منتدى موقع التاريخ

د/ إبراهيم أبراش

Ibrahem_ibrahem@hotmail.com

إنهم يغتالون السلام باسم محاربة الإرهاب !

يتفق كل المراقبين والمحلليين السياسيين ورجال السياسة حتى قادة إسرائيل على القول بأن الصراع في الشرق الأوسط لن يحسم بالوسائل العسكرية بل على طاولة المفاوضات ، ومع أننا نعتقد بأن البعض غير صادق في هذا القول ويأمل بقهر المقاومة عسكرياً ، إلا أن القول باستحالة الحسم العسكري هو حقيقة موضوعية ، ليس لأن كل أطراف الصراع محبون للسلام وساعون له بل لأن طبيعة الصراع وتعقده لا يتيحا مجالاً للحسم العسكري ، فإذا كانت إسرائيل كدولة احتلال تتفوق عسكرياً على الفلسطينيين فإن لكل قوة عسكرية حدود وخصوصاً في مواجهة إرادة الشعوب ، كما أن قوة الفلسطينيين لا تحتسب بحسابات موازين القوى العسكرية الكلاسيكية بل تكمن في قوة حقهم وفي كونهم أصحاب الحق والأرض وبتجذرهم في وطنهم ، ومَن طُرد منهم من أرضه فانه يحمل الوطن معه حيث يقيم ويورثه لأبنائه من بعده ، هذا ناهيك عن البعدين القومي والإسلامي للقضية الفلسطينية وهما بعدان وإن كانا غير فاعلين اليوم باستثناء ما يجري في لبنان ، فإن هذين البعدين قوة كامنة ومستقبلية لدعم المشروع الوطني الفلسطيني إن أحسن الاشتغال عليهما .

وحيث أن حسم الصراع عسكرياً أمر صعب الحدوث ، بمعنى لن يتمكن أي طرف من القضاء على الطرف الأخر وإزالته من الوجود ،فمعنى ذلك أن التسوية السلمية هي الحل المناسب للصراع ، وقد اختار الفلسطينيون والعرب هذا الخيار بعد طول ممانعة وبعد عقود من خطاب الحرب والقتال وهو خطاب كانت إسرائيل والغرب يوظفانه لاستعداء العالم ضد الفلسطينيين في نفس الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تتهيأ للحرب وتمارسها فعلياً . ولكن اتضح بعد سنوات من المراهنة على السلام بانَ بأن العائق الحقيقي للسلام والرافض له ليسوا العرب والمسلمون بل هي إسرائيل والحركة الصهيونية بالرغم من وجود بعض الأصوات والقوى داخل إسرائيل تقول بالسلام والتسوية السلمية . وقد تأكد اليوم وبعد ما جرى ويجري في فلسطين وخصوصاً في قطاع غزة وفي لبنان بأن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة لا ترغبان بالسلام لأن السلام الحقيقي يتناقض مع مصالحهم ، بينما استمرار حالة التوتر واستمرار رفع العرب والفلسطينيين لخطاب الحرب يخدم الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية .

ومن هنا نلاحظ بعض نقاط التشابه في العدوان الإسرائيلي المزدوج على مناطق السلطة الفلسطينية وعلى لبنان . ففي فلسطين وما أن تمكن الفلسطينيون من كسب رهان الانتخابات والتي فرضتها أمريكا والأوروبيون عليهم بمباركة إسرائيلية لغرض في "نفس يعقوب" ، وبدا الفلسطينيون يؤسسون لنظام سياسي يقوم على التوافق ويتلمسون طريقهم بصعوبة نحو مرحلة جديدة من السلم الأهلي حتى صعَّدت إسرائيل من عدوانها وحرضت الولايات المتحدة العالم على محاصرة الفلسطينيين اقتصادياً ، وعندما قامت إسرائيل بالرد العسكري لوقف إطلاق الصواريخ فإنها ركزت على تدمير ما بنته السلطة الفلسطينية التي هي العمود الفقري للتسوية ونتاج جهود دعاة السلام ، كانت إسرائيل تقول بمحاربة الإرهابيين فيما هي تدمر منجزات التسوية وتحاصر دعاتها ، نفس الوضع يتكرر في لبنان ، ففيما تعلن إسرائيل أن الهدف هو ضرب حزب الله فإنها تقوم بتدمير ما بناه اللبنانيون في مرحلة السلم الأهلي بعد سنوات من الحرب الأهلية وتدمر نموذج التعايش بين الطوائف وتدمر الازدهار الاقتصادي والسياحي ، إسرائيل تعلن الحرب على ما تسميه إرهاب حزب الله فيما تدمر مقومات الحياة للمجتمع اللبناني وبالتالي تضرب بالعمق السلام الأهلي وفرص السلام الإقليمي .

