منتدى موقع التاريخ

دولة وجواز سفر

هل تختزل القضيه الفلسطينيه فى دولة بحدود مؤقته أو مجرد كيان إقليمي  لم يرقَ الى مستوى دولة ، أو مجرد جواز سفر يعطي لصاحبه حق الإقامة والعيش وإثبات هوية وجنسية ؟ والتساؤل الأهم: هل يشكل قيام دولة فلسطينية بالمدلول النظري والشكلي صفقة سياسية مقابل تجاوز أو احتواء كل القضايا الرئيسة الأخرى كاللاجئين والقدس والمستوطنات ، ومن ثم تحول المفاوضات إلى مفاوضات بين دولة ودولة ، وهنا تختلف الحجج والمعايير التى تحكم إدارة المفاوضات ؟

قد تبدو هذه التساؤلات غريبة أو غير منطقية الآن ، لكن التحولات والتغييرات والتبدلات على الأرض تؤكد أننا متجهون نحو مرحلة سياسية جديدة لتصفية القضية الفلسطينية ، فإسرائيل وعلى لسان أولمرت ، الذى قفز إلى بؤرة صنع السياسة الإسرائيلية بعد غيبوبة شارون الطويلة والنهائية ، يعلن عن عزم حزبه على رسم حدود إسرائيل النهائية بحلول عام 2008 ، وهو ما يعني فرض واقع سياسي جديد ، ومن ثم تصور إسرائيلي لماهية الكيان الفلسطيني أو الدولة الفلسطينية والتي لن تتجاوز أكثر من 42% من مساحة الضفة الغربية . وهكذا ، وفي كل الأحوال لن تتجاوز الدولة الفلسطينية المتوقعة ما مساحته 10% من المساحة الكلية لفلسطين أي أقل بحوالى نصف المساحة التي حددها قرار التقسيم رقم 181 . ولا يمكن فهم واستيعاب هذه التحولات إلا بقراءة تاريخية سياسية لتطور القضية الفلسطينية ، وبعيداً عن التفاصيل والمتاهات التاريخية ، فالقضية الفلسطينية ومنذ أن فرضت على أجندة السياسة الدولية ، وهى جزء من منظومة دولية تحكمها التوازنات والتحالفات الدولية وعلاقتها بتلك الإقليمية ، وعلى مدار تاريخ هذه العلاقة والتي تعود إلى القرن التاسع عشر ، وربما إلى أبعد من ذلك بمئات السنيين ، والعلاقة تميل دائما لصالح البعد الدولي للقضية ، وهذا ما نجحت إسرائيل ومعها الحركة الصهيونية في استيعابه وتوظيفه لدعم مطالبها فى قيام الدولة أولاً ثم في دعم وجودها وبقائها ثانياً ، ثم فى دعم سيطرتها وتوسعها على حساب الحقوق المشرعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته . فنجحت الصهيونية فى الحصول على وعد بلفور الذى منحها الإرادة الدولية وصولاً لقيام دولة إسرائيل بموجب القرار رقم 181 وذلك بإرادة دولية غير مسبوقة ، وانتهاءً بما تحاول فرضه برسم حدوده النهائية .

فى هذا السياق فقد ارتبط تطور القضية الفلسطينية صعوداً وهبوطاً بطبيعة التحالفات والتوازنات الدولية السائدة ، وهو ما يفسر لنا الموقف الدولي من كل سياسات إسرائيل المناهضة لقرارات الشرعية الدولية ، حتى ما حدث أخيراً فى سجن أريحا لا يخرج كثيراً أو قليلاً عن هذا السياق .

وفى ظني وحيث فشلت أسرائيل أن تنفي وجود الشعب الفلسطيني والذى نجح من خلال نضاله وتضحياته فى التمسك بالأرض ورفض كل محاولات التذويب ، أن يأتي الحديث عن قيام دولة فلسطينية ، ولكن السؤال أي دولة ، وبأي ثمن ، ومقابل ماذا ؟ ومن هنا جاءت دعوة الرئيس بوش بقيام دولة فلسطينية ، حتى أن هذه الدعوة تلاقت مع رؤية إسرائيل للدولة الفلسطينية : دولة دون تحقيق مبادئ العدالة الدولية ، دولة تفضي إلى إلغاء المرجعيات الدولية التي حكمت مسارها الدولي. وبهذا التصور نكون أمام أنموذج جديد فى العلاقات الدولية ، فالهدف الأساسي ليس قيام دولة بالمعنى المتعارف عليه فى القانون الدولي ، دولة على إقليم معين وسلطة لها السيادة على أرضها، وشعب متوحد جغرافياً ، ودولة لها الإمكانيات التى تضمن بقائها ذاتياً ، على العكس : دولة وظيفتها أن تتفاوض مع إسرائيل بمنطق الدولة وليس بمنطق الحقوق . وتحقيقاً لهذه الأهداف فلا بد من خطوات ممهدة مثل ابتلاع مزيد من الأرض ، وفرض أسوار مانعة ومحددة ، وتجزأة لإقليم هذه الدولة ، بعبارة واضحة : إجهاض كل إمكانات هذه الدولة حتى يسهل فى النهاية ابتلاعها سياسياً واقتصادياً ، وحتى مكانياً . ومن هنا تسارع إسرائيل لرسم الحدود ، وإجراء فصل سكاني ، والتحكم فى ينابيع التنفس لهذه الدولة الفلسطينية ، وحيث الأمر هكذا يأتي الحديث عن دولة فلسطينية بحدود مؤقته قد تستمر سنوات طويلة ، وعليه ففكرة الدولة الفلسطينية تأتي لأداء وظيفة سياسية أهمها القفز على قضايا التفاوض النهائي . هذا هو الفهم الذى تقدمه إسرائيل للدولة الفلسطينية : أرض محصورة، وجواز سفر يتيح لحامله العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية لا غيرها ، وبذلك تنتهى مع الجواز مشاكل كثيرة كالتوطين ، ويتحول معه الإنسان الفلسطيني من لاجئ يبحث عن مكان إلى مواطن بلا حقوق سيادية قانونية .


دكتور ناجى صادق شراب /كاتب وأكاديمي فلسطيني /غزة

drnagish@hotmail.com

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا