|
قراءة مبكره لخريطة القوى السياسية
في
البرلمان الفلسطينى المقبل
السمة البارزة لطبيعة الانتخابات الفلسطينية التى ستجري فى 25 يناير
القادم تعدد القوائم والقوى المشاركة فيها ، وهذا فى حد ذاته ظاهرة صحية
، ومن ثم سنكون أمام انتخابات مختلفة عن انتخابات العام 1996 ، والتى
سيطرت عليها حركة فتح ، لذلك نحن أمام مشهد انتخابي لم تعهده البيئة
السياسية الفلسطينية ، ورغم التسليم بأهمية التعددية السياسية لإفراز
انتخابات أكثر تمثيلاً ومنافسة ، إلا أن المعضلة التى تواجه هذه
الانتخابات أن البيئة السياسية الفلسطينية لا توفر المقومات والمتطلبات
الضرورية لإنجاح هذه الانتخابات ، ولذلك نحن أمام خيارين ، إما أن تتم
الانتخابات فى ظل أجواء أمنية هادئة وبالتالي تفرز واقعاً سياسياً جديداً
يرسي ويمهد لنظام سياسي فلسطيني جديد بعيداً عن احتكار السلطة ، وقد يمهد
في الوقت ذاته لولادة أحزاب سياسية جديدة ، وهذا يتطلب أن تجري
الانتخابات على قدر كبير من النزاهة والمصداقية حتى يتم التسليم بنتائجها
.
وأما الخيار الثانى وهو الأكثر رجحاناً أن الانتخابات القادمة تفتقر إلى
أسس ومقومات نجاحها ، فمن ناحية الانقسامات الحادة داخل تنظيم فتح
المسيطر على مقاليد السلطة السياسية وعلى رأسها السلطة التنفيذية ، ومن
ناحية أخرى زيادة درجة التصعيد والمواجهة العسكرية إسرائيلياً والتى تتجه
نحو مواجهة أكبر واحتمال بقيام عمليات داخل إسرائيل مما قد يزيد الأمور
تعقيداً ، ويدفع بالمزيد من تدخل إسرائيل وعرقلتها لإجراء أالانتخابات ،
ومن ناحية ثالثة التدخلات العسكرية من قبل التنظيمات والفصائل العسكرية
لحسم الخلافات عبر البندقية وليس عبر شرعية سياسية متوافق عليها . ومن
ناحية رابعة تمسك إسرائيل بموضوع القدس وأن تبقى خارج العملية الانتخابية
مما يعنى القبول بذلك التنازل عن هذه القضية المقدسة. ومن ناحية خامسة
تشتت الرأي العام الفلسطيني وتراوحه ما بين النفور واللاسلبية وعدم
المصداقية لما يجري ، وبالتالي قد يؤدي إلى انتخابات بعيدة عن المشاركة
السياسية الحقيقية .
قراءة هذا الخيار قد تقودنا إلى توقع نتائج سلبية للانتخابات الفلسطينية
إذا جرت فى موعدها المحدد . ومن هنا احتمالات التأجيل قوية خروجاً عن
نتائج غير متوقعة قد تضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية بشكل كبير ،
وتصورنا أننا غير جديرين بالممارسة السياسية الديموقراطية ، ويقوي حجج
إسرائيل بعدم وجود قيادة فلسطينية شرعية قادرة على التفاوض ، والأخطر من
ذلك من شأنها أن تخلق موقفاً دولياً سلبياً ينعكس على تراجع الوعود
بتقديم الدعم الاقتصادي للاقتصاد الفلسطيني المتهالك والعاجز عن تلبية
حاجات الناس والتصدي لمشاكل البطالي والفقر الذي تزداد نسبته كل يوم.
أعود الى الخيار الأول وهو فى حال إجراء الانتخابات فى ظل هذه المعطيات
السياسية السائدة ، فالملاحظ زيادة عدد القوائم الانتخابية وبلوغها 12
قائمة ما بين كبيرة ومتوسطة الحجم . ومع هذه القوائم والتي تتنافس على
132 مقعداً برلمانياً على مستوى الدائرة والقائمة ، فإن الأمر الواضح هو
تعدد الرؤى والتوجهات وتمحورها ما بين اتجاهات علمانية وطنية تمثلها فتح
واتجاه ديني تمثله حماس . ورغم أن كل هذه القوائم سوف تتحدث بنفس
العبارات وتردد نفس الوعود ، فإن القاسم المشترك بينها هو سعيها وبكل
الوسائل الى ضمان أكبر عدد من المقاعد البرلمانية لتساهم فى صياغة الحاضر
السياسي خلال عمر البرلمان الافتراضي أي أربع سنوات ، وفي حال تشكيله قد
لا يكمل هذه السنوات ونشهد لأول مرة إجراء إنتخابات مبكرة ، وهذا هو
الخيار الثالث فى القراءة المبكرة للبرلمان القادم . ولعل الحجة التي
تسند هذا الخيار هو صعوبة حسم أي قائمة بما فيها فتح وبعد انقسامها
وتشكيل قائمة جديده من الجيل الأصغر من تحقيق أغلبية برلمانية مريحة ،
ولذلك الصورة الأكثر رجحاناً هو عدم حصول أي تنظيم على الأغلبية
البرلمانية التى تسمح له بتشكيل الحكومة القادمة ، والبديل لذلك ائتلاف
برلماني هش بين القوى العلمانية الوطنية ، مع وجود معارضة قوية تزيد من
احتمالات ممارسة حق حجب الثقة ومن ثم حلّ البرلمان . هذا من الناحية
القانونية الإجرائية .
وفي ظني أن إجراء الانتخابات إذا ما تمت رغم كل المعوقات قد تشكل شكلاً
من أشكال إستراتيجية حفظ ماء الوجه ، إلا نتيجتها هي التى ستقرر ما إذا
كان البرلمان الفلسطيني سيكمل عمره الافتراضي ، أم لا .
وعليه تشير القراءة المبكرة لخريطة القوى السياسية فى البرلمان الفلسطيني
القادم وبوضوح ومنذ الآن ، الى أنه لا توجد قوة قادرة بمفردها على تشكيل
الحكومة ومن ثم قيادة دفة الحكم والسلطة مهما كان حجم التحالفات
الانتخابية التى قد يتفق عليها .
ومن هنا لا تبدو هذه التحالفات قبل البرلمان واردة ، بل قد يشهد البرلمان
بعد الانتخابات نشاطاً سياسياً واسعاً لإيجاد صيغاً من التحالف والكتل
بين القوائم ، والسبب الرئيس لذلك هو قانون الانتخابات الذى لم يكن
موفقاً ما بين الدوائر والقوائم .
وفى ضوء هذه الاعتبارات فإننا مقبلون على خريطة سياسية جديدة ، ويمكن
التوقع منذ الآن أن فتح وباعتبارها أكبر تنظيم لن تستطيع أن تحصد نفس
المقاعد لها فى البرلمان السابق . وتوقعنا فى هذا الصدد أن تحصد فتح مع
القائمة المستقبل ما نسبته 30 الى 35 فى المائة مع اقتراب حماس من نسبة
ال 30 في المائة ، وفي حال انحسار عدد القوائم الصغيرة فإننا سنشهد ثلاث
قوى رئيسية: فتح مع قائمة المستقبل من ناحية وحماس وما بينهما قوى الوسط
. وهكذا تبدو القراءة المبكرة للبرلمان الفلسطينى القادم رغم صعوبة
التنبؤ والتكهن بالنتائج المتوقعة .
دكتور /ناجي صادق شراب /أستاذ العلوم السياسية /غزة
drnagish@hotmail.com
|