منتدى موقع التاريخ

آثار المقاومة ... فلسطينياً وإسرائيلياً

عدنان أبو عامر

باحث وأكاديمي فلسطيني


 تحدثنا في مقال سابق عن شواهد ودلائل تثبت فرضية أن المستقبل للمقاومة، سواء كان ذلك على الجبهة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية، وكانت تلك الشواهد من خلال النظرة الإستراتيجية بعيدة المدى، وحتى تكون النظرة متكاملة وشاملة فإن هناك آثاراً وتفاعلات لهذه المقاومة تثبت مرة أخرى أن المستقبل لهذه الظاهرة النبيلة، فما هي هذه الآثار على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي، ويمكن أن نسقط هذه الآثار على جبهات المقاومة الأخرى في لبنان والعراق.

أولاً: الأثر الأكثر أهمية لهذه المقاومة، في قدرتها على إنتاج جيل يملك نية المقاومة وإرادة المقاومة، جيل ينظر إلى المحتل نظرة احتقار تخلو من الخوف والتردد، ومن ثم أخذ المقاومون منه صفة الهجوم والبحث عن الأهداف داخل المواقع العسكرية والمستوطنات وخارجها، ولم تعد إسرائيل في نظرهم قلعة مخيفة لا يمكن اختراق أسوارها، مما جعل الصراع ينحاز إلى الدائرة الفلسطينية الإسرائيلية على حساب الدائرة العربية والإسلامية بسبب مشاعر الخذلان التي أحس بها المقاومون، وهذا ما كانت الإستراتيجية الصهيونية تحاول تمييعه والقفز عنه، وأعني به إخراج الفلسطيني من دائرة الصراع المباشر.

ثانياً: لم تقتصر المقاومة في كونها سلاحاً ومدافعة، وقتلى وجرحى وأسرى وخسائر مالية واقتصادية فحسب، وإنما هي إضافة إلى ما تقدم غدت ثقافة، وجيلاً، وحالة اجتماعية جديدة، وأجندة مجتمع تبدلت فيها الأولويات، وهي فوق هذا رؤى واستراتيجيات تعالج الحاضر والمستقبل، وسياسة تستنهض عوامل القوة في الذات والمجتمع، وتضرب العدو في مناطق الضعف، وتسجل نقاطاً مهمة في اتجاه التحرير وإزالة الاحتلال.

ثالثاً: نقلت المقاومة الفلسطينيين من المواجهات السلمية والمدنية إلى عمليات المقاومة العسكرية في حالة غير مسبوقة، هي أقل من حرب العصابات، وأكثر من المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات، وهي حالة نابعة من الخصوصية الفلسطينية التي لا تملك القدرة والإمكانيات على مقاومة الاحتلال عسكرياً، لكنها لا تدعه يشعر بالأمن والاستقرار بأي حال من الأحوال، وشكلت هذه الحالة مصدر قوة للمقاومة التي نجحت بإمكانياتها المتواضعة وعملياتها المحدودة في وضع الاحتلال في قفص مغلق، بمعنى آخر استخدام المقاومة لإفقاد الاحتلال الشعور بالأمن والاستقرار، من أجل تكثيف الضغوط عليه ودفعه نحو مربع الهزيمة في النتيجة عبر خسارته لحالة الأمن، وهو بالتالي ما وجد ترجمته للانسحاب القسري من غزة.

ولعل هذه الحالة ما دفعت بالمؤرخ الإسرائيلي الشهير "بنتسيون نتنياهو" والد بنيامين نتياهو، إلى القول: إن من يحلم بالأمن والاستقرار والهدوء في هذه البلاد إنما يبحث عن أوهام لا يمكن أن تتحقق، فما دام الفلسطينيون يرون يوم استقلالنا يوماً لنكبتهم، فإن هذه المواجهة ستبقى متواصلة وغير قابلة للتوقف.

رابعاً: في المقابل، فقد أحدثت آثار المقاومة تصدعاً في المجتمع والخطاب الإسرائيلي، إذ برغم انحياز الناخب الإسرائيلي نحو اليمين كردة فعل لأعمال المقاومة المتصاعدة اعتقاداً منه أن عامل القوة المفرطة الذي يتبعه اليمين سيوفر الأمن ويعالج ظاهرة  المقاومة، فإن كثيرين كتبوا وتحدثوا عن فشل المعالجة الأمنية العسكرية ونادوا بالمفاوضات وبحلول سياسية مقنعة، وأبدوا خشيتهم على الدولة ومكانتها، وأيدوا تقديم تنازلات مهمة، ومن ثم حملوا شارون مسئولية ما يصيبهم من تفجيرات، وحين عزم شارون على فك الارتباط منحوه دعماً يحول بينه وبين السقوط في انتخابات مركز الليكود.

خامساً: خلال مواجهته للمقاومة، فقد الجيش الإسرائيلي خاصيته "كجيش عصري" معد لحروب عصرية تستخدم أحدث التكنولوجيات العسكرية، وأحدث ما تنتجه صناعات الأسلحة في العالم، والقدرة على الحسم في معارك وحروب قصيرة، ووجد نفسه متورطاً في حرب شوارع لا يعرف فيها من يقاتل، وكيف يقاتل، وبالتالي البقاء في حالة استنفار ويقظة على مدار الساعة، وانتظار عدو يهاجمه في وقت غير معروف، ومكان غير محدد، وقد سبب هذا الوضع إجهادا وتعبا لجيش الاحتلال في كل الأماكن وعلى جميع المستويات.

سادساً: استمراراً لذلك الأثر، فقد اعتقد الكثير من الجنرالات أن استمرار المقاومة سيضعف قدرات الجيش على مواكبة تطوير نفسه، فضلاً عن أن هذه المقاومة أحالت التفوق النوعي الإسرائيلي وخاصة القنابل والصواريخ المتطورة إلى قوة محايدة، وساعدت على تهشيم بنية الردع العسكري، وإحباط نظرية الأمن وإحلال مفهوم المجتمع المذعور محلها، وفقا للنظرية التي ابتدعها السيد حسن نصر الله المعروفة بنظرية (بيت العنكبوت)، وخاصة في ظل انتهاج المقاومة لأسلوب الضرب لكل هدف وفي كل مكان، الأمر الذي شكل في النهاية فقدان الأسلحة التقليدية من وسائل الهجوم والردع قيمتها أو تكاد، ذلك ان الصاروخ المطور بمعونة أمريكية يمكنه تهديد عاصمة عربية أو تدمير قاعدة عسكرية لجيش نظامي، لكنه لا يستطيع إلقاء القبض على مقاوم يقتحم مستوطنة، أو استشهادي تسلل إلى حافلة!

هذه بعض من الآثار التي تثبت فرضيتنا الحاسمة بأن المستقبل لهذه المقاومة .


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا