|
الحوار الفلسطيني والسير على طريقة السلحفاة
تأتي
الدعوة إلى عقد مؤتمر للحوار الفلسطيني فى وقت تعاني فيه القضية
الفلسطينية أخطر مراحلها ، وفى وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على
الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس ، وفى وقت تتزايد فيه احتمالات
التصادم والمواجهة الداخلية أكثر من إمكانات التعايش السياسي ، ولذلك
تبرز أهمية وحتمية الدعوة للحوار لإرساء الأرضية الفلسطينية الصلبة
القادرة على امتصاص واستيعاب الضغوطات الدولية وتداعياتها ، واحتواء أي
مؤشرات لتصادم داخلي محتمل .
هي
دعوة ليست جديدة ، فالحوار متلازم لكل مراحل النضال الفلسطيني ، وقد شكل
أحد مصادر قوة الشعب الفلسطيني الكامنة التي تستدعي فى أوقات الأزمات ،
لما تشكله من أهم أدوات إدارة الأزمات التي تواجه الفلسطينيين ، إلا أن
الدعوة هذه المرة تفرضها مستجدات ومعطيات فلسطينية ملحّة تتمثل وهنا
خطورة ما يحدث ، هو تنامي دور المتغير الفلسطيني بطريقة معكوسة ، وأقصد
بذلك أن أهم مظاهر الأزمة هو توظيف العامل الفلسطيني بدلاً من التحدي
ومواجهة ظروف الاحتلال والضغوطات الدولية ، نجد هذا العامل يستخدم بطريقة
تصارعية تصادمية ضد نفسه ، لذلك تأتي عملية تراجع القضية الفلسطينية
واحتمالات انهيارها هذه المرة بأيدي أصحابها ، وفى هذا السياق تمضي
إسرائيل فى خططها أحادية الجانب وفرض حلولها الإنفرادية التي ستجد الدعم
الدولي الذي توفرها لها الولايات المتحدة الأمريكية تحت حجة وذريعة أن
الفلسطينيين هم الذين أضاعوا الفرصة بصراعاتهم الداخلية ، على ماذا ؟ على
منصب حكومي ؟ أم على مكسب سياسي داخلي ؟ ولكن على حساب القضية الفلسطينية
كلها .
والتساؤلات التي تطرحها الدعوة لعقد مؤتمر للحوار الفلسطيني تساؤلات
كثيره : ما هي الأهداف الكامنة التي يسعى الحوار إلى تقديم إجابات عليها
؟ وما هي مبرراته ؟ وما هي أدواته ؟ وما هي احتمالات نجاحه ؟ وكيف يمكن
أن يؤسس لحوار مؤسساتي منتظم ؟
وبقراءة مواقف كافة ألأطراف الفلسطينية نجد التوافق التام حول الثوابت
الفلسطينية والحرص الشديد على تماسك الموقف السياسي الفلسطيني وتفويت أي
فرصة للتصادم والتنازع السياسي ، ونسمع عبارات جميلة عن المصلحة الوطنية
الفلسطينية ، وحرص الجميع على مصلحة الشعب الفلسطيني ، وعلى لانتخابات
والالتزام بنتائجها والإشادة بنزاهتها وعلى افتراض الاستمرار فى عملية
البناء الديموقراطي الذى هو أفضل وسيلة لإدارة الخلافات بطريقة سلمية ،
لكن الواقع السياسي السائد عكس ذلك تماماً ، فالتناقض واضح فى لغة الخطاب
السياسي ، ومظاهر التصادم المسلح والاحتكام للغة السلاح هي المسيطرة
والتي تلجأ لها الأطراف لحسم أمورها ، والتنازع على الصلاحيات
والاختصاصات واضحة بين مؤسسات السلطة ما بين مؤسسة الرئاسة من ناحية
ومؤسسة رئاسة الحكومة من ناحية أخرى .
إذن
الواقع السياسي الفلسطيني السائد يحتم فلسطينياً إيجاد لغة للحوار بدلاً
من لغة التصادم والتصارع على مغانم سياسية غير حقيقية ، لكن فى الوقت
ذاته توجد أزمة مركبة ومتنامية بطريقة حلزونية تلتهم معها الجميع دونما
استثناء ، وهذا يفرض منذ البداية عدداً من الحقائق : أولها أن هذه الدعوة
للحوار لا تحتمل الفشل ، فلا مجال هنا للفشل وإلا ستكون النتائج كارثية ،
وثانياً : أن الأزمة وكونها شمولية كلية تحتاج إلى مواجهة شاملة ، بإدارة
واحدة ، وثالثاً : عدم تحميل طرف دون الآخر مسؤولية الأزمة ، ورابعاً :
وهذا هو المهم الحوار ليس بديلاً لحوار السلطة ومؤسساتها بل داعم لها .
الحوار المطلوب يجب أن يكون من أجل المكاشفه والمصارحة ، وينطلق من مفهوم
المصلحة الوطنية المشتركة وليس من مصلحة التنظيم ، وهو فى مستواه يتجاوز
السطة السياسية ذاتها بما يوفره لها من شرعية تمثيلية حقيقية داعمة
ومساندة ، وذلك بهدف الوصول إلى ميكانيزمات وأدوات مؤسساتية تضمن للحوار
أن يستمر على أسس ومبادئ ومفاهيم مشتركة ، وليس مجرد حواراً موسمياً يطل
علينا برأسه كلما حلت بنا أزمة ما ، هو حوار يؤسس للوصول للغة وطنية
ورؤية سياسية ليس بالضرورة متماثلة بين الجميع ، ولكنها تشكل إطاراً
عاماً للحركة السياسية الفلسطينية بعيداً عن لغة التهديد التي نسمع
مفرداتها بشكل يبعث على القلق والخوف في آن واحد . الحوار ليس مجرد لقاء
يضم القوى والتنظيمات السياسية ، بل هو أكبر من ذلك . هو حوار واسع وشامل
يحتضن كافة قوى الشعب الفلسطيني فى الداخل والخارج ، هو شكل من أشكال
تفعيل طاقات وقدرات الشعب الفلسطيني الكامنة والممكن تفجيرها والاستفادة
منها في عملية البناء والتنمية . والحوار المطلوب لا يقف عند مجرد الكلام
والمساجلات الخطابية الجميلة ، ولا هو استعراض من على صح ومن على خطأ، بل
المطلوب هو حوار مؤسساتي تتوفر له آلية الأدوات والإمكانات والقدرات
المادية والبشرية اللازمة والضرورية لإنجاح الحوار وتحويله إلى حقيقة
بنيوية تنظيمية .
الحوار المطلوب ليس بديلاً لحوار آخر متوازٍ له وهو الحوار على مستوى
السلطة ذاتها وإنشاء وحدة وطنية للحوار تقدم رؤاها وتحليللاتها وخياراتها
لصانعي القرار الفلسطيني .
ولا
ينبغى أن يتوقف الحوار عند المستوى الذى سيعقد فى سياقه ، بل يجب أن يمتد
ويتسع ليشمل كافة مؤسسات المجتمع المدنية والأكاديمية والنقابية والمهنية
وغيرها ، وكل ذلك بهدف نشر لغة الحوار والتفاهم وإدارة الخلافات بطريقة
سلمية مدنية . وأخيراً ، الحوار هي فرصة الفلسطينيين ليتعاملوا مع قضيتهم
بلغة فلسطينية مفهومة وليس بلغة غريبة عليهم ، ولينجح هذا الحوار ينبغى
أن يذهب اليه الجميع بنوايا صادقة وبإدراك حقيقي لحجم الأزمة التي تواجه
الجميع وبحقيقة الاحتلال القائم ، وأن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة
انهيار خطيرة ، والحوار هو فرصتنا الأخيرة فى زمن غير الزمن الفلسطيني .
دكتور /ناجى صادق شراب /أستاذ العلوم السياسية /غزة
drnagish@hotmail.com
|