منتدى موقع التاريخ

‏26‏/06‏/2006

د/إبراهيم أبراش

 عملية رفح الفلسطينية:نجاح عسكري وقلق سياسي

- المقاومة : شرعية المبدأ والتباس الممارسة -


لا شك بأن المقاومة ضد الاحتلال حق مشروع لكل شعب يعاني من الاحتلال ، وشرعية المقاومة ليست خياراً وطنياً لهذا الشعب أو ذاك أو لهذا الحزب أو ذاك بل تموقعت كحق تعترف به كل الشرائع الدينية والدولية والوطنية ، وكل تحليل يُسقط شرعية الحق بالمقاومة لا يعتبر فقط تحليلاً مبرراً للاحتلال بل متعارضاً لكل الشرائع التي تحكم وحكمت تاريخ الإنسانية ، بل هو يسجل سابقة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية ، إلا أن هذه الحقيقة لا تنفي بأن كثيراً ممن يخضعون للاحتلال وبالتالي من حقهم ممارسة المقاومة إنما يمارسونها بشكل يسيء للقضية التي يدافعون عنها ويثير تساؤلات حول المقاومة مما يشكك بعدالة قضيتهم ، وعلى هذا الأساس يجب التمييز ما بين شرعية المقاومة بما فيها المقاومة المسلحة والتباس الممارسة .

ومن جهة أخرى فإن الحق بالمقاومة لا ينفي ممارسة العمل السياسي بكل أشكاله وولوج كل وسائل حل النزاعات بالطرق السلمية ، على شرط أن يكون العمل السياسي والعمل العسكري إن كانت ضرورة لممارسته يخضعان لإستراتيجية عمل وطني بحيث تخدم البندقية السياسيين وبالعكس   وفي نفس الوقت يجب استحضار أن العالم يتغير ومفهوم القوة يتغير وأن القضية الفلسطينية من أكثر القضايا تعقيداً وأن منطق التعامل الدولي لا يُعير وزناً  للكيانات الصغيرة ولا بالحالات العسكرية الصغيرة والمنعزلة ، ويجب استحضار أن هناك عنواناً للشعب الفلسطيني يخاطب العالم ويخاطبه العالم ، منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد ورئيس منتخب وسلطة أفرزتها تسوية سياسية ما زالت قائمة بالرغم من تعثرها ، ويجب استحضار أننا بالعمل العسكري لا نستطيع أن نهزم إسرائيل ، ولكن أيضا إسرائيل تدرك أنها لا تستطيع أن تنتصر عسكرياً بالضربة القاضية على الشعب الفلسطيني ولكنها تستطيع أن تجره لمربع العمل العسكري لتستنزف قواه وتلهيه بمعارك جانبية وبطولات وهمية قد تقلق إسرائيل وتجعلها تبدو وكأنها تخسر تكتيكياً ، ولكنها – إسرائيل - في المقابل تنتزع الأرض شبراً شبراً وتجعل من المقاومين في نظر العالم إرهابيين .

كم يحز بالنفس أن نمارس النقد تجاه العمل الجهادي بصيغته التي سادت خلال السنوات الماضية - عمليات استشهادية وقصف صواريخ انطلاقاً من المناطق المأهولة في قطاع غزة - ننتقد ونحن مدركين بأن نهج التسوية والمفاوضات يتعثر ، وندرك بأن كل مَن نَصب نفسه وصياً على الفلسطينيين أو ناصحاً لهم أو غيوراً على مصالحهم لا يملكون شيئاً للرد على العدوان الصهيوني المتواصل وعلى نكوص إسرائيل عن كل التزاماتها . وإذ ننتقد فلا ننتقد الحق بالمقاومة ولكن غياب الإستراتيجية الوطنية السياسية والعسكرية للمقاومة ، هذا الغياب الذي يجعل نتاج هذه العمليات مزيدا من المعاناة للشعب ومزيداً من التفسخ في ساحة العمل الوطني .

            ما يدفعنا للعودة لهذا الموضوع هو العملية الفدائية التي نفذتها جماعات مسلحة بما فيها كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس التي تترأس الحكومة ، وكما قلنا فنحن لا نجادل بالحق بالمقاومة وخصوصاً بأن العملية جاءت بعد هجمات إسرائيلية إرهابية استهدفت المدنيين والأطفال بشكل غير مسبوق ومع استمرار إسرائيل برفض كل مرجعية للتسوية ،  بل نطرح تساؤلات حول  إستراتيجية المقاومة من حيث التوقيت وبالمكان وكيف نجعل المقاومة أكثر قدرة على خدمة المصلحة الوطنية .

أولا :بالنسبة لإستراتيجية المقاومة   

لنتصارح بواقعية وبوضوح وبعيداً عن العواطف ، المقاومة وسواء أسميناها جهاداً أم عمليات فدائية  فهي شكل من أشكال الحرب ، ومن المعروف أن الحرب ليست فعلاً ارتجالياً أو عمليات ثأرية أو استعراض للقدرات الذاتية أو توظيف ويلات الأعمال العسكرية لمصالح حزبية ضيقة... بل للحرب قوانين واستراتيجيات ، وعندما تكون حرباً وصراعاً على شاكلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فيفترض أن تخضع هذه الحرب لقوانين وتلتزم بآليات لإدارة الصراع ولسياسات عامة ولاعتبارات دولية وإقليمية . العمليات الفدائية في الحالة الفلسطينية ليست مجرد عمليات عسكرية بل لها تداعياتها السياسية الكبيرة على الشعب الفلسطيني داخلياً وعلى علاقاته بالعالم الخارجي ، فهل من يمارسها  يتوفر على إستراتيجية مقاومة ويدرك الأبعاد السياسية الخطيرة لهذه العمليات ؟ أم أنهم ينفذون عملياتهم بمجرد توفر الفرصة من امتلاك صاروخ أو حفر نفق أو رصد هدف ، دون حساب أبعادها السياسية الوطنية والدولية ؟

فمن الملاحظ مثلاً أنه عندما تقوم إحدى التنظيمات الجهادية بعملية فدائية في غير وقتها يرد سياسيو هذا التنظيم بالقول – وقد يكونوا غير صادقين في ذلك – إن هذه العمليات من تخطيط وتنفيذ الأجنحة العسكرية ولسنا مسئولين عنها ! ولو كان هؤلاء السياسيون يمتلكون مواصفات قيادية إستراتيجية لاستحضروا مقولة (الحرب أخطر من أن تترك للعسكريين) ، فيما مسئولون آخرون ينددون بهذه العمليات إن لم يصفونها بالضارة بالمصلحة الوطنية بل قد يشككون بنوايا وبوطنية القائمين عليها .

غياب إستراتيجية عسكرية وسياسية وطنية ، وترك العمل العسكري رهناً بالجماعات المسلحة الصغيرة حسب ظروف كل جماعة وحسب حسابات وعقليات القادة الميدانيين ، هو الذي يؤدي لأن يُستدرج المجاهدين لما تريده إسرائيل التي تتصرف عسكرياً بإستراتيجية يضعها السياسيون على أعلى المستويات . هذا الخلل في إستراتيجية المقاومة كان وراء محدودية النتاج السياسي للعمل العسكري الفلسطيني خلال السنوات الماضية .

العملية الأخيرة يوم 25/6 – عملية كرم سالم – جاءت في ظل ظرفية مغايرة وهي الحوار الوطني الذي أوشك على التوصل لنتائج إيجابية كما تقول حركة حماس حول وثيقة الأسرى التي تنص ضمن بنود أخرى على وضع إستراتيجية للعمل الوطني على كافة المستويات وعلى اقتصار المقاومة المسلحة في حدود الأراضي المحتلة عام 1967، وأن تُجري العملية الفدائية داخل إسرائيل في هذا التوقيت يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقة للمنفذين .

وهنا نكون أمام احتمالين :

1-      هو أن حركة حماس قررت أن تسير على خطى حركة فتح عندما كانت فتح في السلطة وتعلن التزامها بالتسوية والسلام فيما أجنحتها العسكرية تمارس عمليات عسكرية ، وحماس اليوم موجودة في السلطة وتتحدث عن تهدئة وتلتزم بتهدئة فيما تسمح أو تسكت عن قيام أجنحتها العسكرية بعمليات جهادية  دون أن تتبنى الحركة رسميا هذه العمليات .

2-      الاحتمال الثاني هو أن المصالحة الوطنية والتوصل لإستراتيجية عمل وطني لا ترضي بعض الأطراف بالخارج ، بما فيها قيادة حماس في الخارج ، أولئك الذين لا يشغلهم الهم الوطني بل يشتغلون ضمن أجندة إسلامية عالمية ، هؤلاء يريدون أن يُجيَروا المشروع الوطني الفلسطيني لمصلحة مشروعهم الإسلامي السياسي ويلحقونه به إن لم يكن تغييبه بالمطلق ، فيما الفلسطينيون بما فيهم تيار كبير داخل حماس الداخل يريدون أن يكون المشروع الوطني الفلسطيني هو الأساس الذي يستوعب كل التيارات بما فيها الإسلامية ، والفرق بين الطرفين هو أن أصحاب المشروع الخارجي يريدون أن يكون العنوان الفلسطيني ومركز القرار الفلسطيني في الخارج ، فيما الآخرون (الوطنيون) يريدونه قراراً وطنياً  داخلياً .

ومن هنا لا نستبعد بأن الجماعة المسلحة التابعة للقسام التي نفذت العملية كانت هي العقل المخطط للعملية تنفيذاً لقرار أتاها من الخارج وليس من الداخل ، وبالتالي فان الحكومة الفلسطينية صادقة عندما تقول بأن لا علاقة لها بالعملية . ويبدو إه مع مرور الوقت وكلما تعزز الحوار الوطني وبرزت إمكانية النجاح بوضع إستراتيجية عمل وطني ، كلما تعززت علاقة التيار المتشدد بكتائب عز الدين القسام مع قيادة حماس بالخارج .

ثانيا :بالنسبة للمكان

بالإضافة لما سبقت الإشارة إليه من كون العملية جرت داخل إسرائيل مما يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه حول وثيقة الأسرى التي تقول بقصر المقاومة المسلحة داخل حدود 1967، فإن استمرار وتزايد عمليات إطلاق الصواريخ على إسرائيل انطلاقاً من قطاع غزة فيما لا تجري عمليات مماثلة داخل الضفة الغربية هو أمر يثير الاستغراب . ندرك تماماً بأن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة غير مكتمل ما دام الفلسطينيون لا يملكون السيادة على المعابر ، ولكن الضفة الغربية بما فيها القدس محتلة بالكامل وعمليات الاستيطان تسير على قدم وساق وكل شيء فلسطيني يُنتهك من طرف الإسرائيليين ، ومساحة الضفة الفلسطينية أضعاف قطاع غزة وبها جبال ووديان وتضاريس صعبة تجعل حرب العصابات وكل أشكال المقاومة أيسر نسبياً من قطاع غزة ، ومع ذلك فكل الفصائل تتنافس على إطلاق الصواريخ من غزة حيث الكثافة البشرية وضيق المساحة وتتجاهل المقاومة في الضفة !

لا شك بأن الشعب الفلسطيني وحدة واحدة من حيث الانتماء والاستعداد للتضحية  بالرغم من واقع التجزئة والفصل ، والسؤال موجه للفصائل وقادة الجماعات المسلحة وليس للشعب . فعندما خرجت إسرائيل من قطاع غزة قالت كل الفصائل بأن إسرائيل تهرب نتيجة عمليات المقاومة المسلحة ، وهذا كان يتطلب من الجميع وبما فيها  الفصائل التفرغ لإعمار قطاع غزة وبناء ما دمره الاحتلال من جانب و تكثف عملياتها العسكرية في الضفة الغربية لإجبار إسرائيل على الهروب من الضفة كما فعلت في غزة وليس تقليص هذه العمليات إن لم يكن وقفها في الضفة . الاستمرار بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة أدى لعودة إسرائيل للقطاع وتقليص ساحة المواجهة ليصبح قطاع غزة فقط فيما تفرغت إسرائيل للسيطرة على أراضي الضفة واستكمال بناء الجدار !

المقاومة حق مشروع ما دام الاحتلال موجوداً ، ولكن كيف نقاوم ؟ ومَن يقاوم ؟ وأين نقاوم ؟ وعملية رفح ناجحة عسكرياً – ونتمنى أن تكون كذلك سياسياً – ولا أحد يبكي علي قتلى الاحتلال ولا على أسرى الاحتلال لأن الدم الفلسطيني أطهر من دمائهم ، وأسرانا أنبل من أسراهم ، ولكن الوطن أكبر من غزة ، وللوطن عنوان ، وعنوانه داخل الوطن  .


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا