|
أزمة
استفتاء أم استفتاء أزمة
لقد وضع الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارات صعبة ومحدودة ، لا تعطيهم مجالا
للحراك السياسي الذى يمكن أن يوفر لهم مخرجاً من الأزمة السياسية
المتفاقمة التى تواجه وجودهم ووحدتهم الوطنية ، وتضعهم أمام خيارات قد لا
يجدون مناصاً منها ، فإما التوافق الوطني العام حول وثيقة الأسرى ، وإما
الولوج والانزلاق فى اقتتال داخلي تتصاعد وتيرته ومداه إلى حرب أهلية ،
وكأنهم فى حاجة إلى حرب أخرى ، ألا يكفي الحرب غير المعلنة عليهم وسياسات
الحصار والتجويع والتصعيد العسكري المتصاعد من قبل القوات الاسرائيلية ؟
فى هذا السياق قد يأتي الاستفتاء على هذه الوثيقة فى حال عدم التوصل إلى
صيغة توافقية وطنية بمثابة مخرجاً لحالة الانسداد السياسي المأزوم الذى
تغلفه أجواء من عدم الثقة المتبادلة بين المتحاورين الرئيسين فتح وحماس ،
وهكذا أصبح المشهد السياسي الفلسطيني محكوماً بثنائية متعارضة : سلطة
برأسين ، قوة مسلحة بجيشين ، قوة مساندة بقوتين ، خطاب سياسي بخطابين ،
إعلام بصوتين ، داخل وخارج ، منظمة وسلطة ، مقاومة مسلحة ومقاومة سياسية
، قادة مقاومة وقادة سلطة ، مسلسل لا متناهي من الثنائية التى كانت سبباً
تاريخيا فى فشلنا السياسى .
واللافت للانتباه فى هذا المشهد المتزاحم والمتناحر هو إدارة الفلسطينيين
لأزماتهم الداخلية ، فهم يتعاملون معها بأسلوب المتوالية الهندسية لإدارة
الأزمات ، فبدلاً من حصر الأزمة وتفكيك عناصرها ، وتحييد متغيراتها
وإعادة ترتيب أولوياتها ، يفتعلون ويختلقون أزمات جديدة جديدة تراكم
القائم حتى نصبح أمام مركب من الأزمات . وهذا ينطبق على أزمة الحوار ،
فبدلاً من التوصل إلى صيغة توافقية تخرج الجميع من مأزق سياسي يقود بدوره
إلى مأزق اقتصادي يقود بدوره إلى أزمة بطالة وفقر تفاقم معها أزمة العنف
، نجد أنفسنا أمام أزمة جديدة تدور سجالاتها حول الاستفتاء وهل يشكل
مخرجاً للأزمة أم أن الاستفتاء بات في حد ذاته أزمة يصعب الخروج منها ،
وفي الإطار نفسه لو أجري الاستفتاء فى حال من عدم التوافق ، سنجد أنفسنا
نذهب إلى أزمة أخرى حتى نصل إلى ذروة سلم الأزمات التى قد تقذف بنا إلى
سيناريوهات غير متوقعة وقد تكون غير فلسطينية .
أعود إلى سؤال المقالة اليوم : هل نحن أمام أزمة استفتاء أم استفتاء أزمة
؟
لا خلاف أن الاستفتاء أسلوب من أساليب ممارسة الديموقراطية شبه المباشرة
، وقد اتسع مفهومه ليشمل كل الحالات التى يعرض فيها عمل أو موضوع أو شخص
على الشعب ليبدي رأيه ، وهناك أنواع متعددة للاستفتاء التشريعي
والدستوري والسياسي وحتى الشخصي في استفتاء الشعب على صلاحية شخص لتولي
منصب معين . وتتفاوت الدول فى ممارسة الاستفتاء وغالباً ما ينص عليه
الدستور وينظمه القانون ، وهو ليس قاصرًا على نظام سياسي بعينه ، بل
غالباً ما يتم في النظم السياسية المختلطة ، كالنظام السياسي الفرنسي ،
وحتى في النظم الرئاسية والبرلمانية وهو مؤشر على قوة رئيس السلطة
التنفيذية .
وفى الحالة الفلسطينية التى أفرزتها الانتخابات الفلسطينية التشريعية حيث
أفزت برنامجين سياسيين منتخبين غير متقابلين مع ملاحظة أولوية الرئاسة
باعتبارها رأس السلطة التنفيذية ، وبدلاً من أن تؤدي الانتخابات إلى علاج
الخلل والفساد الذى شاب أداء السلطة ، أوجد حالة سياسية فريدة ، فلم نعد
أمام نظام سياسي متوازن أو تحكمه علاقات متوازنة ومتقابلة بين مؤسساته
وقواه ، سيطرة كاملة لحماس على السلطة التشريعية والحكومة ، فى مقابل
رئيس السلطة لفتح ، ونظراً لهذا الواقع السياسى دخل النظام السياسي
والعلاقات بين مؤسساته إلى حالة من التنافر ، وأحياناً التصادم ، حول
الصلاحيات والسلطات وأحقية شرعية أياً منهما . وأضيف إلى ذلك الحصار
الدولي وحجب المساعدات الاقتصادية عن الشعب الفلسطيني مما أدخل العملية
السياسية برمتها إلى حالة من الجمود والتأزم . وهكذا بات النظام السياسي
كله معرضا للانهيار والتحلل . أمام هذه ألأزمة كان لا بد من الدخول فى
حوار وطني يضع همه الأساسي فى كيفية الخروج من الأزمة ، وعدم التبعثر
وتشتت الجهود حول قضايا أخرى . بهذا المعنى الاستفتاء فى حد ذاته يشكل
آلية مناسبه لمعالجة الأزمة ، لكن يشترط لتحقيق هذا الغرض التوافق على
هذه الآلية وإقرارها في السياسية الفلسطينية.
ورغم أهمية الاستفتاء كأداة من أدوات الديموقراطية ، ولا شك أن الأخذ بها
قد يضفي مزيداً من الديموقراطية الفلسطينية ، إلا أنه وبمجرد أن تم
إقتراح إجراء الاستفتاء أثير جدل قانوني ودستوري عكسي عمّق الأزمة ما بين
مؤيد ومعارض ، وابتداء أستطيع القول وبعد قراءة سياسية قانونية للقانون
الأساسي الفلسطيني أن أشير إلى أكثر من ملاحظة هنا :
الأولى : أنه ورغم عدم النص على سلطة الاستفتاء ، إلا أن ذلك لا يعني أن
إجراء الاستفتاء غير شرعى .
وثانياً : عدم وجود المحكمة الدستورية يوقع الجميع فى دوامة الاجتهادات
والتفسير كما يريد كل طرف .
وثالثاً : أن كلا الموقفين له وجاهته القانونية ويستند على دليل دستوري
صحيح ، فمن ناحية لا يوجد نص صريح فى القانون الأساسي يعطي للرئيس حق
الاستفتاء مباشرة ، ولا يوجد قانون ينظم عملية الاستفتاء ، لكن فى الوقت
ذاته تكشف القراءة السياسية للقانون الأساسي أن الرئيس يملك هذا الحق
إستناداً إلى المادة 26 والمواد 110 و 111 وكونه رئيساً منتخباً يجسد
المصلحة الوطنية الفلسطينية ومن سلطاته تعيين الحكومة وإقالتها ، أضف إلى
ذلك أن تهديد المصلحة الوطنية الفلسطينية واحتدام الخلاف بين البرنامجين
السياسيين للرئاسة وله ألأولوية ورئاسة الحكومة أن يتم اللجوء إلى
الاحتكام إلى الشعب الذي هو مصدر كل السلطات حسبما جاء فى القانون
الأساسى .
هذا الجدل القانوني من شأنه أن يعمق ألأزمة ويبعدنا عن الأزمة الحقيقية
التى استوجبت الحوار.
ويبقى التساؤل هل يعالج الاستفتاء الأزمة أم يعقدها ؟ ابتداء لا بد من
التأكيد أن الأزمة ليست فى الاستفتاء بل هى قائمة قبله ، ويفترض أن
الاستفتاء هو آلية لحل هذه الأزمة ، وهو بكل تأكيد لا يلغي شرعية
انتخابية قائمة ولا يلغى حتى سلطة قائمة لأنه ليس إلزامياً في نتيجته ،
فوثيقة الأسرى تقدم هذه الآلية التي يفترض أن الحوار قد فشل في تقديمها
وهى لا تقدم برنامجاً سياسياً كاملاً بقدر ما تقدم إطاراً للحركة
السياسية للجميع هو حل لأزمة . والاستفتاء هنا ليس مفاضله بين برنامجين ،
بل حول وثيقة نجاح عبرها عدد من الأسرى إلى تقديم هذه الرؤية السياسية
الناضجة ، والتى كان من المفترض أن تتوفر هذه الرؤية السياسية لمن
يتحاورون وهم خارج السجون .
والاستفتاء إما أن يأتي بالإيجاب وفي هذه الحالة على الحكومة أن تستجيب
وإلا التغيير أحد الخيارات ، لكن الأمر يحتاج إلى موافقة المجلس التشريعي
وهو أمر مستبعد ، ومن ثم النتيجة الحتمية الاتجاه نحو حكومة طوارئ تقود
بدورها إلى عدم قبول قد يقود بدوره إلى إعلان حالة الطوارئ وإجراء
انتخابات مبكرة ، وعلى حال جاءت الاجابة بالسلب فهنا احتمال استقالة
الرئيس ، وهى نتيجة ستقود بلا شك إلى حالة من الفوضى . هنا تكمن الأزمة
الحقيقية ، فبدلاً من أن يعالج الاستفتاء الأزمة ، تخلق أزمة جديدة ،
وعندها سندخل فى خيارات وسيناريوهات غير متوقعة ، ثمنها السياسي كبير ،
وقد نحتاج معها إلى وقت طويل تكون فيه إسرائيل قد حققت ما تريد .
دكتور / ناجي صادق شراب / أستاذ العلوم السياسية /غزة
drnagish@hotmail.com |