منتدى موقع التاريخ

في عفوية الثورات العربية

يحيى رعد الالوسي*

 

يكثر التساؤل اليوم حول عفوية الثورات العربية بين منظرين يصرون على أنها جائت نتيجة لتخطيط و تدبير مسبق لم تظهر نتيجته الا عندما بدأ الاعلام الدولي بتغطية بدايات التحرك الشعبي الظاهر، و بين مشتركين و منظمين للثورات يرون أن الثورة كانت بحق انتفاضة شعبية بعيدة عن التخطيط الاستراتيجي العملي. الفرق بين المنطلقين هو رغبة الشارع في التأكيد على أن الثورات جائت بعد انتظار طويل لتعبر عن ضمير الشعوب و رغبتها في التحرر، و من جهة أخرى محاولة المثقف و المفكر العربي التعمق في معناها و اعطاء منحى اخر لها قد لا تراه عين العقل المجردة.

لكن هل يدخل سؤال العفوية ضمن بحث اسباب الثورات العربية؟ فلا يبدو أن هنالك اختلاف بين المنظر و المتظاهر على أن ما خرج الى الفعل كان كامنا لفترة طويلة – فكل أسباب التغيير كانت حاضرة و معلومة عند الجميع و خصوصا المواطن العربي. فقائمة دوافع الثورة تطول و لا يمكن أن يستوعبها مقال قصير كهذا. ففشل الواقع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي العربي كانت مسألة حياة يومية ممتدة من القضايا المصيرية للأمة الى ابسط الحقوق المعيشية اليومية.

الأسباب كانت حاضرة و بحكم تعددها توجد مساحة واسعة للمفكر لأن يتأمل فيها. لكن التشكيك في عفوية الثورات يخرج من بحث الاسباب الى اعادة نظر فيها جملة و تفصيلا. و ذلك لأن الثورات العربية كان مقدرا لها أن تحدث و لا ينكر – برغم الالتفاف السياسي و العسكري على بعضها الان – أن فيها من الخير الكثير و خيرها في عفويتها، أي أنها صدقا عبرت عن ارادة و ضمير الشعوب لانها لم تكن ترفع شعارا ذا مرجعية فكرية أو تنصر عقيدة سياسية معينة. و اذا فرضنا مثلا أن الثورات كانت ترجع الى تخطيط خفي لم يدركه أحد في البداية، الا يعني ذلك أن للبعض الفضل فيها، و أن الترجيح هو لمن حاكها و رتبها على حساب الشعوب التي صنعتها؟ لا ينكر أن حراكا شعبيا كهذا لا بد أن تكون خطواته موزعة بالعدل على حسب قدرات الناس و امكانياتهم المتفاوتة: فمنهم من كان يخطط، و منهم من وقف موقف الدفاع، و منهم من كان يتحدث باسم الناس و منهم من كان ينفق الأموال، لكن الحقيقة هي الكل كان يعمل بارادة واحدة و بقلب واحد. فكما أن الأمة كالجسد الواحد، فلا يمكن فصل جزء عن كل و هنا يكمن سر قوة الثورات و التي كانت كضربة رجل واحد. لذلك لا يجد المنظمون للثورات العربية – كشباب الفيسبوك و المدونون – سهلا قبول هذا التركيز  عليهم و هذا الاطراء اللذي يخرج عن المعقول لانهم أدرى بقرارة نفسهم أنهم لو أرادوا استغلال الثورات لمصالحهم لما كانت أثمرت كما رأينا، و لكانت استنساخا للانقلابات الفئوية المحدودة و التي كان عدمها خيرا منها.

 و لنرجع الى سؤال العفوية و اللذي يبدو أنه قد أدخل في باب بحث اسباب الثورة. فكما ذكرت أن موضوع  الاسباب بحث مفتوح للمفكر أو المنظر.لكن ليس سؤال العفوية – في سياق الثورات العربية – الا تساؤل في التوقيت، هو سؤال لماذا الان و ليس قبل أو بعد، و لماذا بالذات في اليوم الفلاني أو التاريخ الفلاني. هو تساؤل يمكن طرحه في سياق الثورات السابقة، أو انتفاضات أخرى و انقلابات جائت نتيجة لتخطيط و تدبير، و يمكن عند ذلك ايجاد اجابة مقنعة. و لكن نفس التساؤل اليوم بخصوص الثورات العربية ماهو الا تشكيك فيها و رفض مخبوء لحقيقة شعبيتها و الذي قد يفضي الى محاولة ايجاد – أو "اختلاق" – خطط مسبوقة لها و ليس ذلك الا تعطيل لجوهر الثورات و اللتي كانت شعبية و عفوية بامتياز.

الثورات الشعبية و الثورات العفوية مترادفان و أذا كنا ننوي التشكيك في العفوية، فمن باب أولى التشكيك بالشعبية أيضا. فقد يكون من الممكن للعقل النظري ان يجد الاجابة عن حركة فئة معينة أو رصد تحركاتها، لكن رصد نمط حركة الشعوب مطلب صعب و ليس للبحث فيه أولوية الا اذا كان مبنيا على تشكيك بشعبية الثورات. فدواعي الثورات كانت حاضرة و التحرك الشعبي لم يكن سوى مسالة وقت، و هذا التوقيت كان قدرا استجاب لارادة الشعوب. فالعفوية تعني أنه قد حان وقت التحرك لكسر جدار الخوف فقد بلغ السيل الزبى و كان لذلك أن يحدث في تاريخ محدد، و ليست حقيقة أن شباب الثورة لم يتسمّوا بعبارات التحرر و الديمقراطية بقدر ما حملوا رايات تحمل تأريخا معينا لانهاء حقبة بلت و بداية عهد جديد الا تصديقا لذلك.

-----------------------------------------------------------

*باحث عراقي في الأديان و المذاهب المعاصرة.

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا