1، ص40-41.

(98) الأسطل: المرجع السابق، ص48-50.

(99) الشهابي: ص822. وغنايم، زهير: لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية 1281-1337هـ/1864-1918م. ط 1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1999، ص20.

(100) الصباغ، ليلى: الجاليات الأوروبية في بلاد الشام في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ج1، بيروت 1409هـ (1989م)، ص291.

(101) الكردي، فايز: عكا بين الماضي والحاضر. دار البشير، عكا 1972، ص66.

(102) الخالدي: ص87. والعابدي: المرجع السابق، ص66.

(103) الموسوعة الفلسطينية، ج4، ص611-612.

(104) منصور أسعد: تاريخ الناصرة. القاهرة 1924 ، ص45-46. والمعلوف، عيسى اسكندر: دواني القطوف في تاريخ آل المعلوف، زحلة1908، ص129.


مصادر ومراجع الدراسة

 أولاً- المخطوطات:-

(1) الأنصاري، شرف الدين بن موسى: نزهة الخاطر وبهجة الناظر. موجود في مكتبة الأسد بدمشق، رقم 7814.

(2) الغزّي، نجم الدين محمد بن بدر الدين: لطف السحر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر، أو ذيل الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة، موجود في مكتبة الأسد بدمشق، رقم 3406.

(3) مجهول المؤلف: نزهة الزمان في حوادث جبل لبنان. موجود في المكتبة الوطنية بباريس. رقم Arabe1684 .

ثانياً- المصادر الأوليّة:-

(1) البوريني، الحسن بن محمد: تراجم الأعيان من أبناء الزمان. تحقيق: د.صلاح الدين المنجد، جزءان، دمشق 1959، 1966.

(2) الحتّوني، منصور طنوس: نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية. بدون بيانات نشر، بدون تاريخ.

(3) الخالدي الصفدي، أحمد بن محمد: لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. نشره: د.أسد رستم وفؤاد افرام البستاني، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1969.

(4) الدبس، يوسف (المطران): تاريخ سورية. راجعه وحققه: د.مارون رعد ، عشرة أجزاء، ج7، دار نظير عبود،  بيروت، بدون تاريخ.

(5) الشهابي، حيدر أحمد (الأمير): تاريخ الأمير حيدر الشهابي. علق على حواشيه: د.مارون رعد، 4 أجزاء، ج 3، دار نظير عبود، بيروت 1993.

(6) ابن طولون، محمد: مفاكهة الخلاّن في حوادث الزمان. نشره: محمد مصطفى، جزءان، القاهرة 62-1964.

(7) العورة، إبراهيم (المعلم): تاريخ ولاية سليمان باشا العادل. نشره وعلق عليه: قسطنطين الباشا المخلصي، صيدا 1936.

(8) المحبي، محمد الأمين: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. 4 أجزاء، القاهرة 1284هـ (1869م).

(9) المقاري، محمد بن جمعة: الباشات والقضاة. جمعها وحققها ونشرها: د.صلاح الدين المنجد، في كتاب: ولاة دمشق في العهد العثماني، دمشق 1949.

ثالثاً-المراجع العربية الثانوية والمترجمة:-  

(1) الأسطل، رياض محمود (الدكتور): تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر. ط2، غزة 2000.

(2) أنيس، محمد (الدكتور): الدولة العثمانية والشرق العربي (1514-1914). القاهرة 1977.

(3) بازيلي، قسطنطين: سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني. ترجمة: طارق معصراني، دار التقدم، موسكو 1989.

(4) بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية. ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط13، دار العلم للملايين، بيروت 1998.

(5) بولياك: الإقطاعية في مصر وسورية وفلسطين ولبنان. ترجمة: عاطف كرم، بيروت 1948.

(6) تشرشل، تشارلز: جبل لبنان (عشر سنوات إقامة) 1842-1852، دراسة لديانة وعادات وتقاليد أهل الجبل. ترجمة: فندي الشعار، دار المروج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1985.

(7) حتي، فيليب (الدكتور): تاريخ سورية ولبنان وفلسطين. ترجمة: د.كمال اليازجي، أشرف على مراجعته وتحريره: د.جبرائيل جبور، جزءان، ج 2، دار الثقافة، بيروت 1959.

(8)     ـــــــ: مختصر تاريخ لبنان. ترجمة: فؤاد جرجس نصار، ط1، دار الثقافة، بيروت 1968.

(9) الدباغ، مصطفى مراد: بلادنا فلسطين. القسم الثاني، ج2، 3،  في الديار النابلسية (1)، (2)، دار الهدى، كفر قرع 1991.

(10) دي سان بيير، بيجيه: الدولة الدرزية. ترجمة: حافظ أبو مصلح، ط1، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت 1983.

(11) رافق، عبد الكريم (الدكتور): العرب والعثمانيون1516-1916. ط1، دمشق 1974.

(12) ـــــــــ: بلاد الشام ومصر من الفتح العثماني إلى حملة نابليون0 بونابرت  (1516-1798).  ط1، دمشق 1967.

(13) سويد، ياسين (الدكتور): التاريخ العسكري للمقاطعات اللبنانية في عهد الإمارتين. جزءان، ج1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1985.

(14) الصباغ، ليلى (الدكتورة): الجاليات الأوروبية في بلاد السام في القرنين السادس عشر والسابع عشر. جزءان، ج1، بيروت 1409هـ (1989م).

(15)    ـــــــــ     : فلسطين في مذكرات الفارس دارفيو. ط1، مؤسسة المصادر للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، بيروت 1416هـ (1996).

(16) الصليبي، كمال (الدكتور): تاريخ لبنان الحديث. ط2، دار النهار للنشر، بيروت 1969.

(17) طهبوب، فائق وحمدان، محمد سعيد (الدكتور): تاريخ العالم الحديث والمعاصر. ط2، منشورات جامعة القدس المفتوحة، عمان 1998.

(18) العابدي، محمود: صفد في التاريخ. عمان 1977.

(19) علي، محمد كرد: خطط الشام. ج3، دمشق 1343هـ (1925م).

(20) عوض، عبد العزيز محمد (الدكتور): الإدارة العثمانية في ولاية سورية1864-1914. تقديم: د.أحمد عزت عبد الكريم، دار المعارف، القاهرة 1969.

(21) غنايم، زهير: لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية1281-1337هـ/1864-1918م. ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1999.

(22) الكردي، فايز: عكا بين الماضي والحاضر. دار البشير، عكا 1972.

(23) كرمل، ألكس (الدكتور): تاريخ حيفا في عهد الأتراك العثمانيين. ترجمة: تيسير الياس، مراجعة: د.بطرس أبو منه، دار المشرق، حيفا 1979.

(24) لوتسكي، فلاديمير: تاريخ الأقطار العربية الحديث. ترجمة: د.عفيفة البستاني، مراجعة: يوري روشين، ط8، دار الفارابي، بيروت 1985.

(25) المبيض، سليم عرفات: وقفية موسى باشا آل رضوان سنة 1081هـ (الأسرة التي حكمت غزة ومعظم فلسطين قرن ونصف 1530-1681م). مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة 2000.

(26) المعلوف، عيسى اسكندر: تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني. ط2، منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1966.

(27)  ـــــــــ      : دواني القطوف في تاريخ آل المعلوف. زحلة 1908.

(28) مناع، عادل (الدكتور): تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700-1918(قراءة جديدة). ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1999.

(29) منصور، أسعد (القس): تاريخ الناصرة. القاهرة 1924.

(30) النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج1، ط2، نابلس 1395هـ (1975م).      

رابعاً-الدوريات والمعاجم والموسوعات:-       

(1) البخيت، محمد عدنان: "من تاريخ حيفا العثمانية: دراسة في أحوال الساحل الشامي". مجلة شؤون فلسطينية (94)، أيلول (سبتمبر) 1979.

(2) دهمان، محمد أحمد: معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي. ط1، دار الفكر، دمشق   1410هـ (1990).

(3) رافق، عبد الكريم (الدكتور): فلسطين في عهد العثمانيين(1). الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني-الدراسات الخاصة، المجلد الثاني، الدراسات التاريخية، ط1، بيروت 1990.

(4)عبد الكريم، أحمد عزت (الدكتور):  "التقسيم الإداري لسورية في العهد العثماني". حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، المجلد الأول، مايو 1951.

(5) المعلوف، عيسى اسكندر:  "الأمراء الحرفشيون". مجلة العرفان، مجلد 9، (من ربيع الأول إلى ذي الحجة 1342هـ).

(6) هيئة الموسوعة الفلسطينية: الموسوعة الفلسطينية. القسم العام، 4 أجزاء، ط1، دمشق 1984.

خامساً- المراجع الأجنبية:-

1. Charles-Roux (F.), Les Echelles des Syrie et de Palestine au XV III sicle, Paris 1928.

2. Holt (P.M.), Egypt and the Fertile Crescent 1516-1922,Cornell University press, New York 1966.

3. Ismail (Adel),Histoire du Liban du XV II sicle a nos jours, vol.1,Le Liban au temps de Fakhr-eddin II (1590-1633),Paris 1955.

4. Lammens (S.J.), La Syrie prcis Historique, vol.II, Beyrouth 1921.

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا