|
د/إبراهيم أبراش
العدوان
على غزة : استكمال وتعديل لخطة الفصل أحادي الجانب
قضية خطف الجندي الإسرائيلي من طرف مجموعات مقاتلة فلسطينية طغت على
الأحداث في فلسطين والمنطقة ، واستطاعت إسرائيل بما تملك من علاقات
خارجية وسيطرة على الإعلام العالمي جعل قضية الجندي المخطوف وكأنها جريمة
نكراء قام بها الفلسطينيون ، متناسية بأن الجندي أُسر في ساحة الحرب
وخلال اشتباك مسلح سقط فيه قتلى من الجانبين وهو نفس الأمر بالنسبة لمئات
المقاتلين الفلسطينيين الذين تعتقلهم إسرائيل حيث تم أسرهم في ساحة
المعركة وخلال اشتباكات مسلحة بالإضافة إلى الآلاف الذين اعتقلوا على
الشبهة فقط ، وإسرائيل بذلك متناسية بأن العلاقة التي تحكم الفلسطينيين
بالإسرائيليين هي حتى اللحظة علاقة حرب وعداء ما دام السلام لم يتحقق وما
دامت إسرائيل لا تعترف بوجود شريك فلسطيني.
يبدو بأن إسرائيل لا تريد أن تعترف بالفلسطينيين كشركاء سلام ولا تعترف
بهم كطرف محارب ، كما أنها لا تعترف بمناطق السلطة لا كمناطق مستقلة ولها
سيادة مما يحتم عليها احترام سيادة الأرض الفلسطينية ولا تريد أن تعترف
بها كأرض خاضعة للاحتلال وبالتالي من حق أهلها ممارسة حقهم الطبيعي والذي
تكفله كل الشرائع وهو الحق بمقاومة الاحتلال ! .فأبو عمار عندما اعترف
بإسرائيل بل بحق إسرائيل بالوجود وقَبِل بسلطة على أرض فلسطينية في حدود
1967 وتعطى للفلسطينيين بالتقسيط المريح ، كان أبو عمار في نظر
الإسرائيليين والأمريكيين شريك سلام وأهم ضيوف البيت الأبيض وحائزاً على
جائزة نوبل للسلام ، ولكنه عندما وقف إلى جانب شعبه ورفض تقديم تنازلات
جديدة أصبح عدوا للسلام وجرى معه ما جرى . نفس الأمر بالنسبة للرئيس
أبو مازن فهو رجل سلام ما دام يتحدث عن السلام ويندد بالمقاومة المسلحة
للفلسطينيين ويتحدث عن معاناة الإسرائيليين ويعتبر الإسرائيليين شركاء في
السلام ويتجنب نعتهم بالأعداء ، ولكن إسرائيل في مقابل ذلك لا تقدم له أي
تنازلات ليقنع بها شعبه بنهج السلام ، و عندما يطالب الرئيس أبو مازن
إسرائيل بالالتزام بالاتفاقات الموقعة وبوقف عدوانها على الفلسطينيين
ويسعى لجمع شمل الفلسطينيين في إطار مرجعية واحدة وسلطة واحدة ، يتحول
بقدرة قادر إلى رجل ضعيف وغير مؤهل ليكون شريك سلام ! أيضا عندما تلتزم
حركة حماس بالتهدئة وتقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية تتوقف إسرائيل عن
استهداف مؤسسات الحركة وقادتها وتسكت عن مشاركتها بالانتخابات وعن وجودها
على رأس الحكومة وتسمح لقادتها بالخروج والدخول من مناطق السلطة
ليتواصلوا مع العالم الخارجي ، ولكن عندما يقوم مقاتلون من حماس بعملية
عسكرية رداً على العدوان تصبح حركة حماس وحكومتها مستهدفين .
ولكن ماذا تريد إسرائيل بشكل عام ؟ وماذا تريد من وراء عدوانها المتجدد
على الفلسطينيين في القطاع والضفة ؟
ببساطة إسرائيل لا تريد سلاماً حقيقاً لأن السلام معناه منح الفلسطينيين
مزيداً من أرضهم المحتلة ، ولا تريد حرباً حقيقية مع الفلسطينيين تُظهر
الفلسطينيين كحركة مقاومة وتُظهر الإسرائيليين كجيش احتلال . بالرجوع إلى
بداية المفاوضات حول التسوية نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كان
هناك تيار داخل إسرائيل يقبل بمبدأ التسوية ليس على قاعدة الاعتراف
بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي إطار قرارات الشرعية الدولية ولكن
الاقتصار فقط على منح الفلسطينيين مجالاً حيوياً داخل الضفة وغزة يتحركون
بداخله ويتحملون مسؤولية إدارة شؤونهم الداخلية دون سيادة وهو ما سُمي
بالحكم الذاتي المحدود ، وكان قبول إسرائيل بهذا الحل راجعاً لحقيقة وجود
الشعب الفلسطيني المتمسك بحقوقه المشروعة ، ونتيجة للتوازن الديمغرافي
ودرءاً لخطر عربي وإسلامي محتمل ، ولكن أيضاً وهو العنصر الرئيس لأن
الولايات المتحدة كانت تتهيأ لقيادة العالم وللسيطرة على الشرق الأوسط
ولضرب القوتين الصاعدتين آنذاك وهما العراق وإيران . ولكن الذي حدث هو أن
المعسكر الاشتراكي قد انهار دون حرب والنظام الإقليمي العربي انهار أيضاً
، والعراق دُمرت والخليج العربي تم احتلاله والأنظمة العربية أفلست
سياسياً وأخلاقياً أو حُوصرت ، آنذاك لم تجد إسرائيل أي مبرر أو خطر أو
تهديد بخطر يجبرها على تقديم تنازلات للفلسطينيين ومن هنا قررت الصهيونية
وقف مسلسل التسوية عملياً مع استمرار استخدام لغة وخطاب السلام فقط من
أجل التمويه ، وقد ساعدت ممارسات فلسطينية سلبية سواء في السلطة أو
المعارضة ساعدت إسرائيل على النكوص عن مسلسل التسوية حتى في حدوها
المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو وجاءت انتفاضة الأقصى لتدخل المنطقة في
صراع دام أصبح معه العودة لنقطة المنطلق أي اتفاقات أوسلو أمراً صعباً ،
فكانت خطة خارطة الطريق التي قبلت بها إسرائيل شكلياً ولكن بعد وضع
تحفظات غيرت من طبيعة الخطة.
وحيث أن الظروف الدولية والإقليمية العربية لم تتغير لصالح الفلسطينيين
بل صبت لمصلحة السياسية الإسرائيلية ، و بالرغم من كل تضحيات الفلسطينيين
خلال سني الانتفاضة الخمس فقد صاحب الانتفاضة خلافات فلسطينية فلسطينية
واشتداد الصراع ما بين حركة حماس وحركة فتح ، بالإضافة للانفلات الأمني
والفساد الإداري والمالي في السلطة ، بالإضافة إلى تمكن إسرائيل من جر
الفلسطينيين للمواجهة في المجال الذي تتفوق فيه وهو المواجهة العسكرية ،
حيث كانت وما زالت إسرائيل تملك التفوق العسكري فيما الفلسطينيون يملكون
قوة الإرادة وقوة الحق مع مراهنة على قوة عربية وإسلامية قد تأتي أو لا
تأتي ، كل ذلك شجع إسرائيل على التهرب من تنفيذ خطة خارطة الطريق حتى مع
التحفظات التي وضعتها ، وبدلاً منها وضعت خطة الانفصال أحادي الجانب وهي
خطة من بنات أفكار أولمرت قبل ان يصبح رئيسا للوزراء وقام شارون بتنفيذ
الجزء الأول من الخطة بإخراج المستوطنين من غزة ومرابطة الجيش على حدود
القطاع دون منح القطاع السيادة.
لا شك انه لو كان الاحتلال مريحا للإسرائيليين ما فكروا بالخروج من غزة
، ولكن لا يعني هذا أن إسرائيل خرجت منهزمة عسكرياً بالمفهوم الدقيق
للكلمة ، بل خرجت ضمن إستراتيجية عسكرية وسياسية بعيدة المدى ، وكانت
تراهن من خلالها بأن ينشغل الفلسطينيون بالصراع على مَن يحكم قطاع غزة أو
ينشغلوا بإعادة بنائه فيما تنشغل إسرائيل ببناء الجدار واستكمال خطة
الفصل في الضفة في ظل ظروف مريحة سياسياً وعسكرياً . ولكن ما حدث هو أن
المجموعات المسلحة واصلت إطلاق الصواريخ من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل ،
وبدأت ملامح وفاق وطني فلسطيني تلوح بالأفق بعد الاتفاق على وثيقة الأسرى
، ثم جاءت عملية كرم سالم في رفح وخطف الأسير الذي شكل إهانة للجيش
الإسرائيلي مع وجود مؤشرات بوجود أياد خارجية وراء العملية ... كل ذلك
دفع جيش الاحتلال للقيام بهذه العملية والتي لا تهدف لتحرير الأسير فقط
بل لإعادة صياغة الأوضاع والعلاقة مع قطاع غزة سياسياً وعسكرياً ، دون
أن تصل الأمور لحد إعادة احتلاله ، لأن إعادة احتلاله يعني انهيار خطة
الفصل أحادي الجانب وهذا ما لا تريده إسرائيل لأن البديل خطة خارطة
الطريق.
ستسعى إسرائيل لاستعادة الجندي الأسير حياً أو ميتاً ، ولكنها عندما
تُوقف عمليتها العسكرية لن يكون حال قطاع غزة هو حاله قبل العدوان حيث
ستُبقي لها تواجداً في شمال قطاع غزة - وهنا يجب أن نُذكر أن الصحف
الإسرائيلية نشرت قبل ثلاث سنوات تقريبا خطة أمنية خاصة ببيت حانون تقضي
بوجود شريط أمني يجعل بيت حانون داخل السيطرة الأمنية الإسرائيلية-
وربما شرق رفح مع إعادة النظر باتفاقية المعابر ونزع التزامات من السلطة
الفلسطينية بضمانات مصرية وأوروبية بعدم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة ،
وربما يتم النظر أيضا بمسألة الحصار الاقتصادي، ولكن السؤال هل أن كل ذلك
سيكون ضمن خطوة إسرائيلية منفردة أم ضمن صفقة يشارك فيها الفلسطينيون وقد
يكون ضمن عناصرها قضية الأسير الإسرائيلي والأسرى الفلسطينيون؟
|