منتدى موقع التاريخ

النصارى والسفارة: حقائق وأباطيل

د. جمال الحسيني أبوفرحة

أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

  gamalabufarha@yahoo.com

إن ما يقوم به بعض من أخوتنا المسيحيين في مصر من اللجوء أو التهديد باللجوء للسفارة الأمريكية، أو استنفار الغرب لحمايتهم من اضطهاد المسلمين أو الاضطهاد السلفي على حد قول بعضهم، يحتاج منا إلى وقفات، منها ما يلي:

·       إن هذه الدعوة لا تعني إلا الدعوة لاحتلال مصر ولا أراها تفهم بطريقة أخرى.

·       إن هذه الدعوة غريبة شاذة عن التاريخ الوطني المشرف للمسيحيين في مصر، وهي دعوة قد يتفهمها بعضنا نوعا قبل الثورة، أما الآن فيعد ذلك وقوفا مع الثورة المضادة.  

·       إن احتلال الغرب لمصر لن يعطي المسيحيين امتيازا، فالغرب لا يفرق بين المصريين: مسلمهم ومسيحيهم؛ فلم يفرق قديما في مصر، ولم يفرق حديثا في العراق؛ وكيف له أن يفرق وقد عانى الغرب من اتحاد المسيحيين مع المسلمين في مقاومته قديما وحديثا؟!.

·       إن الغرب لا يعتبر الأرثوذكس أخوة له في الدين لاختلافهم عنه في العقيدة، ومن له ذاكرة لا ينسى الإصرار على تفتيش بريطانيا للبابا شنودة بمطار هثرو بطريقة غير لائقة مما أثار أزمة سياسية بين مصر وبريطانيا؛ فلم ينظر الغرب له إلا باعتباره مصريا عربيا ولم ترع الأخوة الدينية المزعومة والموهومة، ولم يشعر بألمه ولم يحتج على هذا التصرف المشين إلا المصريون: مسلمين ومسيحيين.

·       إن هذه التهديدات لم ولن تخيف الجماعات السلفية؛ لأنها جماعات جهادية استشهادية، تفرح إذا دعا داعي الجهاد، وتفرح بقرع طبول الحرب المقدسة من وجهة نظرهم.

·       إن هذه المطالبات بالتدخل الأجنبي تعطي الذريعة للسلفيين لتصعيد الممارسات ضد المسيحيين واتهامهم بالخيانة العظمى، وتلحق بهم عارا تاريخيا، وتخرص ألسنة كل مدافع عنهم.

·       إن نصرة الغرب إن حدثت لن تدوم أبد الآبدين، وسيظل الحل النهائي لهذا الاحتقان الطائفي بيدنا نحن وحدنا الشركاء في الوطن.  

·       إن مطالبة المسيحيين بمزيد من المناصب الكبرى في مصر، وفي نفس الوقت مطالبة بعضهم بالتدخل الأجنبي؛ يحتاج لإعادة نظر.

·       إن اتهام السلفية بحرق الكنائس في مصر هو كاتهامهم بحرق الأضرحة، فلماذا لم يلجأ الصوفية إلى الدول الأجنبية لحمايتهم؟. . بل لماذا لم يلجأ السلفية لدول أجنبية بعد مقتل "سيد بلال" وغيره، لحمايتهم؟.

·       لو أنا تبادلنا المواقف؛ فأشيع أن هناك مسيحيا مخطوفا في أحد المساجد، أو إرهابيا متحصن بمسجد، أو أن هناك أسلحة في مسجد أو .....أو ...الخ، ورفض القائمون على المسجد ومعهم جماعة من الناس رفضا باتا كل تفتيش رسمي لهذا المسجد، وأعلنوا أنهم على استعداد للموت إن اقتضى الأمر، في سبيل عدم تفتيش هذا المسجد، فأحجمت السلطات عن التفتيش، فما رد فعلكم يا شركاءنا في الوطن؟! هل تقبلون بذلك؟! ألن يحاول بعض من شبابكم المتحمس أو الـمتطرف أو .... أو ......- فلينعته كل إنسان بما يشاء- القيام بذلك من أجل الوطن؟ هل ينجح العقلاء والمثقفين والـ...... في منعهم؟

·        كلنا الآن نطالب بقانون دور العبادة الموحد؟! فماذا تقترحون: أن تكون دور العبادة لا تخضع لتفتيش الدولة، أم تخضع؟!!! إن كان اقتراحكم أن تخضع، فادرءوا الفتنة من الآن؛ وإن كان اقتراحكم ألا تخضع فعلى الأمن في مصر السلام. 

·       إن السبب الرئيس، إن لم يكن الوحيد لإعاقة بناء الكنائس في مصر، هو الإصرار على رفض تفتيشها مع ما يشاع عنها من أقاويل أثارت شكوك المسئولين لا المواطنين فحسب، فللمسألة بعد أمني وسياسي خطير قبل أن يكون لها بعد ديني عند بعض الطوائف الإسلامية والتي أراها غير مؤثرة تأثيرا حقيقيا بذاتها، إن النظام السابق لم يكن ديّنا؛ ورغم ذلك حال دون بناء الكنائس، بل لعله كان المحرك الخفي لجماعات إسلامية ساعدته على ذلك. 

·       إن محاصرة كنيسة أو الدعوة لاقتحامها لم يكن باعتبارها دارا للعبادة لها قدسيتها وإنما كان باعتبارها سجنا مزعوما أو موهوما لبعض المصريين الأبرياء بصرف النظر عن دينهم، وهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل لم يأتوا بشيء يشذ عن سياق اقتحام مباني أجهزة أمن الدولة لتحرير أبناء مصر الأحرار، أو الدعوة لاقتحام القصر الجمهوري قبل تنحي الرئيس السابق، كل ذلك يسير في سياق واحد ولا علاقة له بالدين على الحقيقة، ولقد شارك في هذه الأعمال كثيرون من المسيحيين. . إن كامليا شحاته أو غيرها لو كانت الشائعة أنها سجينة في بيت من البيوت أومبنى من المباني بصرف النظر عن اسمه وصفته وصاحبه وأهميته وبصرف النظر عن الشق الديني في المسألة لحدث له ما حدث بالكنائس التي هوجمت، ولشارك المسيحيون في هذه الهجمات.

·       أما آن الأوان بعد ثورتنا المجيدة أن نعيد النظر في مسلمات لا أصل لها ولا أساس: لا من عقل، ولا من دين؛ توغر الصدور وتؤجج الفتن، كتوهم العار من تفتيش دار عبادة!!!

·       إن تفتيش دور العبادة - بطريقة حضارية- لا يعد انتهاكا لقدسيتها، وليس عارا، ولا يُعد تجاوزا للأدب مع الله؛ وهو ما يشير إليه الكتاب المقدس في مواطن عديدة منها قول بولس الرسول في رسالته إلى مؤمني روما: "ماذا يحدث إن كان بعضهم قد أساءوا الأمانة؟ فهل يعطل عدم أمانتهم أمانة الله؟ حاشا! وإنما ليكن الله صادقا وكل إنسان كاذبا". وليس هناك نص مسيحي واحد يفهم منه الرفض لتفتيش دور العبادة.

·       إذا كانت الكتب المقدسة أعظم قدسية من دور العبادة وقد ورد الأمر بتفتيشها مرارا في الكتاب المقدس لنعلم صحيحها من سقيمها: مرة على لسان يسوع في إنجيل يوحنا: "فتشوا الكتب"؟!. . و أخرى على لسان إشعياء في سفر إشعياء: "فتشوا في سفر الرب واقرءوا"؟!. ولم يعتبر أحد أن في ذلك انتهاكا لقدسيتها، أو إساءة أدب مع الله؛ فأليس بقياس الأولى أن نكون مدعوين لتفتيش دور العبادة - بطريقة حضارية- درءا للفتنة وليطمئن كل منا على سلامة وطنه، دون أن يتهم بالإساءة إلى المقدسات؟!

·       إن ما يعاني منه النصارى هو ما يعاني منه كل مواطن مصري وهو ما قامت الثورة من أجله (الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية) فهل نتكاتف لنحقق ذلك، أم آن الأوان لنعلن الفشل!!!   

     وأقول أخيرا: لولا يقيني أن هذه الدعوة لا تنطلق من عقول أخوتنا المسيحيين، وإنما من نفوس: بعضها جريح، وبعضها أعماها الطموح، في عصر الحرية؛ لما دافعت عنهم، بل لكنت أول المتصدين لهم.

       إنه عمى مؤقت يحدث لكل من تُفتح أمامه النوافذ فجأة وسرعان ما تعود له الرؤية؛ سلفيين كانوا أو مسيحيين؛ فالنتحمل مرضانا وجهلاءنا بل وسفهاءنا (قدر ما يمكننا)؛ فالخطأ خطؤنا نحن المثقفين والوزر وزرنا وقد آن لنا أن نتحمل تبعات تقصيرنا.


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا