منتدى موقع التاريخ

هل إسرائيل في حاجة لاعتراف ؟

من المتعارف عليه فى أدبيات الاعتراف الدولى أن ألاعتراف يتم بين الدول أو حكومات الدول ، وهذا الاعتراف يأخذ شكلين : الأول ضمنياً والآخر صريحاً ، والأخير هو الأكثر تحديداً لأنه يتم إما بإقامة علاقات ديلوماسية بين الدول المعنية ، أو بإصدار بيان حكومي واضح وصريح تعترف به بالدولة أو الحكومة الأخرى التي في حاجة إلى هذا الاعتراف . أما الاعتراف الضمني فيأخذ تعابير وصوراً متعددة ومتنوعة ، منها عدم إنكار وجود دولة ما ، أو استخدام تعابير مثل رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو حتى عن طريق الاتصالات الغير رسمية ، وهذا الشكل واضح في السياسات العربية ، ولسنا فى حاجة الى إنكاره ، ومع ذلك يبقى هذا الشكل من الاعتراف غير كاف لأنه غير ملزم ولا يرقى إلى درجة الاعتراف الرسمي .

وفى الحالة الفلسطينية-الإسرائيلية فإن الاعتراف تم بين منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، وتأكد هذا الاعتراف بعد ذلك من قبل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة ومن خلال الاتصالات الرسمية المباشرة بينهما وعقد مجموعة من الاتفاقيات ، وكل ذلك مقابل اعتراف إسرائيل بالوجود السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وعدم قدرتها على التنصل من الوجود السياسي للشعب الفلسطيني .

والملفت للانتباه فى هذا الاعتراف أمران : الأول هو اعتراف بإسرائيل كدولة فقط ، والأمر الثاني أن اعتراف إسرائيل بالمنظمة لا يعني إقرارها وتسليمها بحق الشعب الفلسطيني بممارسة حقوقه المشروعة على أرضه وحقه فى إقامة دولته المستقلة ، وكذا الموقف من القضايا التفاوضية الأخرى كقضية اللاجئين والقدس والحدود ووضع المستوطنات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية ، ولذلك هو شكل من أشكال الاعتراف الخاص ، فمن ناحية هو اعتراف فى ظل استمرار الاحتلال ، ومن ناحية أخرى من قبل سلطة محتلة وسلطة محتلة (بفتح التاء)وهو بهذا المعني الدقيق اعتراف مبتور وغير مكتمل إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وتحديد حدودها السيادية ، على تقدير فى المرحلة الأولى ، ولذلك فإن شرطاً من شروط اكتمال الاعتراف بين الجانبين هو اكتمال قيام الدولة الفلسطينية المستقله على حدود واضحة ومحددة ومعترف بها ، وهو ما يعني بالمقابل تحديداً لحدود إسرائيل كدولة ، وهنا الاعتراف قد يأخذ الشكل القانوني ، وقد تأتي بعد ذلك مرحلة تالية تسوى فيها القضايا السالفة الذكر وفى حال تسويتها يمكن أن يرقى الاعتراف إلى درجة أكبر من الاعتراف القانوني كتطبيع كامل للعلاقات ومن ثم إنهاء النزاع التاريخي بينهما ودخول العلاقات إلى مرحلة جديدة تتجاوز الأبعاد القانونية . ولذلك من الأخطاء الشائعة التي حدثت هو عدم اعتراف إسرائيل بكون السلطة الفلسطينية لها صلاحيات وسلطات حقيقية ، وظلت تتعامل معها على أنها شكل من أشكال الحكم الذاتي من ناحية ، وتعاملت مع الأرض الفلسطينية ليس كأرض محتله ، ولكن كأرض لها حق تاريخي فيها تفعل بها ماتشاء من مصادره وضم وإقامة المستوطنات والمشاريع الحيوية والشروع في بنا ءجدارها على حساب الأرض الفلسطينية ، وهو ما من شأنه أن يقوض ويجهض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ومن مضمونها المكاني والسياسي ، ومن ثم سقوط كل المضامين والدلالات السياسية والقانونية التي يحملها معنى الاعتراف القانوني والسياسي المتبادل بين الطرفين . وكأن هذا الاعتراف من الجانب الفلسطيني هو إقرار بحق إسرائيل التاريخي فى الأرض الفلسطينية ، دون التزام اسرائيل بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه أو على الأقل على جزء من أرضه التاريخية .

أعود لسؤال مقالتي اليوم وهو هل إسرائيل فى حاجة إلى اعتراف حماس ؟ ابتداء ينبغي التأكيد على صعوبة التمييز بين الحركة والحكومة فالأمران شيء واحد ، ومن الناحية النظرية القانونية والسياسية قد لا تكون إسرائيل فى حاجة إلى هذا الاعتراف لأن الاعتراف بإسرائيل قد تم فعلاً من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وهو اعتراف عام حتى ولو لم تكن حماس ممثله فيها لامتداد الصفة التمثيلية على كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ، والأمر الآخر أن هذا الاعتراف ليس بالضرورة أن يتكرر مع كل حكومة وهو أمر غير مألوف فى أدبيات الاعتراف الدولي ، لكن الأمر فى حالة حماس كحركة وحكومة أمر مختلف ، فمن ناحية حماس حركة دينية وللاعتراف هنا له بعد آخر يتعلق بالبعد الديني للصراع ، ولما لذلك من دلالة دينية وهو من شأنه أن يقدم المبرر لكل الدول الإسلامية لقيام علاقات مع إسرائيل ، وتسقط كل الحجج والمبررات أمامها ، ومن ناحية أخرى هذا الشرط يفرض ضغوطاً على الحكومة مما قد يخلق حالة من التنازع الداخلي كما هو واقع الآن ، ويبرر فى الوقت ذاته سياسات الحصار المفروضة .

فى هذا السياق ينبغي أن يوضع الاعتراف فى إطار التسوية التاريخية النهائية التى تسلم بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ، وقد لا يبدو ملحاً فى المرحلة الآولى التى أشرنا إليها ، فلا بد من تحقيق شرط قيام الدولة الفلسطينية واضحة المعالم الحدودية والصلاحيات السيادية . ولذلك الأمر لإسرائيل على الناحيتين ينتهي بتحقيق أهدافها بالاعتراف أو بعدم تحققه ، وهذا ما على الفلسطنيين إدراكه قبل فوات الأوان وفى غمرة الصراع على الحكم والسلطة .

د. ناجي صادق شراب / أستاذ العلوم السياسية / غزة

drnagish@hotmail.com


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا