منتدى موقع التاريخ

لقاء الرئيس


سعيت للقاء الرئيس منذ وقت طويل ، الى أن تلقيت دعوة مع نخبة من الكتاب والصحفيين لمقابلة الرئيس ، وكان اللقاء فى مكتبه بمنتدى الرئاسة بغزه ، ولقد ذهبت الى اللقاء حاملا معى تساؤلات كثيره لخصتها فى سؤالين : الأول الى اين نحن سائرون وسط هذا الخضم من التحولات السياسية الداخلية والخارجية ؟ وهل نعرف كيف نسير ؟ وبأى بوصلة ؟ وكان السؤال الاخر وهو مرتبط بالسؤال ألأول اين دور الرئيس وما هى قصة الاستقاله التى تنشرها وسائل الاعلام من وقت الى آخر؟

لقد اتسم الحديث بالوضوح والصراحة بعيدا عن بروتوكولات السياسة ومحاذير الرئاسة . وخيم على اللقاء الواقع السياسى الفلسطينى واستشرافاته المستقبلية . وكان لموضوع الاستقالة نصيب كبير من المناقشة . وتساءلت كيف لرئيس انتخبه شعبه فى انتخابات مباشرة اتسمت بالنزاهة والشفافية أن يقدم استقالته ، ويترك المسؤولية قبل عام من اجراء الانتخابات وفى هذا الوقت المصيرى والحاسم الذى قد يقذف بنا خارج دائرة الفعل الفلسطينى ؟ وجاءت الاجابة بشكل واضح وقاطع لم انتخب لكى اقدم استقالتى ، فممارسة المسؤلية وتولى المنصب مرتبطتان بالانجاز والقدرة على العطاء وترجمة البرنامج السياسى الى برامج عمل قابلة للتنفيذ يلمسها المواطن فى حياته اليومية . وبالقدرة على معالجة ومواجهة التحديات والمشاكل التى تواجه مسيرة العمل السياسى الفلسطينى .

هذه هى القناعة التى لمستها فى موقف الرئيس للمنصب . وكان السؤال وهل الاستقالة مرتبطة بوصول حماس الى السلطة ؟ أجاب الرئيس وبشكل واضح وضوح قناعاته ، صحيح أن وصول حماس قد أدى الى التغيير فى بنية السلطة ، والعلاقات بين مؤسساتها ، وهو شكل لم نعهده من قبل ، وهنا قد تكمن الصعوبة ، وهو ما نحتاج معه الى وقت طويل من الممارسة السياسية ، وأضاف متسائلا هو هذه المرة ومن الذى أصر على اجراء الانتخابات فى موعدها ومشاركة حماس فيها ، فكما احترم ارادة الشعب الذى اختارنى فلا بد من احترام ارادته فى الانتخابات البرلمانيه ومنحه الثقة لحماس ، وهذه هى قواعد اللعبة الديموقراطية التى ينبغى أن نناضل من أجلها .

ورغم اعترافه بصعوبة التحديات والمسؤوليات ، فإن بوصلة العمل السياسى ليست مفقودة لديه ، فهناك القانون أالأساسى ، وهنا ك مؤسسة الرئاسة المنتخبة ، والاهم هناك المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا التى تتجاوز كل الاختلافات وتحتم التوحد والتوافق فى المواقف لمواجهة تحديات المسؤولية ، والتحديات والمشاكل لا تعنى فقط مؤسسة الرئاسة بل الجميع . وما لفت اهتمامى هنا أنه قدم رؤية شاملة للسلطة السياسية ، فهو كرئيس للسلطة يرى ممارستها فى اطار كلى شمولى تنسيقى بعيدا عن اسلوب التصادم حول الصلاحيات . فالسلطة لديه ظاهرة شامله ومعقده وخصوصا فى حالتها الفلسطينية . فالمتغيرات التى تتحكم فيها كثيرة بعضها داخلى ، وما أكثر الخارجية منها . وفى إطار هذا الكل يمكن الوصول الى تفاهمات وتوافقات بين مؤسسات السلطة .

وعلى الرغم من النظرة التشاؤمية التى كانت تتسلل احيانا الى رؤيته للحاضر والمستقبل ، سرعان ما يعود الأمل الى خطابة ، والذى يستمده من قوة ارادة شعبه على التحدى والاستجابة ولمست هنا نظرة واقعية مستمده من خبرة طويلة فى التعامل مع المحيط الاقليمى والدولى للقضية ، أكسبته فهما كاملا لمواقف الدول وجديتها ، وفهم لادارة الصراع والمفاوضات مع اسرائيل ، وتفهم لآليات وأساليب النضال السياسى التى تتوائم مع طبيعة الصراع ومتغيراته ، هذا التفسير هو الذى أضفى قدرا من التفاؤل على فلسفته ومنهاج عمله ، مما يدفعه للاستمرار فى العمل وليس الاستقالة .

والأمر الآخر الذى أضفى على تفاؤله قدرا من المصداقية القناعات التى يؤمن بها القائد أو المسؤول ، وهذه القناعات هى التى تضفى بعدا على المسؤولية وممارستها . وهى التى إن لم تتحقق ينتفى معها المبرر للتمسك بالمنصب والسلطة ، وهذا يعنى أن هناك فصلا ما بين الرغبة فى الاستمرار على كرسى السلطة والاستئثار بالمنصب ، وما بين القدرة على أو القناعة فى الانجاز وأداء العمل وتلبية الوعود التى بناءا عليها تتم عملية الاختيار .

هنا أدركت ماذا تعنى الاستقالة ؟ هى استقالة المسؤولية وليست استقالة الهروب من القناعات ، هى عملية اعادة المسؤولية الى الشعب الذى منحها لشخصه ليمنحها لآخر ، او يرفضها ويجدد الثقة والمشاركة فى تحمل المسؤولية .وانتهى اللقاء بعد ساعتين الغى الرئيس فيهما عددا من ارتباطاته عندها أدركت قيمة ما يكتبه الكاتب والمفكر والدور الذى ينتظر الكتاب والمفكرين فى اطار من السؤلية الشاملة ، أدركت معها أن الرئيس لا يفكر فى الاستقالة بل يخاطب فينا جميعا تحملها معه .

دكتور/ ناجى صادق شراب

استاذ العلوم السياسية /غزه

drnagish@hotmail.com

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا