منتدى موقع التاريخ

ماذا لو فازت حماس في الانتخابات


في كل لقاء وحلقة نقاش فكرية تجمعني بعدد من المثقفين والمفكرين وبعض رجالات السياسية ألمس حالة من الفزع والقلق والتخوف العميق من احتمال فوز حماس بأغلبية المقاعد البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني القادم.

ولم يقتصر هذا الخوف والقلق على بعض الأوساط الفكرية والسياسية الفلسطينية ، بل امتد إلى الخارج في شكل التهديد الأمريكي وحتى الأوروبي بوقف الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية ، وتهديد إسرائيل من ناحيتها بعرقلة الانتخابات وعدم الاعتراف بسلطة فيها حماس تحت ذريعة مواقف حماس السياسية الداعمية للعنف وتدمير إسرائيل . نقاشات عميقة وساخنة وأراء متناقضة حول هذا الدور واحتمالات فوز حماس . وحتى أوضِّح موقفي منذ البداية أود أن أشير الى أنني أنطلق في مقالتي هذه من قناعة ذاتية بحثية تقتضيها وتفرضها على انتمائي الأكاديمي كأستاذ للعلوم السياسية ، وليس على اعتبار الانتماء التنظيمي ، فأنا أعبر عن موقف علمي تحليلي بعيداً عن الانتماءات الحزبية والتنظيمية الضيقة . ابتداء لا أجد أي مبرر لهذا القلق والفزع والتخوف من فوز حماس أو تحقيقها نتيجة إيجابية ، وهذا الفوز المتوقع والذي يسبقه ما حققته في عدد من البلديات الكبرى هو حاصل عوامل وأسباب كثيرة ، فمن ناحية ، ولعل هذا أهم أحد الأسباب النقمة والغضب الشعبي العارم ضد أداء السلطة في السنوات العشرة الأخيرة ، وتفشي ظاهرة الفقر والبطالة ، وتزايد الفجوات الاجتماعية بين طبقات المجتمع ، ومظاهر الترف التي بدت بشكل جارف على فئة قليلة ممن ينتمون إلى السلطة ، ومن ناحية ثانية انغماس فتح وباعتبارها التنظيم الأكبر والأكثر شعبية والأكثر تضحية في دهاليز السلطة مما أفقدها الروح التنظيمية والثورية وأصابها بحالة من الشلل السياسي تسيب في حال’ وهن سياسي مما عمق من أزمتها البنيوية ودورها وتواصلها مع قاعدتها الجماهيرية ، ومن ناحية ثالثة الدور الاجتماعي الذي لعبته حماس ، فضعف السلطة وتراجع أدائها وعجزها عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للمواطنين وبسبب ما تعرضت له من محاولات مقصودة من جانب أسرائيل بضرب بنيتها وهياكلها ، كل هذا أوجد فراغاً وقضاءاً سياسياً بين السلطة والمواطن ، نجحت حماس الى حد كبير في ملئه وسده بتوسيع شبكة خدماتها الاجتماعية ، وكل هذا زاد من عدد المنتمين لها والمرددين لشعاراتها وخطاباتها دون نقاش أو مراجعة ، أضف إلى ذلك فشل التيارات السياسية الأخرى من تقديم البدائل المقنعة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني .

وإلى جانب هذه الأسباب ، شكل الضغط الخارجي والمطالب بإقصاء حماس عن الإنغماس في السياسة والانتخابات من تأييد المواطنين لها ، وهذه باتت قاعدة سياسية ثابتة ، فالمواطن العربي لا يأخذ بالمواقف التي تتخذها الولايات المتحدة وإسرائيل ، ويقف منها موقف المعارض والمشكك . وفوق كل هذا القناعة التي وصل إليها المواطن الفلسطيني لماذا لا نعطي الفرصة لمن لم يزاول السلطة ويمسك بشعارات الإصلاح والتغيير وممارسة الفساد . وهو الذي حمى  نفسه من مظاهر الإنغماس في السلطة ومن ثم اختبار الممارسة السياسية التي تفرض واقعاً ومتغيرات ومتطلبات تتباين مع أسلوب الشعارات المطلقة والخالصة . فمن السهل على المرء أن يظل مناهضاً للسلطة وناقدا لها وهو بعيد عنها .

وبعيداً عن الأسباب والمبررات التي تساق لنجاح حماس في الانتخابات القادمة ، يظل السؤال المطروح وبقوة هل من حق حماس أن يصلوا إلى السلطة عبر صناديق الانتخابات وعبر الأسلوب الديمقراطي المتعارف عليه ، والإجابة ببساطة ، ديمقراطياً ، نعم ، فمن حق أي تنظيم أن يصل إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع ، وحماس من حقها ذلك أيضاً ، ومن حق الناخبين أن يختبروا برنامجها وسياساتها وشعاراتها وبعدها يمكن أن يحكموا على مصداقية هذه الخطاب ، وابتداء ينبغي الإقرار بعدد من الأمور الهامة أولها إدراك حماس أنها وصلت إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع وليس عبر أية وسيلة أخرى ، ومن شأن ذلك أن يفرض عليها تبعات سياسية قد تعكس في تعاملها ومواقفها من العديد من القضايا الرئيسة وفي كيفية تعاملها مع البعد الإقليمي والدولي للقضية الفلسطينية ، وفي ظني أن هذا قد يؤدي إلى حالة من التكيف السياسي الذي قد ينعكس في مرونة وواقعية وبرجماتية أكثر في الخطاب السياسي لحماس . ومن ناحية أخرى التعامل مع السلطة وممارستها شىء والتنظير لها شيء آخر ، فالواقع السياسي تحكمه متغيرات وموازين قوى داخلية وخارجية تفرض على من يمارسها أن يعيد ويراجع خطابه ويسعى إلى ترشيد آلياته وأدواته ، وإلا سيجد نفسه في واقع سياسي معزول داخلياً وخارجياً مما قد يهدد المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني التي أوصلته إلى سدة الحكم .

هذه الممارسة للسلطة السياسية هي التي ستتضع برنامج حماس تحت الاختبار ، الحكم ومواصلته ، فإن نجح فسيكون له الحق في الحكم ومواصلته ، وإن فشل فسيكون ذلك فشلاً لحظابه وبرنامجه السياسي ، كما فشلت قبل ذلك العديد من التيارات القومية والاشتراكية وهكذا سيحدث الخلاص الأيديولوجي ، وتتبدد كثير من القناعات التي تكونت لدى المواطن عبر الشعارات الكبيرة والخالصة . ومن شأن هذه الممارسة أيضاً أن يقترب خطابها أكثر وأكثر من علمنة السياسة ، وكلما أصبحت مفردات السياسية هي الأكثر تحكماً في مفردات خطابهم السياسي ، ومن ناحية ثالثة فحماس لن تكون بمفردها المتحكم في السلطة السياسية فهناك العديد من التنظيمات والقوى السياسية التي قد تشكل تحالفاً قوياً فيما بينها ويفرض بدوره ضغوطاته وأطروحاته على ممارسة حماس للسلطة ، وهذا من شأنه أن يدفع في اتجاه أكثر واقعية وبرجماتية في التعامل مع القضايا الحياتية .

وبممارستها للسلطة أيضا سندرك أن حدود هذه الممارسة لا تقف عند حدود السلطة داخلياً بل لها امتدادات خارجية تفرض عليها أعباءً وضغوطات لا مهرب منها ، فنحن نعيش في جزيرة معزولة نائية ، ووخصوصاً في وضع القضية الفلسطينية التي تتحكم فيها الأبعاد الدولية بشكل كبير . وفي الوقت ذاته لا يمكن إنكار دور المتغير الإسرائيلي في السياسة الفلسطينية ، فبيئة السلطة السياسية الفلسطينية أكثر تعقيداً وتشابكاً ومتغيراتها الداخلية والخارجية متداخلة بشكل كبير ، وهذا الوافع لابد وأن يفرض نفسه على كل من يمارس السلطة . وفي سياق تداول السلطة السياسية وتناوبها بطريقة ديمقراطية فهذا معناه إمكانية انتقال السطلة من قوة إلىأخرى ، وبالتالي هذا من شأنه أن يرسخ لمفاهيم سياسية لم تكن قائمة ، وقد يرسى لقواعد ومبادئ في إدارة وحسم الخلافات بطريقة مؤسساتية تمثيلية شرعية لم تكن قائمة ، وهذا سيقود إلى حل كافة المشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتأكيد على مشروعية السلطة السياسية ، لأنها ستكون جزءً منها ومن مصلحتها أن تحافظ عليها وعلى استمراريتها .

وأخيراً فإن السياسة منظومة شاملة التعامل معها يحتاج إلى قدرات تتجاوز الخطابات والشعارات اللفظية وسيقود إلى أن يكون لحماس وغيرها دوراً مركزياً في قلب العملية السياسية . وبهذا الممارسة الديمقراطية السياسية سيكون الفائز الاول والأخير هو النظام الديمقراطي الفلسطيني ، وإذا ما نجحنا سنكون قد أوجدنا نظاماً ديمقراطياً قادراً على الوصول إلى أهدافه الوطنية بطرق وأساليب نضالية سياسية مشروعة ومدعومة من الداخل والخارج.

 

د. ناجي صادق شراب

أستاذ العلوم السياسية /غزة

drnagish@hotmail.com

المقالات الواردة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليه

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا