منتدى موقع التاريخ

حكومات تذهب وتأتي ولا تغيير


لعل الأزمة الحقيقة التي تعاني منها نظمنا السياسية هي أزمة الخلود، فيحدد نظام الحكم الخالد محددات البيئة السياسية، ويفرض توجهاته وفلسفته، ويسعى لتقويض كل ما يشكل تهديداً لتغيير طبيعته وجوهره ، وفى إطار هذا النظام تسود فئة تفرض ثقلها الاكراهي ، بحيث يصبح كل خروج عن هذا الإطار هو بمثابة تهديد لبقائها واستمرارها اللازمني، وهكذا تتحول البيئة السياسية إلى مناطق نفوذ ومناطق مضادة للنفوذ ، والمعيار في البقاء أو القدرة على التغيير واستيعاب عناصره ومتغيراته بما يسمح ببقاء النظام لا الأشخاص، والتغيير تفرضه وتحتمه ظروف ومستجدات معينة، وتقف ورائه فلسفة ومنهاج ومرحلة تطور كاملة، فلا يكفي أن تغير شخوص الوزراء بل الفلسفة والمنهاج الذى يقف وراء التغيير ذاته، وعندما نتحدث عن فلسفة التغيير فالمقصود هنا الحكومة برمتها، فالحكومة تجسد فلسفة وبرنامج عمل تحتمه المطيات السياسية والاقتصادية السائدة، ومن هنا فإن التغيير الحقيقي هو التغيير الذي يعكس هذه الفلسفة، أما بقاء رئيس الحكومة فى أى نظام سياسي على رأس حكومته مع تغيير فى عدد الأشخاص، فهذا لا يدخل فى سياق ما يمكن تسميته بالتغيير المطلوب، بل مجرد إعادة توزيع فى المناصب الوزارية من بين نفس دائرة النخبة الحاكمه، حيث الفرصة لتولي بقية أفرادها هذا المنصب السياسى الهام.

هذه المقدمة لا بد منها وأنا أتناول موضوع التغيير الحكومي الفلسطيني، وهنا أبدأ بعدد من الملاحظات أولها : أن التغيير فى حد ذاته ليس مطلوباً وهو ليس غاية في حد ذاته، لأن هناك من سيجادل ويقول أن كثرة الغيير السياسي مظهر من مظاهر عدم الاستقرار والذى بدوره يعني عدم النضج السياسي . وثانياً: أن لا يصل عدم الغيير الى حد الجمود السياسي والذي يحول النظام السياسى إلى حالة من التحجر السياسي. وثالثاً: أن يستهدف التغيير أهدافاً محددة وبرنامجاً للعمل ويهيئ لمرحلة سياسية جديدة من التقدم السياسي، فالتغيير استجابة إما لفشل الحكومة فى أداء برنامجها أو من ناحية أخرى فشل البرنامج ذاته. ورابعاً: إن التغيير الهادف هو الذي يتم فى إطار بيئة سياسية ناضجة وفى إطار بناء سياسي متكامل حتى تتسع دائرة الاختيار، أما إذا كانت دائرة التغيير فى إطار دائرة واحده جامدة، فهنا يفقد التغيير مغزاه، ولا يتعدى تغييراً فى المناصب والأشخاص، ولا يعدو مجرد نظام مكافآت سياسية لمن قدم الولاء للنظام. والملاحظ على الحكومات الفلسطينية رغم عددها الذي يقارب تسعة حكومات وهو بلا شك يعتبر رقماً كبيراً لأنه يعكس حالة من عدم الاستقرار وعدم النضج السياسي وحالة من حالات عدم الاستقرار السياسي، ومن ناحية أخرى عدم خبرة سابقة بالعمل الوزاري، ولذلك تحول اللقب إلى مطلب من قبل الجميع. والملاحظة الأخيرة والهامة ومن خلال استقراء تطور الحكومات الفلسطينية المتعاقبه أن جميعها وبإستثناء حكومة الرئيس محمود عباس والتي لم تعمر طويلاً 100 يوم هي الحكومة الوحيدة التى يمكن القول أنها عكست تغييراً واضحاً فى البرنامج والفلسفة وهذا قد يكون أحد أسباب عدم استمرارها، أما باقي الحكومات فالتغيير كان مجرد تغيير فى الأشخاص والمناصب، وإعادة توزيع الحقائب زيادة أو نقصاناً، دون أن يقف ورائه تغييراً حقيقياً ومنهاجاً واضحاً وخطة ورؤية اقتصادية واجتماعية واضحة، وهذا ما يلمسه المواطن فى حباته اليومية، حتى بعد الانسحاب من غزة وهو حدث سياسي هام لم نلحظ تغيراً إيجابياً ملموساً، بل على مزيد من التدهور الأمني وانعدام حالة الأمن الاجتماعي، ناهيك عن تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار دون حماية للمستهلك من غول السوق التجاري، مما يزيد معه حالة الفقر والعنف، ورغم ذلك كان بقاء الحكومة أكبر من هذه المشكلات.

وهذا يقودنا الى مبرارات تغيير الحكومة فى الفترة المتبقية هذا إذا افترضنا إجراء الانتخابات التشريعية فى موعدها المقرر، وهل التغيير الى طالب به المجلس التشريعي يقف ورائه فشل الحكومة فى تنفيذ برنامجها أم يقف ورائه رغبة في الاستوزار، واذا أردنا تغييراً فى المناصب والأسماء فالأفضل بقاء الحكومة واستمرارها وإعطاء الفرصة لبعض عناصرها المضي فى تحقيق إنجازاتهم التي بدأوها.

أما أن  ننتقل من حكومة إلى أخرى دون أن يشعر المواطن بالتغيير الحقيقي فى حياته ودون أن نلمس تحولاً فى بنية السلطة، فهذا معناه أننا ننتقل من حكومة إلى أخرى دون تغيير.

وفى اعتقادي أن التغيير الحقيقي للحكومة يرتبط بأمور محدده أولاً: استكمال الانتخابات على قاعدة التعددية السياسية وما قد تفرزه من خريطة سياسية جديدة تتسع معها دائرة المشاركة السياسية وثانياً: اتساع دائرة الاختيار، وثالثاً: تفعيل دور المعارضة السياسية الشرعية التي ستقف بالمرصاد والرقابة على أداء الحكومة وعندها يمكن أن تمارس السلطة التشريعية دورها فى الرقابة والمساءلة السياسية وحجب الثقة وهو ما يضمن فى النهاية حكومة قوية وأكثر استقراراً. ويوم أن تتوفر هذه المقومات لحظتها يمكن أن نتحدث عن تغيير حكومي حقيقي وليس مجرد تغيير فى الألقاب والمناصب والاشخاص.

دكتور /ناجى صادق شراب/ أستاذ العلوم السياسية /غزة

drnagish@hotmail.com

المقالات الواردة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليه

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا