|
لبنان مرة أخرى
وبداية السقوط نحو الهاوية
د. أسامه محمد أبو نحل
الأستاذ المساعد في التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة الأزهر-غزة
القطر العربي اللبناني في ثوبه الجديد يكاد يخرج من رَحِمَ
الشرنقة التي بذر بيضها الدول الكبرى الغربية وإسرائيل، ليكون أداة طيعة
في يديهما، يحركانها كالدمية كيفما شاءا ووقتما شاءا.
النمط السياسي اللبناني بطبيعته مغاير تماماً للأنماط
السياسية الأخرى الموجودة في المنطقة العربية. وهذا أمرٌ مألوف في بلدٍ
كلبنان عانى منذ القدم من كثرة التحولات السياسية فيه بسبب التعدد
الطائفي بين سكانه.
الأحداث السياسية الدرامية تتلاحق في لبنان، وتدفعه بسرعةٍ
فائقة نحو الهاوية السحيقة، ما لم يتنبه أبناءه الأحرار لِما يُحاك ضد
بلدهم. وهنا سننطلق من خلال حدثين غايةً في الأهمية، الأول:
الانتخابات النيابية، والثاني: اغتيال الصحفي المعارض المشهور
سمير قصير، فالنتائج التي ستترتب على الانتخابات النيابية في هذا القطر،
لا نبالغ لو قلنا إنها ستؤثر بشكلٍ أو بآخر على الخريطة الجيو- سياسية
لمنطقة بلاد الشام الكبرى في مجملها، فثمة تحولات تحدث الآن في شبكة
التحالفات في بلاد الشام، ستتبدّل وتتحوّل من نقيضٍ إلى نقيض.
وقبل أن نُفصِّل الأمر، يجب أن نسجل ملاحظةً مهمة تتمحور حول
اللامبالاة العربية لمجريات الأحداث التي تتغيّر في لبنان وكأن الأمر لا
يعنيها من قريبٍ أو بعيد. والواقع أن هذه اللامبالاة أو السلبية العربية
التي بدأت تتكرّس، تكمن خطورتها في الذعر المحيط بالأنظمة العربية
وتخوفها من التدخل في الشأن اللبناني خشية إغضاب السيد الأمريكي الذي
سلّط سيفه على الجسد اللبناني وبدأت أظافره ومخالبه تُغرس في هذا الجسد
الواهن.
العرب من خلال جامعتهم الهامدة ولا حِراك فيها كانوا يتدخلون
دوماً عند حدوث أية أزمة بين طوائف لبنان، ويضعون لها علاجاً هو في
الحقيقة عبارة عن مسكنات مؤقتة سرعان ما يذهب أثرها أدراج الرياح.
لبنان بعد اليوم سوف يكون شبيهاً إلى حدٍ بعيد بلبنان القرن
الثامن عشر، خاصةً في الفترة التي كان فيها الوالي العثماني أحمد باشا
الجزار يحكم هذا البلد من خلال عاصمته عكا، وبالتالي كان لبنان تابعاً
لمناطق نفوذه، ولأن جنوده لم يكن بمقدورهم الاستقرار في هذه البقعة
الوعرة جغرافياً وسياسياً، فقد سلّط جبروته ضد حكام لبنان وعائلاته
الإقطاعية، وارتكب بحق هذا البلد وأهله أكبر عملية ابتزاز سياسي، لم يرَ
لبنان لها مثيلاً من قبل، ونكاد نجزم أن مرحلة ما بعد الانتخابات
النيابية الحالية سوف تكون صورة طبق الأصل لصورة لبنان أثناء الفترة
الجزارية.
ورغم أن الشعب اللبناني بكافة أطيافه المذهبية والسياسية
أكثر الشعوب العربية رقياً، لكن هذا الشعب يبدو أنه نَسِىَ أو تناسىَ أهم
محطات تاريخه الحديث. نَسِىَ ثمن الفاتورة التي دفعها من تقليص نفوذه
وسيادته نتيجةً للشبق الجزاري الذي استغل الخلافات المضطردة بينهم، فخضع
حكامه لسطوته، ونخص بالذكر الأمير يوسف الشهابي والأمير بشير الثاني
الشهابي، ثم أبناء الأمير يوسف ثم الأمير بشير ثانيةً. والحق يُقال أن
هؤلاء الأمراء لم يكونوا سوى مطية استخدمها الجزار لتحقيق مآربه في
لبنان، يُعيّن منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء، فكانوا مجرد بقرة حلوب
تصُبَّ لبنِها في دلوه الذي لا قِرار له.
قلنا أن النتائج التي ستترتب على عملية الانتخابات ستؤثر على
الخريطة الجيو – سياسية لبلاد الشام. وها هي النتائج المرتقبة:
أولاً ـ الحكومة التي ستتولى قيادة البلاد، رغم أن
رئيسها سيكون مسلماً سُنّياً، إلاَّ أن الموارنة والدروز هم من ستكون لهم
اليد الطولى فيها، وأغلب الظن أن سعد الحريري هو من سيرأسها، والذي سيكون
من أولوياته الانتقام من سوريا، ولأنه لا يستطيع فعل ذلك عسكرياً، فسوف
يؤلب الغرب عليها لإضعاف موقفها الإقليمي، ما سوف يؤدي إلى انعدام الدور
السوري فيما بعد في لبنان، لا تقليصه فحسب، فجُلَّ من سينضوي تحت عباءة
هذه الحكومة هم من أشد المعارضين لسوريا ولولاية الرئيس اللبناني إميل
لحود، الذي سيُطلب منه تقديم استقالته أو إن صح التعبير ـ سيُجبر على
تقديم استقالته بعد أن يكون قد فقد حلفائه في البلد، فالمعارضة اليوم بعد
اغتيال سمير قصير دعت صراحةً لتحرير قصر بعبدا من الرئيس لحود، بعدما
اتهمته بأنه من وراء عملية الاغتيال. إذن المطلوب الآن رأس لحود للتخلص
من رمزٍ من رموز تحرير جنوب لبنان، وجلب رئيسٍ آخر يكون هواه ملائماً
لهوى المعارضة.
ثانياً: سوريا سوف تجد نفسها مدفوعة عل غير مشيئتها
لتغيير سياستها الإقليمية، خاصةً ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، ثم
الخطوة الأخيرة والأهم، تلميع صورة المعارضة السورية في الخارج على غرار
ما حدث في العراق، توطئةً لعودتها لاستلام مقاليد الحكم؛ وبذا تتخلص
الحكومة الأمريكية من قضيةٍ تشغلها وتقضَّ مضجعها من تسلل عناصر المقاومة
إل العراق عبر الحدود السورية، فالنظام المقبل في سوريا سيكون الوجه
الآخر للعملة العراقية، أي نظام الحكم الموجود الآن في بغداد.
ثالثاً: بما أن القوات اللبنانية والكتائب سيكونا من
أبرز اللاعبين في الحكومة المقبلة والبرلمان المقبل، فسوف يكون تأثيرهم
بارز، ما قد يؤدي إلى تشديد الخناق على المخيمات الفلسطينية، لكي يضطر
سكانها للهجرة نحو الخارج، ونأمل ألاَّ يصل الأمر لحد حدوث مذابح جديدة
ضد المخيمات على غرار التي قام بها حزب الكتائب في مخيمي صابرا وشاتيلا
بعد يومين من اغتيال الشيخ بشير الجميل زعيم الكتائب اللبنانية وفي نفس
الوقت رئيس لبنان، وذو العلاقة الوطيدة بحكومة تل أبيب.
وقد يكون السيناريو المقبل للحلول المقترحة لحل قضية
اللاجئين في لبنان، هو إعادة جزء منهم إلى أراضي الدولة الفلسطينية
المأمولة، ويتم توطين البقية منهم بعد تحجيم عددهم في المدن اللبنانية
الداخلية المختلفة وعدم تجميعهم في منطقةٍ واحدة، خاصة في الشمال
اللبناني ذو الكثافة السُنّية. ولا نعتقد أن التوطين سيكون داخل هذه
المخيمات التي يقطنوها حالياً لأسبابٍ أمنية داخلية وكذلك إقليمية تتعلق
بأمن إسرائيل، فالهدف هو إبعاد الثقل السكاني الفلسطيني من الجنوب
والساحل وبيروت، تمهيداً لتسوية هذه المخيمات بالأرض، وبذلك تكون القوى
الدولية المؤثرة على ساحة الشرق الأوسط قد أسدلت الستار نهائياً على فصلٍ
درامي لمشكلةٍ أرقتها عل مدى أكثر من نصف قرن من الزمن.
رابعاً: رغم علمانية الدولة اللبنانية بحكم التعدد
المذهبي فيها، إلاَّ أن نفوذ مجمع المطارنة في بكركي بدأ منذ عدة سنوات
يزداد، وأصبح عاملاً فاعلاً في مجريات السياسة اللبنانية الداخلية، وصل
إلى حد الاصطدام بالرئيس إميل لحود الذي لم يسر على نهجها، فوقفت بكركي
موقفاً معادياً من قضية تجديد الولاية له مرة أخرى، وألبت الأطياف
السياسية اللبنانية ضده، ومن المتوقع أن يزداد نفوذ بكركي على مجريات
الأحداث اللبنانية في الأيام المقبلة، بعد أن يكون مسلمي لبنان وبالأخص
سُنّته قد فقدوا مقوماتهم السياسية، فيصبحوا دائرين في فلك بكركي.
خامساً: سوف تجري محاولة بل محاولات لترويض المقاومة
اللبنانية بشتى السبل سواء باستخدام العصا أم بمنح الجزرة، وسنجد
الكثيرين من ساسة لبنان من يتبنى هذا النهج ويتبارى في تنفيذه.
إن موقف الشعب اللبناني في المجمل لِما يدور حوله من تقلبات
وإرهاصات، لا يمكن تحليله إلاَّ من خلال قراءة تاريخه في الحقب السابقة،
حيث كان هذا الشعب دوماً سلبياً تجاه قضايا وطنه، ربما بعدما
عجزوا عن تغيير نهج ساستهم وأولياء أمورهم سواء الحكام منهم أم المتنفذين
من الأُسر الإقطاعية السياسية.
إن مقتل الصحفي سمير قصير أدى نهائياً إلى تهافت نظرية الأمن
الموعود في لبنان، التي وُعدوا بها، فبدأ لبنان يدخل في نفقٍ مظلم لن
يخرج منه، إلاَّ بعد السباحة في بحرٍ من دماء أبنائه، وها نحن اليوم نشتم
رائحة البارود الذي سوف يؤدي إلى نشوب حبٍ أهلية جديدة، لكنها هذه المرة
ستكون أشد ضراوة، وبدأ سماسرة السلاح من الانتهازيين اللبنانيين ينشطون
في تسويق بضاعتهم التي كسدت فترةً من الزمن.
المعارضة اللبنانية اليوم والتي نرى عند بعض قادتها بعض
الانقسامات، خاصة بين فريق عائلة الحريري والقوات اللبنانية والكتائب
ومدير تحرير جريدة النهار البيروتية جبران تويني من جهة، وبين فريق
العماد ميشيل عون والأمير طلال أرسلان من جهة أخرى، على اقتسام الكراسي،
سيجعل مصير لبنان مرهوناً بيد فئة تقتات على جراحه وأتراحه، وإن كان موقف
العماد ميشيل عون من قضية اغتيال سمير قصير أفضل من جانب المعارضة
الأخرى، حيث رفض اتهام الرئيس إميل لحود وإلقاء تبعة ما حدث عليه.
لبنان لن ينصلح حاله إلاَّ إذا تجرَّد سياسيه من أهواءهم
وانتماءاتهم، وأصبح ولاءهم لدولتهم، كما أن لبنان لن ينصلح حاله إلاَّ
إذا حدث تغيُّر جذري في وعي الجماهير اللبنانية، واستفاقوا من غفوتهم عند
حجم الأخطار المحدقة بكيانهم الوديع الواهن، والتخلص من عبودية إقطاعيهم
المتفوقين ليس اقتصادياً فحسب، بل في الابتزاز السياسي لرعاياهم. |