وعلى هذا الأساس يمكننا فهم جرائم الحرب التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وفي لبنان بذرائع لا تتناسب مع هذه الجرائم ولا تبررها ، فإسرائيل من خلال هذه الأعمال لا تحارب المقاتلين أو الإرهابيين كما تسميهم ولا تحارب أعداء السلام والديمقراطية بالفهم الأمريكي ، إنما هي في حقيقة الأمر تغتال السلام وكل فرصة للتسوية وتُضعف كل صوت فلسطيني وعربي يؤمن بالسلام ، فهذه الأعمال الإجرامية قد تضعف من القوة العسكرية للمقاومين إلى حين ولكن لا يمكنها أن تجبر الشعب الفلسطيني على الاستسلام بل تزيد من حالة الحقد والعداء بين الشعبين مما يضعف فرص الوصول للسلام الحقيقي .

ولكن لماذا تعادي إسرائيل ومعها الولايات المتحدة السلام الحقيقي ؟

لا مجتمع إلا وتتجاذبه قوتان أو نزعتان متعارضتان : قوى السلام والعدل من جانب وقوى الحرب والعدوان من جانب آخر ، والقوى المعارضة للسلام يهيمن عليها أشخاص تترسب عندهم نوازع سيكولوجية غير سوية وهي نوازع الشر والعدوان أو نوازع مستمدة من عقيدة متطرفة يؤمنون بها من جانب ، والمصلحة من جانب آخر وتتداخل المصلحة مع العقيدة ضمن خطاب إيديولوجي تحشد له الإمكانيات المالية والإعلامية ، وهاتان القوتان تتعايشان سوياً داخل كل مجتمع ، فحيناً يعلو خطاب السلام والعدل وحيناً آخر تعلو نزعة العدوان والحرب وهو ما دفع ريمون آرون أحد فلاسفة المدرسة الواقعية لقول بأن السلم والحرب وجها عملة واحدة .

جانب من هذه المقاربة العامة ينطبق على المجتمع الإسرائيلي ، إلا أن للمجتمع الإسرائيلي خصوصية تجعله حالة شاذة عن بقية المجتمعات البشرية وهي خصوصية مستمدة من طبيعته الدينية وتركيبته السكانية وموقعه الجغرافي وملابسات تأسيسه ، هذا لا يعني أنه لا توجد قوى سلام داخل إسرائيل أو أن المجتمع الإسرائيلي لا يتوق ليعيش آمناً ، بل المقصود أن الأيديولوجية المهيمنة اليوم على المجتمع الإسرائيلي ليست أيديولوجية سلام وهي توظف خصوصية المجتمع المشار إليها لإبعاد فرص السلام الحقيقي وإحلال مفهوم الأمن محل مفهوم السلام ، ويمكن إرجاع أسباب محاربة الأيديولوجية الصهيونية الحاكمة في إسرائيل للسلام بما يلي :

1- طبيعة التحالف ما بين إسرائيل والولايات المتحدة . ذلك أن الولايات المتحدة بطبيعتها الإمبريالية وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي لا تتناسب مع عالم مستقر ومزدهر وخصوصاً في الشرق الأوسط ، فعالم مستقر ومزدهر معناه التنمية وبناء اقتصاد حر ومستقل عن الهيمنة والاستقرار ، ومعناه تصرف دول العالم وخصوصاً دول الجنوب بحرية بالمواد الخام والاستثمارات والتبادل التجاري ، وهذه أمور تتعارض مع طبيعة وبنية الاقتصاد الأمريكي في ظل العولمة ، ومن هنا فإن الولايات المتحدة تفضل الإبقاء على بؤر التوتر بل زيادتها مع التحكم بها ويندرج ذلك في سياق سياسة أمريكية تقليدية وهي سياسة إدارة الأزمات وليس حلها ، فلو حدث استقرار في الشرق الأوسط مثلاً لانتفى مبرر وجود جيوشها في الخليج التي تؤمن لها السيطرة على أهم مخزون للنفط بالعالم ، ومن خلال السيطرة على النفط يمكنها التأثير على الاقتصاد العالمي ، فالولايات المتحدة إما أن تكون إمبريالية أو لا تكون ، وإسرائيل هي الطرف أو الحليف الإستراتيجي الذي يسهل عليها تنفيذ إستراتيجيتها في الشرق الأوسط ، وقد ظهر هذا جلياً في الحرب على لبنان الجارية اليوم .

2- السلام في الشرق الأوسط يعني تطبيق قرارات الشرعية الدولية حول الصراع وتنفيذ الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين بناءً عليها ، وتطبيق هذه الاتفاقات والقرارات الدولية يعني انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ، ولئن كانت إسرائيل مستعدة للخروج من قطاع غزة ضمن شروط فهي ترى في الضفة الغربية جزءً من أرض إسرائيل وبالتالي لا تريد الانسحاب منها ، ومن هنا فهي ترفض التسوية على أساس الشرعية الدولية ، وحيث أن إسرائيل كما هو ديدنها غير واضحة وصريحة ولا تريد أن تبدو أمام العالم بأنها ضد السلام فهي مستمرة في رفع خطاب السلام فيما عي تعمل على تدميره من خلال استفزاز الفلسطينيين وفرض واقع على الأرض يتناقض مع متطلبات السلام .

3_ تركيبة المجتمع الإسرائيلي وأيديولوجيته الراهنة تتعارضان مع السلام الحقيقي . فالمجتمع الإسرائيلي حديث النشأة وهو تجميع لأفراد من مجتمعات متعددة وإن كان الدين عامل توحيد عقائدي لهم إلا أن علاقتهم بالأرض غير قوية والإحساس بأنهم غرباء وعابرون يطغي على إحساسهم بالانتماء ، وبالتالي فالمجتمع الإسرائيلي يحتاج إلى ما يشد أفراده بعضهم ببعض ووجدت المؤسسة الصهيونية بالعدو الخارجي أو التهديد به عامل توحيد ، ومن هنا فإسرائيل تحتاج لوجود توتر أو حروب خارجية لتتماسك داخلياً .

4_ السبب الرابع ونعتقد أنه الأهم وهو التوجه نحو تأسيس دولة دينية يهودية خالصة ، وإن كان الطابع الديني أمراً مميزاً للكيان الصهيوني منذ تأسيسه إلا أنه في الفترة الأخيرة أصبح عندهم هوس بالتأكيد على يهودية الدولة ، بما يستلزم من العودة المكثفة للدين اليهودي ومقولاته المستفزة . فمن المعروف أن الكيان الصهيوني مشروع استعماري استيطاني غلّف بالدين وبالأسطورة ، وتحديداً بمقولتي "شعب الله المختار" و "أرض الميعاد" والمقولتان متلازمتان . إن مقولة شعب الله المختار هي من أكثر المقولات عنصرية عبر تاريخ البشرية القديم والحديث ، وهي أخطر من النازية ومن العنصرية المعاصرة لا لأنها تقول بما تقول به العنصرية من تمييز وتفضيل لجنس من البشر على بقية الأجناس ، بل أيضاً لأنها تضفي بعداً دينياً على هذه العنصرية، إنها مقولة تزعم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فضل اليهود على غيرهم من الأقوام ، ولأنهم شعب الله المختار فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم ، وبالتالي من حقهم أن لا يلتزموا بما تلتزم به الشعوب الأخرى من قوانين وأعراف وإذا كان الكيان الصهيوني يقوم اليوم باحتلال أراض دول عربية ويعتدي على سيادة دول أخرى ، ويرفض احترام القوانين الدولية ، ويسعى للهيمنة على المنطقة الشرق أوسطية سواء حسب مشروع الشرق ألأوسط الجديد لشمعون بيريس أو الشرق الأوسط الجديد بالطبعة الأمريكية ، فما ذلك إلا لأن اليهود يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار ، والشعوب الأخرى هم (الأغيار) الذين ذكرتهم التوراة والذين يجوز قتلهم واستباحة عرضهم وأرضهم.

هذا البعد الديني وظف بشكل مكثف من طرف الحركة الصهيونية عبر التاريخ مستلهمين أقوال وأفعال أنبيائهم حيث جاء وعلى لسان نبيهم يشع بن نون «ابقروا بطون الحوامل ، اذبحوا الأطفال ، اقتلوا الرجال ، احرقوا الأرض ثم استولوا عليها ». أما بن غوريون أحد أهم مفكري وقادة الحركة الصهيونية الأوائل فقد قال : (إن الصهيونية تستطيع وبإمكانها اجتياز الهوة بين المثال الديني التاريخي إلى الواقع، عن طريق العنف ... إذ أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على جدل الواقع) . نفس التفكير يحكم صهاينة اليوم حيث كرر مجلس الحاخامات نفس القول قبل شهر حيث قال بأن الحرب من أجل إسرائيل تبيح قتل الأطفال والنساء.

في ظل كيان يؤمن بهذه النصو  ويطبقها هل يمكن الدخول معه في علاقات تقوم على التسامح والسلام ؟

إن كانت إسرائيل لا تريد السلام أو غير مهيأة له الآن فهل معنى ذلك أن نرفض السلام وندعو للحرب والمواجهة في وقت نحن نعرف حقيقة أنظمتنا وجيوشنا وطبيعة موازين القوى المجلية والدولية ؟ نعتقد أن التصرف السليم هو أن لا نتراجع عن فكرة السلام والدعوة لها بل التمسك بها وكشف زيف الخطاب الإسرائيلي الأمريكي حول السلام ، لأننا إن تخلينا عن فكرة السلام ونحن لا نتوفر على الإمكانيات والشروط التي تمكننا من الدخول في حرب مضمونة النتائج ، فهذا معناه ترك الساحة لإسرائيل لتحتكر فكرة السلام وتمارس الحرب الفعلية باسم هذه الفكرة .الخطأ الذي أرتكبه تيار السلام الفلسطيني والعربي خلال السنوات الماضية ليس أنهم دعاة سلام بل لأنهم خلطوا بين السلام واتفاقات التسوية التي وقعوها مع إسرائيل وتعاملوا مع العلاقة بينهم وبين إسرائيل على أساس أنها علاقة سلام ، وقد أوهمت إسرائيل والولايات المتحدة رموز هذا التيار بأنهما صنعا سلاما أو وضعه أسسه ولكن المتطرفين الفلسطينيين يحطمون هذا السلام وبالتالي هم السبب فيما آلت إليه الأمور في المنطقة.

وعليه يجب الحذر من الخلط السائد ما بين خطابين وتيارين يقولان بالسلام في الساحتين الفلسطينية والعربية :_

التيار الأول :هو الذي يتعامل مع السلام كفكرة وخيار استراتيجي للشعب لا يتعارض مع التمسك بالحقوق المشروعة حسب ما يتم  التوافق عليها فلسطينيا وحسب قرارات الشرعية الدولية وهو تيار الوطنيين الحقيقيين الذين ناضلوا عسكريا وواجهوا العدو على كافة الجبهات ،ونهج هؤلاء نحو السلام يندرج في إطار واقعية الثوار المقهورين الذين صدمهم التخاذل الرسمي العربي وتحولات النظام الدولي ، أصحاب هذا التيار يريدون أن يتحول خطاب السلام إلى قوة بيد الشعب يمكن من خلالها حشد قوى السلام العالمي والمنتظم الدولي ومحاصرة إسرائيل دولياً ، ولكن وحتى يكون هذا التيار فاعلاً يجب أن يمثل إستراتيجية عمل وطني تعبئ كل طاقات الشعب بما في ذلك سبل المقاومة السلمية والشعبية ولكن بما لا بتعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية حتى وإن تجاهلت إسرائيل الشرعية الدولية.

التيار الثاني : وهم دعاة السلام دون فكر السلام ودون ضوابط وطنية ، وهو تيار صنعته الإغراءات والمصالح والارتباطات من ومع إسرائيل والولايات المتحدة ودول إقليمية ، وهذا التيار هو أقرب في أطروحته للمواقف المعادية ويمكنه أن يكيف مواقفه حسب ما تقتضيه ارتباطاته ومصالحه المادية وليس حسب المصلحة الوطنية ، وهذا التيار يجد كل دعم مالي وإعلامي أمريكي وأوروبي وأحياناً إسرائيلي بل قد يُسمح لهم بالقيام ببعض التصرفات أو العمليات العسكرية الاستعراضية لإخفاء حقيقة نواياهم ، في الوقت الذي يحاصر فيه أصحاب التيار الأول تيار السلام الحقيقي .

نعتقد إنه من الممكن ، بل من المطلوب ، وبالرغم الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين أن نتمسك بفكرة السلام وأن تكون جوهر خطابنا تجاه العالم مع الاستمرار بتعبئة شعوبنا وحشد إمكانياتها حول ثوابتنا وحقوقنا المشروعة ، وتجنب الانجرار وراء ما تريده إسرائيل وأمريكا وهو مربع المواجهات العسكرية المباشرة كما جرى بعد تجييش الانتفاضة الفلسطينية ويجري في لبنان اليوم ، ذلك أن التسرع بمواجهات عسكرية مع العدو دون إستراتيجية حرب فلسطينية وعربية وإسلامية ولو في حدودها الدنيا ، قد تكون نتائج ذلك سلبية ومضرة بقضيتنا الوطنية والقومية والإسلامية .


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا