منتدى موقع التاريخ

الانفلات الأمني

بين شرعية ومشروعية السلطة


قد تبدو حالة الانفلات الأمني التى يشهدها الشارع الفلسطيني إفرازاً تلقائياً لحالة السيولة السياسية والمجتمعية التي تعاني منها كل من السلطة ومؤسسات المجتمع. وللمشكلة بُعدانِ هامَّان، فمن ناحية سلطة سياسية تملك شرعية حمل السلاح واستخدامه بما يحقق الأمن الاجتماعي للجميع ، لكنها فى الوقت ذاته تعاني من تراجع فى شرعيتها السياسية من قبول ومصداقية وهيبة وذلك بسبب حالة الفساد والتراجع فى أداء وظائفها الأساسية ما أصابها بالضعف ، والأمر الآخر تحوُّل جهازها الأمني إلى جهاز بيروقراطي متضخم ما أفقدها القدرة على الفعالية والحراك ، وانقسام ولاء أفرادها ما بين المؤسسة التى يعملون فيها وانتماءاتهم العائلية والتنظيمية ، ومع ذلك تبقى السلطة السياسية الإطار المؤسساتي الوحيد الذى من حقه احتكار السلاح واستخدامه بطريقة شرعية.

والبعد الآخر للمشكلة هو تعدد التنظيمات المسلحة وامتلاكها للسلاح بسبب مقاومة الاحتلال ، وهنا الفارق كبير من حيث المهام والوظائف ، فللسلطة وحدها مهام ووظائف الأمن والاستقرار وحماية الممتلكات العامة وضمان تطبيق القانون ومحاربة الجريمة وهو ما يعطيها حق الاستخدام الشرعي للسلاح ، وهذا الحق يستند على الركائز الشرعية التى تقوم عليها السلطة وفى مقدمتها التفويض الشعبي عبر عملية الانتخابات.

أما التنظيمات المسلحة المقاومه فالمبرر وشرعية حملها السلاح فقد فرضته حالة الاحتلال ، ولذلك فهو ووظيفته واحدة ، ومع الانسحاب من غزة تكون هذه الوظيفة قد أنجزت ولو جزئياً بسبب استمرار الاحتلال لباقى الأراضي الفلسطينية ، وهذا الوضع الجديد يفرض تعارضاً ما بين السلطة من ناحية واستمرار حمل السلاح من قبل التنظيمات من ناحية أخرى، فالتنظيمات لا تشكل بأي حال من الأحوال سلطة ، ولا هي بديل للسلطة القائمة ومن شأن هذا الوضع أن يقود الى العديد من مظاهر استخدام السلاح بطريقة غير شرعية ، فى إطار مصلحة التنظيم أو العائلة أو الفردية ، والنتيجة الحتمية انتشار ظواهر الانفلات الأمني وبالتالي تقويض السلام الاجتماعي كله للخطر.

وفي هذا السياق تصبح الخيارات جد ضيقة وتعود محدودية الخيارات الى تجنب خيار الاقتتال الداخلي ، وتفويت الفرصة بأي شكل من الأشكال لحرب أهلية ليست مستبعدة ، وهنا ورغم هذا الهدف الوطني فقد يفسر موقف السلطة بالعجز وعدم القدرة على أداء وظيفتها الأمنية ، وبالمقابل يؤدي إلى تقوية ودعم النزعات الشرعية فى استخدام السلاح، وهو وضع مَهْما كانت مبرراته الوطنية غير مقبول على المدى البعيد ، ولا بد من معالجة شاملة لظاهرة الانفلات الأمني، بل أن تخرج كل إمكانية للسيطرة فى المستقبل.

وابتداءً لا بد من الاعتراف أن المسؤولية جماعية وإن كانت السلطة تتحمل المسؤولية الرئيسة. والأمر الآخر أن الوظيفة الأساسية للسلطة وحدها دون غيرها العمل على توفير الأمن والاستقرار والطمأنينة للمواطن ، وهذا لا يتأتى بالقوة وحدها بل من خلال عدد من الإجراءات الهامة أولها التصدى لحالة الفساد داخلها واستعادة هيبته ومصداقيته بتطبيق مبدأ سيادة القانون والعدالة ، عندها سيدرك المواطن أهمية دعم السلطة فى إجراءاتها وتوفير الدعم المجتمعي لقراراتها ، وهذه الشرعية تتأتى كذلك بإجراء الانتخابات وتفريغ حالة الاحتقان السياسي والتي من خلالها لن تكون هناك فرصة للزعم بعدم المساهمة والمشاركة فى صناعة القرار السياسي والتشكيك فى الشرعية القائمة لأن الكل يصبح جزء منها وعندها تصبح كل قراراتها ملزمة والخروج عليها خروج على الشرعية ذاتها . وستلقى الدعم من المواطنين لأنها تأتي من السلطة التى جاءت عبر منحهم ثقتهم وتفويضهم السياسي. ومن شأن هذا الإطار الجديد أن يوفر أسس ومعايير جديدة لإدارة الخلافات بالحوارات داخل قبة البرلمان ، ويزيد من قوة السلطة المدنية مقابل السلطة الأمنية والعسكرية ، ويوفر إطاراً للمحاسبة والمساءلة السياسية والقانونية ، ويوفر - وهذا هو الأهم - إطاراً مجتمعياً داعماً ، وثقافة سياسية نابذة للعنف ، هذا هو الخيار الأكثر نجاعة فى مواجهة ظاهرة الانفلات الأمني ، وليس عبر الشعارات والبيانات والمواثيق التى تنتهك عند إطلاق أول رصاصة هنا أو هناك ، البديل الوحيد المشاركة عبر إعادة صياغة بناء السلطة السياسية بما يضمن مشاركة الجميع.

 دكتور /ناجي صادق شراب / أستاذ العلوم السياسية /غزة

drnagish@hotmail.com

المقالات الواردة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليه

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا