منتدى موقع التاريخ

المطلوب حتى يكون الحوار الفلسطيني مجدياً ...

عدنان أبو عامر

باحث وأكاديمي فلسطيني

الدعوة التي وجهت مؤخرا لحوار وطني فلسطيني ليست جديدة، فقد شهد الفلسطينيون منذ أكثر من عشر سنوات سلسلة طويلة من الحوارات الفصائلية، الثنائية والجماعية، ومن العسير في هذه العجالة أن نصدر حكما تقييميا سريعا على نتائجها، ومع ذلك فلا يجب المرور عنها مرور الكرام، كما لو أنها حوارات عقيمة فاشلة مسبقا، الأمر الذي يجعلنا نشير إلى المطلوب من الكل الفلسطيني الذي قد يدعى بين الحين والآخر لجولة جديدة من الحوار:

1-    ربما يكون الطلب الأول موجها للرئيس أبو مازن الذي انتخب على أساس أنه رئيس السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب منه مزيدا من مد يده إلى جميع الأطراف، كل الأطراف، لاحتواء الأزمات الطارئة بين الحين والآخر، والعمل على حلها ومعالجتها محليا وإقليميا ودوليا، وصولا إلى نفوس هادئة ونوايا صادقة لحين بدء جولة جديدة من الحوار، ولعلي لا أكون مبالغا أو سطحيا إذا طلبت منه أن يصطحب في جولاته الإقليمية والدولية رئيس وزرائه أو وزير خارجيته، إطلاقا ليس هذا بمطلب شكلي أو ديكوري، بالعكس فهو يحمل في طياته مدلولات ومعاني سياسية، جد سياسية، أهمها:

أ‌-    ظهور الفلسطينيين أمام العالم الذي يفرض عليهم الحصار وهم لحمة واحدة، مركبات دستورية لجسم واحد، بعيدا عن الفصام النكد بين المركبين الأساسيين للنظام السياسي.

ب‌-   وصول الجانبين الرئاسة والحكومة، إلى لغة مشتركة قدر الإمكان في مخاطبة العالم، فلا يتسبب رئيس الحكومة في تعكير صفو جولة رئيس السلطة، ولا يحمل الأخير رئيس حكومته ما لا يطيق سياسيا ودبلوماسيا.

ت‌-    الابتعاد عن قصة تنازع الصلاحيات، وتناقض الخطاب السياسي، لأنه ليس سرا أن الحكومة متخوفة من نشوء حكومة ظل في مكتب الرئيس، ولعل إقدام الرئيس على تلك الخطوة كفيل بتبديد هذه المخاوف والشكوك، أليس كذلك؟

في واقعنا العربي نموذج غير موفق يتمثل في الوضع اللبناني، حيث لكل من الرئيس ورئيس الحكومة خطاب سياسي خاص به، كل يغني على ليلاه، والنتيجة أن الرئيس مفروض عليه حصار سياسي ودبلوماسي في قصر بعبدا، فيما لا يكاد السراي الحكومي مقر رئيس الوزراء يخلو من زواره الدوليين، طبعا الوضع لدى الفلسطينيين معاكس بحيث تتبدل أدوار العزلة، لكن خطورة الوضع لدينا تكمن في أن حدة هذه العزلة إن بقيت على الحكومة قد تجلب علينا جميعا، رئاسة وحكومة، أوضاعا دستورية متقلبة، تشغلنا بالتالي عن الهم الوطني العام الذي يتمثل في فرض وقائع إسرائيلية علينا، ونحن مشغولون بتنازع الصلاحيات وكيفية تحويل الرواتب!

ث‌-   الجولات الخارجية المنفردة للرئيس ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، ستعطي الحصار الدولي مزيدا من أدوات الضغط، لأنه سيرى أن الطرفين غير متفقين على خطاب واحد، ودبلوماسية مشتركة، وبالتالي فليس مطلوبا ممن يفرضون الحصار أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، أي أن يحرصوا على وحدة الفلسطينيين أكثر منهم!

الرئيس عباس مطلوب منه توظيف علاقاته الدبلوماسية والدولية للمساعدة في فك الحصار المطبق على الشعب، وليس الحكومة فحسب، فنحن لسنا أمام رئيس تشريفي، يستقبل ويودع ويفتتح الجمعيات ويقص الأشرطة الحمراء، لا، أبو مازن يمتلك شبكة علاقات دولية بامتياز بإمكانه أن يوظفها لصالح الخروج بالأزمة التي يعيشها الفلسطينيون، كل الفلسطينيين، وربما أحسن رئيس الحكومة صنعا وهو يعلن رسميا أنه لن يعارض التحركات السياسية والدبلوماسية للرئيس، على العكس، فإن هذا الإعلان قد يعني ضمنيا حث الأخير على بذل المزيد من هذه التحركات.

2-    الطلب الثاني موجه للحكومة التي يجب عليها أن تتفاهم فيما بين وزرائها والناطقين باسمها عليها على خطاب سياسي ودبلوماسي يستطيع استغلال الهامش المتاح لها فكريا وسياسيا، ويسعى –إن أمكن- إحداث اختراقات وثغرات على محدوديتها في جدار الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، سياسيا كان أم اقتصاديا.

ليس المطلوب من الحكومة أن تتخلى عن برنامجها السياسي الذي انتخبت على أساسه، ومنحها المجلس التشريعي ثقته وفق أسسه وثوابته، لكن بالإمكان انتهاج قدر ما من المرونة والاجتهاد في التصريحات والصياغات التي ستسعفها بها لغتنا العربية الفصيحة، أدرك أن العالم لن يقتنع بهذه الالتفافات اللغوية والإنشائية، ولكن فلتحاول الحكومة على الأقل من باب سياسة نزع الذرائع، شرط ألا يتعارض ذلك مع الثوابت الوطنية التي باتت معروفة للجميع.

في هذا السياق، تبدو الحكومة مطالبة باستغلال أي بادرة أمل قد تصدر عن بعض الأطراف الإقليمية والدولية، مما قد يساعدنا على الخروج من الأزمة، وربما الوقت القريب الآتي سيشهد "تنفيسات"هنا وهناك، سواء كانت بمبادرات ذاتية أو باتفاق دولي، لأن صم الآذان أمام ما سيطرح قد يساهم في زيادة الحصار، ولكن هذه المرة بأيدينا، الأمر الذي أزعم أن الحكومة لن تكون تقدم عليه.

3-    المطلوب ثالثا من القوى السياسية، لاسيما الرئيسة منها: حماس وفتح، أن يضعا نصب عينيهما المصلحة الوطنية أولا وأخيرا، لأن المرحلة لا تحتمل تسجيل نقاط لصالح فتح ضد حماس، أو العكس، المرحلة صعبة وقاسية على الجمهور المطحون الذي لا يكترث في غمرة انشغاله بهمومه المعيشية بالمناكفات التي نشهدها بين الحين والآخر، وتبادل الاتهامات (على الطالع والنازل)، لأنه إن بقيت النفوس بهذه الحدة، والأمزجة بهذه العصبية، فلن يصل الحوار إلى الأهداف المرجوة منه.

لقد تحولت معظم أحاديثنا ولقاءاتنا وبعض وسائل إعلامنا رويدا رويدا إلى نشرات فضائحية، وانطلاقا من موقعي الأكاديمي أستمع إلى العجب العجاب في أحاديث طلبة الجامعات، إشاعات واتهامات، منها ما هو صحيح، ومعظمه من نسج الخيال، الأمر الذي جعل النفوس مشحونة والأعصاب مشدودة، مما سيضعف فعلا في تحقيق نتائج يتطلع الجميع إلى تحقيقها من هذا الحوار.

هذه ليست وصفات سحرية لإنجاح الاتفاق، بل يمكن أن نقول أنها مقدمات لا بد منها، لأن تحويل الحوار إلى هدف بحد ذاته، والاكتفاء بتوزيع ابتسامات التفاؤل والديباجات الخطابية التي لا تعني بالعادة ما تقوله، لن تفيدنا شيئا، بالعكس قد نشهد تفجرا لهذا الحوار منذ الجلسة الأولى، إن لم نتفق على أسس هامة وقواعد ضرورية من شأنها إنجاح الحوار والوصول إلى تحقيق نتائجه المرجوة على المدى القصير والمرحلي، لأن أوضاعنا لا تحتمل البحث في استراتيجيات بعيدة المدى فشلنا في التوصل إليها منذ أكثر من عقد من الزمن !

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا