|
التراجيديا الفلسطينية الدامية
أمسكني من يدي بشدة بإحدى يديه القويتين الخشنتين وبيده الأخرى يتكىء على
عكازه الذى يحميه من عثرة التقدم فى العمر وسألني : أيهما أفضل ياولدي أن
يتفقوا فى إطار حكومة واحدة أم أن تذهبوا جميعاً أنتم والمناصب التى
تتقاتلون عليها إلى الجحيم ؟ وتساءل أيضاً : أين هى المصلحة الوطنية
ومصلحة الشعب الذى يقتل أطفاله أمام عينيه ؟ أين أنتم من كل هذا ؟ هل لم
يعد للقلم أهميته ؟ هل ضاعت الحقيقه وسط الخوف من رصاصة هنا أو هناك ؟
وأضاف : اكتب ودع الآخرين يكتبون ويتكلمون ويصرخون فى وجه استبداد
البندقية ، أزيلوا النقاب عن الوهم الذي بتنا نعيشه تحت عنوان السلطة
والحكم . وقال : وقبل أن أنسى وأفقد الذاكرة بسبب تقدم العمر إذاكان
الحكم والتمسك بالناصب سيقودنا الى الاقتتال وقتل هذه الطفولة البريئة
فلتذهب السلطة والحكم ، بل ، فليذهب الجميع الى الجحيم .
أكتفى بما قاله هذا العجوز الذى تجاوز السبعين من عمره ، لكنه عاد
وحمّلني أمانة أن أكتبها وهى : أننا الجيل الأول قد حافظنا على القضية
حية ليس فقط في الضمير الفلسطيني بل فى الضمير العالمي الحي ، كيف ؟
بتمسكنا ببعضنا وبحبنا للقضية على ما سواها ، أم أنتم فأخشى أن تفقدوها
بحبكم للسلطة والوزارة والجاه والمال .
هذا ما قاله لى هذا العجوز الفلسطيني ، وماذا يمكن أن نقول بعد ذلك ؟
فكّرت أولاً أن أعتزل الكتابة وأنحى بنفسي جانباً خوفاً من رصاصة طائشة ،
أو خوفاً على أحد أبنائي ، لكني تراجعت ، لأن من شأن ذلك أن يحولني إلى
إنسان بلا هدف ، ويفقدني قيمة الرسالة التي نحملها جميعاً ، وأن هذا
نكوصاً في الوعد الذي قطعته مع هذا العجوز الفلسطيني وخيانة للأمانة .
وفكرت ثانية أن أهاجر بحثاً عن الأمان ، ولكن ماذا تبقى من العمر حتى
نترك الوطن ؟ والأخطر في هذا التفكير أننا نهاجر ليس بسبب الاحتلال ،
ولكن تحت الخوف من البندقية ! لكنني عدت وتساءلت مع نفسي : ماذا لو تركنا
جميعاً هذه البقعة الصغيرة ؟ ماذا سيتبقى لمن يتنازعون على الحكم والسلطة
؟ ولكن أليس مخرجاً لأزمة الحكم ، لأنه لحظتها لن يجد هؤلاء السياسيون
سبباً للتنافس . ولم يبق أمامي سوى أن أواصل جهاد القلم والكلمة الصادقة
لأنه فى النهاية الكلمة باقية والسياسيون سيرحلون ويرمى بهم المجتمع فى
سلة نسيان التاريخ .
أعود وأقول : إن سبب الأزمة الفلسطينية الحقيقية أننا لم نعد ننظر إلى
قضيتنا من داخل أنفسنا، وتجاهلنا أننا تحت الاحتلال الذي يستنفذ قدراتنا
تدريجياً وأننا نخسر يومياً الأرض التي نعيش عليها حتى تأتي اللحظة التي
لن نجد أرضاً نمارس عليها الحكم . وللأسف الشديد دخلنا بل أدخلنا أنفسنا
فى متاهات لا مبرر لها : حرب كلامية ، وتفنن فى استخدام مفردات مقززة
للسامع والمشاهد ، لدرجة أن أحد الأصدقاء فى الخارج أرسل لي يقول : ما
الذي تفعلونه في أنفسكم وكيف تحول هذا الإنسان الفلسطيني الذى ينظر إليه
فى الخارج على أنه المقاوم وصاحب القضية العادلة ، والذى قدم أرقى صور
التضحية والممارسة الديموقراطية ، كيف لهذا الإنسان أن ... يقتل الطفولة
فى داخله ؟ ويضيف صديقي : ماذا وكيف يمكن أن أدافع عن هذا الإنسان ؟
لا شك أننا نعيش أخطر بل وأسوأ مراحل القضية ، لأننا فى هذه المرحلة نحن
الفاعلون وليس غيرنا ، وإذا أسأنا لقضيتنا فبفعل أعمالنا . كان يفترض أن
نقدم أنموذجاً في الديموقراطية والحكم ، وأن نقدم أيضاً أنموذجاً رائعاً
فى دور الدين بالسياسة وأن نقدم حلولاً للحكم الإسلامي ، وأن نقدم كذلك
نموذجاً فى المقاومة والنضال ، وهذا ما حدث فعلاً فى السنوات السابقة .
أما اليوم نندفع نحو هاوية السلطة والحكم ، والمشكلة لا تكمن فى الحكم بل
العكس تأسيس كينونة سياسية يعتبر من أهم متطلبات النضال وصولاً الى
الدولة المستقلة ، لكن ما نفتقر اليه على ما يبدو هو أننا نحتاج لمزيد من
الممارسة الديموقراطية وتحكيم قواعد وأسس اللعبة السياسية المبنية على
الديموقراطية، والتدريب على أصول التعامل واحترام أنفسنا . ونحن نخاطب
العالم بعبارات لائقة لا تسيئ إلى قضيتنا وإلى أنفسنا . وأستغرب فى هذه
الأزمة أن الكل يحتمي بالديموقراطية ، إذن لماذا لا نطبق هذه
الديموقراطية فى إدارة الخلافات والتنازع السياسي ؟ ولذلك فإن من أولى
قواعد حل الأزمة الاقرار بأن هناك أزمة وأن أحد أسبابها هو التحول في
بناء السلطة ، والاقرار أن هناك مؤسسات سياسية لها شرعيتها فليس فقط
الحكومة شرعية بل الرئاسة أيضاً لها شرعيتها ؛ أضف الى التدرج في قاعدة
الشرعية السياسية ، فلا يعقل أن تحكم وتدار السلطة برأسين وبرنامجين !
وكيف ذلك ؟ وهل يمكن تجاهل دور الرئاسة فى هذه الأزمة ؟ الكل نصب نفسه
خبيراً فى الدستور وتفسير نصوصه ! لماذا لا نحتكم الى لجنة دستورية
محايدة توصياتها تكون ملزمة ؟ أين هذه المحكمة ودورها ؟ ولماذا هذا
التلويح بالنتائج الوخيمة إذا ما أخذ الرئيس خياراً ؟ وإذا كان الجميع
يدركون هذه النتائج الخطيرة فلماذا لا يتفقون عى صغائر الأمور ؟ ويبقى أن
أتساءل نفس السؤال الذى طرحه العجوز الفلسطيني : أيهما أفضل أن نشكل
حكومة وحدة وطنية ترفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وأن تتصدى لحالة
الفلتان الأمني ... و ... الاقتتال الداخلى الذى لن يفرق بين ظالم ومظلوم
؟
د. ناجي صادق شراب /أستاذ العلوم السياسية /غزة
drnagish@hotmail.com
|