منتدى موقع التاريخ

مستقبل السلاح الفلسطيني

د. ناجي صادق شراب

أستاذ العلوم السياسية /جامعة الأزهر

 


لعل من أكبر التحديات والتعقيدات التي سيتعين على السلطة الفلسطينية والتنظيمات الفلسطينية أن تجد لها حلاً تتفادى معه كل احتمال للمواجهة والصدام هو كيفية التعامل مع السلاح، ومن له الحق في استعماله؟ وأذهب بعيداً وأطرح التساؤل التالي بكل وضوح ودون مواربة: هل أدى السلاح الفلسطيني وظيفته في غزة؟ ومن ثم لم يعد هناك مبرر لأي تنظيم أن يستمر في حمل السلاح، طالما أن هناك سلطة سياسية واحدة وبالتالي شرعية واحدة لها وحدها الحق في تنظيم حمل السلاح الشرعي؟

هذا هو التحدي الأكبر والأصعب، وعلى الجميع أن يفكروا في النتائج قبل المقدمات.

إبتداءاً لا بد من الإقرار أن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وإذا ما تم بشكل كامل سيشكل بلا شك مرحلة سياسية جديدة لها معطياتها ومتغيراتها أبرزها انتقاء صفة الاحتلال عن هذا الجزء من الأرض الفلسطينية، ومنطقياَ هذا يعني انتقاء صفة حمل السلاح بطريقة غير شرعية. فالسلاح له وظائف كثيرة أهمها في وقت الاحتلالِ المقاومةُ، وحيث أن الاحتلال هنا قد انتهى فلا يوجد مثل هذا المبرر. وتبقى وظيفة السلاح كحفظ الأمن والاستقرار وكقوة مادية مساندة وداعمة لإقرار مبدأ سيادة القانون. هذا من الناحية النظرية، لكن السؤال الذي تعرضه التنظيمات المختلفة: هل زال الاحتلال بالكامل عن كامل التراب الفلسطيني؟ قطعاً الإجابة لا، ومن ثم هذا يعني من وجهة النظر هذه استمرار حمل السلاح والاحتفاظ به تحسباً لأية احتمالات لعودة الاحتلال طالما أن المقاومة مستمرة. لكن المشكلة هنا أكبر، وتتمثل في التساؤل هل يمكن نقل السلاح والمقاومة إلى المناطق الأخرى! يعني هل معنى زوال الاحتلال زوال المقاومة في قطاع غزة واستمرارها مثلاً في الضفة الغربية أي في الأراضي التي مازالت محتلة؟ والسؤال بصيغة أخرى: هل يمكن تجزأة المقاومة؟

هذه التساؤلات في حاجة إلى إجابة واضحة وصريحة، لكن المشكلة – في اعتقادي- في أن السلاح يشكل مصدر شرعية وقوة للتنظيمات الفلسطينية وخاصة كتنظيم حماس، فتسليم السلاح كأنه تنازل عن الشرعية التي اكتسبتها وهي شرعية المقاومة، ومن ناحية أخرى من شأن التنازل عن السلاح أن تتحول هذه التنظيمات إلى أحزاب وقوة سياسية تساهم وتشارك في صناعة القرار السياسي وتشكل أحد مكونات الشرعية السياسية العامة، ولكن في هذه الحالة على أسس وقواعد ومعايير جديدة ليس السلاح إحداها. هنا تبرز أحد أهم أبعاد المشكلة رغم التسليم بصعوبة المشكلة إلا أن الحل ليس صعباً أو مستحيلاً. بل يحتاج إلى مقدمات أو كل مدركات ومرتكزات نسلم بها جميعاً: أول هذه المدركات أن الانسحاب من قطاع غزة هو ما أشرنا بوابة مرحلة سياسية جديدة تحكمها قواعد وأسس جديدة. وثاني هذه المرتكزات التسليم بأحادية السلطة السياسية وأحادية الشرعية السياسية، وإن السلطة كل ومركّب يتكون من العديد من العناصر والمكونات وإنها ليست حكراً على تنظيم دون الآخر. وثالثاً الانخراط في هيكل السلطة السياسية لا يعني فقدان شرعية أي تنظيم، بل على العكس فيه تقوية ودعم للتنظيم ورؤيته وبرنامجه من خلال الوصول للسلطة بآلية الانتخابات، والأهم في هذا البيان أن تدرك جميع التنظيمات أنه قد حان الوقت لأن نعيد هيكلة نفسها ومراجعة برامجها في إطار التيار الحزبي السياسي الذي يؤسس لتعددية سياسية حقيقية. والأمر الآخر أن الانسحاب من غزة ليس مجرد كعكة سياسية كبيرة تقسم وتوزع بين التنظيمات بل على العكس الجائزة الكبرى هي السلطة السياسية ولكن من خلال آلية الانتخابات التنافسية النزيهة وتأصل مبدأ دورية وتداول السلطة السياسية التي من شأنها أن تتيح الفرصة للجميع أن يساهم ويشارك في صناعة القرار السياسي.

وهناك أمر آخر هام الابتعاد عن تصوير اللعبة السياسية على أنها ثنائية أو صفرية، بمعنى هي ليست مباراة بين تنظيمي فتح وحماس فقط، وليست صفرية، بمعنى تسجيل هدف هنا أو هناك، هي أوسع وأشمل من ذلك تحتضن كل القوى والتنظيمات الفلسطينية، ولذلك فالشرعية السياسية من الاتساع والشمول لتشمل جميع هذه القوى.

من المدركات الهامة التي تفرضها المرحلة الجديدة حتمية مراجعة وسائل النضال والمقاومة الفلسطينية، بما يواكب المرحلة الجديدة. وفي هذا السياق طالما أن السلطة السياسية ستشمل جميع القوى والتنظيمات فالتنازل عن السلاح هو تنازل لسلطة الجميع وليس لسلطة تنظيم بعينه. ومن هنا أهمية الانخراط والذوبان العسكري في إطار الجسم الواحد، وهذا يتطلب التمييز بين التنظيم كإطار سياسي يسعى إلى السلطة السياسية من خلال برنامجه الشامل، وبين الناحية الأمنية واليسارية التي هي من مسئوليات السلطة الأمنية، والتي تخضع بدورها للسلطة السياسية، وحيث أن السلطة السياسية ستتشكل من خلال آليات شرعية أبرزها الانتخابات، فهنا التنازل للكل وليس للجزء.

وبناءً عليه المسألة لا تعالج في سياق خطابات وأساليب تتسم بالتحدي، وإنما من خلال التفكير في آليات ووسائل للتيار السياسي الشرعي الشامل الذي يشارك فيه الجميع، ومن خلال العمل الجاد على توفير البيئة القانونية الحامية لحقوق وحريات المواطن، ومن خلال التبعية الأمنية لمؤسسات السلطة السياسية والشرعية ولعل أحد أهم مكونات السلطة السياسية الواحدة هي تبعية واحتكار السلاح، وعدم تشتته، وإلا سنجد أنفسنا أمام أكثر من سلطة وبالتالي ستبقى احتمالات المواجهة والصدام أقوى بكثير من احتمالات الاتفاق والتوافق.

ولذلك أعود وأتساءل وبصراحة ماذا يريد كل تنظيم؟ هل يريد السلطة والسلاح معا؟ أم يريد السلطة السياسية الشرعية التي تتحكم في السلاح؟ ماذا تريد؟ هل سلطة سياسية واحدة داعمة ومساندة للمواطن الفلسطيني قادرة على الاستمرارية والبقاء، فما زال الطريق طويلاً للوصول إلى الأهداف الفلسطينية، وأتساءل ماذا لو نجحنا جميعاً أو جعلنا هدفنا جميعاً هو إنشاء جهاز أمني بوليسي قوي وقادر ويحتضن جميع التيار الشعبي الفلسطيني! ألا يوفر هذا الجهاز القدرة على استمرار المقاومة في المستقبل! وما هو الفارق بين حمل السلاح في إطار الجهاز الشرعي الواحد ، وفي إطار تنظيم وتشكيل عسكري؟

تساؤلات كثيرة في حاجة للإجابة، وكما قلت الإجابة ليست صعبة طالما حسنت وصدقت النوايا، وطالما اتفقنا جميعاً على مفهوم واحد للمصلحة الوطنية الفلسطينية، واتفقنا على أن هذا المفهوم أكثر شمولاً وإتساعاً من المفهوم الضيق لأي تنظيم.

مقبلون على مرحلة جديدة تحدياتها كثيرة، وقبل أن ينظر العالم إلينا كيف سنواجهها، علينا أن ننظر إلى أنفسنا كيف سنعمل معاً على مواجهتها، وبقدر التغلب عليها بقدر الدخول في مراحل سياسية أخرى توصلنا إلى ما نريد، وإلا سنجد أنفسنا نعود إلى المربع الأول، ولكن في ظل ظروف أصعب لا نتحكم في متغيراتها وقد تفقدنا كل ما أنجزناه وحققناه من مكاسب سياسية وتحرير لأرض، ولإنسان من الخوف.

المقالات المنشورة في الموقع تعبر  عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا