|
الانتخابات النيابية اللبنانية
وإحياء الصراع القيسي- اليمني من جديد
د. أسامه محمد أبو نحل
الأستاذ المساعد في التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة الأزهر-غزة
لبنان الصغير من حيث المساحة يحتل اليوم حيزاً مهماً من
اهتمامات الدول الكبرى في الغرب، خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية
وفرنسا، الأمر الذي يدخل تحت مسمى إعادة ترتيب المنطقة. لكن لماذا
لبنان على وجه التحديد ؟
على أية حال، فلندخل في التفاصيل. الدورة الأولى للانتخابات
النيابية التي جرت في بيروت يوم 29 آيار، لها أهميتها رغم ضعف الإقبال
على الاقتراع؛ إذ لم تتجاوز نسبة المقترعين سوى 31% فقط، وبصرف النظر عن
نتائجها التي قد تبدو معروفة مسبقاً، ويبدو أن أطياف المعارضة اللبنانية
قد دخلت الانتخابات بكل ثقلها السياسي والمادي، وأغرب ما في الأمر أن هذه
الأطياف اجتمعت معاً رغم ما بينها من تناقضات، فإذا اجتمعت المصالح
السياسية لتحالف القوات اللبنانية مع الكتائب اللبنانية فهذا أمر قد
نتصوره ونعقله، لِما بين الفريقين من تحالفاتٍ قديمة زمن الحرب الأهلية.
وأن يجتمع معهما المرشح الصحفي المشهور جبران تويني، أيضاً لا إشكالية في
ذلك، لِما للرجل من مواقف عدائية من سوريا منذ فترة طويلة.
لكن العجيب والمدهش، هو انضمام أسرة رئيس الوزراء اللبناني
السابق المغدور رفيق الحريري لهذه القوى، التي تختلف معها مذهباً
ومنهجاً، فأسرة الحريري المسلمة السُنِّية ذات الثِقل السياسي والاقتصادي
في لبنان، ليست بحاجةٍ لتتحالف مع قوى كانت حتى الأمس القريب معروفة
بعدائها للقوى الإسلامية في لبنان، وعلاقاتها غير المخفية بإسرائيل. وما
جمع تلك التكتلات السياسية على مائدةٍ واحدة هو العداء المُفرط لكل ما هو
سوري، فأصبحت سوريا بالنسبة لهم هي العدو الرئيس، وكأن مزارع شبعا قد
تحررت من الاحتلال الإسرائيلي، فلم يتبقَّ سوى المحتل السوري (من وجهة
نظرهم).
ليس دفاعاً عن سوريا ولا عن سياستها تجاه لبنان والشعب
اللبناني، وحتى لو كانت سوريا قد ارتكبت أخطاءً فهذا ليس بمبررٍ لتحالف
أسرة الحريري مع أعداء سوريا، وما دام المتهم بريء حتى تثبت إدانته؛ إذن
لماذا التعجل بإصدار أحكامٍ مُسبقة باتهام النظام السوري، أنه وراء عملية
اغتيال الحريري. عملية الاغتيال تلك التي دُبرت بإحكامٍ متناهٍ، ولم يترك
الجُناة خلفهم أي دليل على فِعلتهم الآثمة، ويبدو أن الهدف من ورائها هو
خلط الأوراق السياسية في لبنان، ثم بعثرتها، أو كما يقول المثل المشهور:
خلط الحابل بالنابل، والغاية المقصودة من هذا كله هو إخراج القوات
السورية من لبنان، توطئةً لبداية حقبة جديدة من النفوذ الأجنبي في هذا
البلد، الذي لم ينعم بعد بالراحة والهدوء منذ انتهاء الحرب الأهلية بين
الإخوة الأعداء.
جبران تويني قال في لقاءٍ مع قناة المستقبل الفضائية وهو
يتفقد لجان الانتخابات: إن بيروت تخلصت من المحتلين السوريين
والإسرائيليين والفلسطينيين، فالأولين والآخرين بالنسبة للأستاذ
جبران كانا أعداء يشكر الله على أن بيروت تخلصت منهما. والسيد سعد
الحريري نجل رئيس الوزراء السابق المغدور يعتبر أيضاً في جولته
الانتخابية أن هذه الانتخابات تجري ضد المجرمين.
لاحظ عزيزي القارئ المصطلحات التي تستخدمها المعارضة
اللبنانية، فهي تستغل التعاطف الشعبي لعملية الاغتيال وكذلك التأثير
النفسي والوجداني لإقناع الجماهير بأن سوريا هي من وراء هذه العملية،
وبذلك تزداد الحبكة السياسية للدور المرسوم مسبقاً لإخلاء الساحة
اللبنانية من أي وجودٍ سوري أولاً، ثم لتصفية المقاومة ثانياً. وما نسمعه
دوماً في اللقاءات السياسية من دورٍ بارز للسفارات الأجنبية في بيروت في
تحريض المعارضة ضد الحكومة اللبنانية الشرعية وضد حليفتها سوريا لا يُخفى
على أحد، ولا عيب من تحالف الحكومة الشرعية وسوريا ما داما يساعدان
المقاومة في مجهودها العسكري، ويمنحاها الشرعية السياسية.
وعندما طلب البعض إرجاء الانتخابات لبعض الوقت لتعديل
القانون الانتخابي اللبناني لِما به من تحفظات من جانب الموالاة
والمعارضة على حدٍ سواء، رفضت المعارضة هذا المطلب وألحّت على إجراءها في
وقتها المحدد بناءً على توصيات من بعض السفارات الأجنبية في بيروت،
فالهدف هو إجراء الانتخابات في أسرع وقت لاستغلال مشاعر الجماهير
الملتهبة من عملية الاغتيال. والسيد نبيه بري رئيس مجلس النواب عندما
سُئِل عن إمكانية تعديل القانون الانتخابي. قال: اسألوا فرنسا وأمريكا؛
فالرجل بات يعلم جيداً أن كثيراً من اللاعبين السياسيين في الحلبة
اللبنانية تُسيّرهم الإرادة الغربية، لتحقيق الهدف المرجو من تبديل
المرجعية السورية بمرجعية أمريكية وفرنسية، أو إن شئت قُل تبديل وصايةٍ
بوصاية.
واللاعبين أو المرشحين للانتخابات، لم يدخلوا الانتخابات
حرصاً على مصلحة لبنان واستقلاله إلاّ من رَحِمَ ربه، فمنهم من دخل
الانتخابات لمصلحةٍ شخصية، ومنهم لمصلحةٍ طائفية، ومنهم لتحقيق أهداف
دولية، والكل يُغني على ليلاه.
لكن ما دخل ما سبق الإشارة إليه من عنوان المقال، وعلى الأخص
إحياء الصراع القيسي-اليمني بشيءٍ من الرمزية، وما يجري الآن في دهاليز
السياسة اللبنانية ؟
لبنان الآن يحدد مصيره السياسي عائلات إقطاعية قد يكون
لبعضِها عراقة تاريخية كآل جنبلاط على سبيل المثال، وأخرى حديثة العراقة
كآل الجميّل وآل الحريري، ولاحظ عزيزي القارئ أن تلك العائلات هي في
الأساس درزية ومسيحية مارونية وسنيّة، وتكاد تختفي الإقطاعية في وقتنا
الحاضر بين العائلات المسلمة الشيعية (المتوالية). أو بمعنى آخر حدث تحول
نوعي في الإقطاعية السياسية اللبنانية عما كان عليه الوضع خلال القرون
الخمسة الأخيرة؛ حيث كانت الإقطاعية متنفذة في العائلات الدرزية
والمسيحية والشيعية، وقلَّما كان للسُنَّة دورٌ إقطاعي بارز.
ما يجري الآن هو مجرد تبديل أدوار للاعبين الإقطاعيين
اللبنانيين، وبقي الحال على ما هو عليه، بالأمس كانت هنالك حكومة في جبل
لبنان تخضع لأهواء ولاة الدولة العثمانية، وأعدائها من الأُسر الإقطاعية
يتصلون بأعدائها لتحقيق أهدافهم. وما أشبه الليلة بالبارحة، الأمر نفسه
يتكرر، مع اختلاف الزمن والأدوات وقوة المُتَصَلْ بهم، دون إعمال الفِكر
من جانب تلك الأُسر الإقطاعية ومن لفَّ لفها في النتائج الوخيمة التي
عادت على بلادهم بالأمس من تحول الصراع بينهم من صراعٍ حزبي قَبلي إلى
صراعٍ طائفي، ولا يعلم إلاَّ الله ما الذي سيترتب عليه الأمر في المستقبل
القريب من الاتصالات الحالية، وإن كنا نعلم مسبقاً أن أول نتيجة ستسفر
عنها تلك الاتصالات، هي فقدان لبنان لهويته التي سعى لتثبيتها بشتى
السُبل، وتوطيد أركان دولة إسرائيل بعد أن تكون قد تخلصت من آخر مناوئيها
في جنوب لبنان.
أن يُكنَّ آل جنبلاط الدروز العداء للسوريين فهذا أمر نفهمه
تاريخياً بحكم تحالف جدهم الأول على باشا جانبولاد (جنبلاط) أحد أفراد
الأسرة الكردية الحاكمة في منطقة كِلِّس، والذي كان قد اغتصب السلطة في
حلب من العثمانيين عام 1015هـ/1606م، مع أمير جبل لبنان الدرزي فخر الدين
المعني الثاني، حيث فرَّ إلى لبنان واستقر فيه وتشكلت من صلبه الأسرة
المعروفة اليوم.
ومهما يكن من أمر، يجب أن نضع نصب أعيننا حقيقةً لا يمكن
تجاهلها، مفادها أن الطائفة الدرزية في لبنان كانت وما زالت تتمتع بحسٍ
سياسي يتسم بالذكاء المطلق نتيجة لتواجدها في منطقةٍ تتقاطع فيها
الانتماءات المذهبية والسياسية. هذا الحس السياسي جعل من الدروز ـ إن جاز
التعبير ـ أساتذة في المكيافللية (الانتهازية) على مدار تاريخهم حتى قبل
ظهور ساسة البندقية بزمنٍ طويل.
وبالنسبة للأمير فخر الدين الثاني، فإن السبب المباشر والرئيسي لتوسعاته
في المنطقة لم تكن تعود في المقام الأول لدوافع طائفية، وإنما لأسبابٍ
حزبية بحتة، لا سيما الصراع الذي دار بين الحزبين الرئيسيين في بلاد
الشام، القيسي واليمني، حيث اشتعلت أوار الحروب والمنازعات بين هذين
الحزبين من أجل سيادة النظام القبلي، خاصةً في لبنان وفلسطين.
والوقائع التاريخية أثبتت لنا، أن الصراع الحزبي في لبنان، لم تتدخل فيه
النزعات المذهبية والطائفية، فالحزبين القيسي واليمني على حدٍ سواء كانا
يحتويان على كل عناصر سكان لبنان من مسيحيين موارنة ودروز ومسلمين بشقيهم
الشيعي المتنفذ في جنوب لبنان (جبل عامل) وبعلبك والهرمل، والسُنَّة في
شمال لبنان. ولا غضاضة في أن تحارب كل طائفة أشقائها ما داموا مختلفين
عنهم في الانتماء الحزبي.
ومع منتصف القرن التاسع عشر تبدلت أهداف الصراع بين العائلات اللبنانية
من حزبية قبلية إلى طائفية بسبب تدخل القوى الأوروبية الخارجية خاصة
فرنسا وبريطانيا، حيث أدعى الفرنسيون حمايتهم للمسيحيين وبريطانيا التي
أدعت حمايتها للدروز، ما أدي في نهاية المطاف وحتى تاريخه؛ أن أصبح
الصراع بين الطوائف الدينية من أجل الحصول على زعامة لبنان.
اليوم، تحول لبنان مرة أخرى إلى الصراع الحزبي من جديد، لكن دون قيس أو
يمن، وهذه المرة التحول سيكون خطيراً، عواقبه السياسية وخيمة لا على
لبنان الصغير وإنما على محيطها الشامي إن جاز التعبير، فسوريا التي تحتل
إسرائيل جزء من أرضها أول من ستتأثر سلباً بنتيجة هذا الصراع الحزبي
الجديد؛ إذ ستصبح مطوقة بأعدائها الإقليمين والدوليين.
بعد انتهاء الانتخابات في مجملها في لبنان وإذا ما حققت لائحة الحريري
نصراً مؤزراً، وهذا الأمر يبدو محققاً، ستكون هذه اللائحة مهيأة لتشكيل
حكومة يرأسها سعد الحريري، الذي سيضع على أولويات أجندته السياسية أخذ
الثأر لدم أبيه المراق، والمتهمة سوريا فيه سلفاً حتى قبل ظهور نتيجة
التحقيقات الجنائية، وبالتالي لتحقيق هذا الهدف عليه التحالف مع الغرب
الأمريكي والفرنسي المشهورين بعدائهما للنظام السوري، وهي فرصة مواتية
لهما لتركيع هذا النظام وإجباره على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل حسب
المواصفات والمقاسات الإسرائيلية من ناحية، ولتوطين جزءٌ من اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان من ناحيةٍ أخرى ضمن الصفقة المقترحة لحل مشكلة
اللاجئين فيما بعد، وما خفي كان أعظم.
وأغرب ما في نتائج الدورة الأولى للانتخابات النيابية التي جرت في بيروت،
أن المسلمين منحوا أصواتهم للمرشحين المسيحيين، خاصة للمرشحين عن القوات
اللبنانية والكتائب، وهذا ما يفسر لنا بوضوح أن المذاق السياسي في لبنان
يختلف كثيراً عن غيره في دول العربية، وأن الولاءات السياسية فيه قابلة
في كل وقتٍ للتبدل والتحول حسب ما تقتضيه المصالح الشخصية، والشخصية
فحسب، لا العقلانية.
نبتهل إلى الله أن يلطف بلبنان وأهاليه، بعدما أصبحت السياسة في عرفهم
ليس فن الممكن، بقدر ما أصبحت بفن كيفية الانتقام من وطنهم وأشقائهم على
مذبح الديمقراطية التي ينبئهم بها أنبياء الغرب. |