الأستاذ الدكتور/ إبراهيم أبراش
أستاذ العلوم السياسية
جامعة الأزهر بغزة
استنهاض حركة فتح بين الضرورة الوطنية
والإعاقات التنظيمية
يعرف المجتمع الفلسطيني تعددية سياسية وأيديولوجية إلا أنها بعيدة من أن
تكون تعددية ديمقراطية بالمفهوم المتعارف عليه في النظم الديمقراطية أي
ليست نتيجة تراكم نضالي لمؤسسات وممارسة ديمقراطية أو لثقافة الديمقراطية
أو للوعي الديمقراطي ،بل تعددية فرضتها خصوصية الحالة الفلسطينية ،وهي
حالة شعب يعيش في المنافي أو في داخل الوطن دون سلطة سيادية تؤطر النشاط
الحزبي -مثلا عدم وجود قانون للأحزاب السياسية حتى في ظل السلطة الوطنية-
،أيضا خصوصية تتميز بضعف المجتمع الفلسطيني في مواجهة التدخلات الخارجية
سواء من الأشقاء العرب أو من غير الأشقاء ،بحيث كان ميسورا على أي نظام
عربي أن يؤسس حزبا سياسيا في الساحة الفلسطينية أو يؤثر على التوجهات
السياسية للقوى السياسية الفلسطينية .
ومن هنا فليس غريبا أن يشهد الحقل السياسي الفلسطيني كل أطياف الحزبية
والعقائدية، وبالرغم من محاولة منظمة التحرير الفلسطينية استيعاب كل
القوى السياسية ضمن إطارها وإستراتيجيتها إلا أن هذا لم يمنع من انفلات
كثير من القوى السياسية من هذا الإطار أو ظهور قوى سياسية لا تعترف أصلا
بمرجعية المنظمة،وحتى بالنسبة للقوى السياسية المنضوية في المنظمة فقد
عرفت انشقاقات متتالية بما يشبه لعبة الدمى الروسية وهي غالبا انشقاقات
ناتجة عن صراعات شخصية بين النخب الحزبية بالرغم من محاولة تبريرها
بمبررات إيديولوجية.
أما بالنسبة لحركة فتح، فمنذ سنوات و الخلافات داخل حركة فتح تقلق كثيرين
من الوطنيين ، وكان دائما يُرد على من يتحدث عن الموضوع علنا إما
باتهامه بمحاولة إثارة الفتنة في الصف الفلسطيني أو معاداته للقيادة
الفتحاوية، هذا إن كان السائل في نظر المسئول المسئول من المشكوك بولائه
للحركة ، أما إن كان السائل من أهل البيت – بيت فتح – و المسئول المسئول
إما جاهلا لحقيقة وخطورة الموضوع أو مستصغرا لشأن السائل ، فيكون
الجواب أن لا داع للقلق وأن البيت الفتحاوي تحكمه مؤسسات وعشيرة فتح غير
قابلة للانقسام ...، وبالطبع مع خطاب إنشائي طويل حول قدرة الحركة على
الصمود والبقاء طوال عقود بالرغم من كل ما تعرضت له من مؤامرات ،الخ .
وهكذا كان يتم دائما القفز على الموضوع ، مع أن كل صغير وكبير متابع
للوضع الداخلي لحركة فتح
يلمس ضرورة إحداث تغيير في بنية فتح وآليات تعاملها مع الأحداث ،
و يتحسس مؤشرات صراع على الزعامة ، أحيانا يكون الصراع مشروعا ومبررا
يأخذ شكل التنافس على العمل النضالي ضد العدو وخدمة الجماهير لاستقطاب
المؤيدين والأتباع ، ولكن في كثير من الحالات يكون الصراع غير نظيف وغير
أخلاقي بالمفهوم السياسي الحضاري وبالمفهوم السلوكي ، صراع لا يشارك فيه
الشعب ، ولكنه صراع بين قيادات تقليدية مأزومة وزعامات شابة متمردة
وبعضها ممن أفرزتهم اتفاقية أوسلو أو تدخلات خارجية .
نعم عرفت حركة فتح محاولات انشقاقية متعددة منها ما جرى عام 1983 بما سمي
(فتح الانتفاضة)بزعامة أبو موسى وأبو خالد العملة وآخرون، وهي محاولة
انشقاقية دعمتها سوريا وأخذت طابعا دمويا ،ثم محاولة تمرد أبو الزعيم عام
1986 وقد أجهضت في حينها ،كما عرفت حركة فتح خروج كثير من قادتها من إطار
الحركة وبعضهم شكل تنظيما خاصا به وبعضهم ترك العمل السياسي الحزبي
الوطني ،منهم صبري ألبنا (أبو نضال)، الذي
شكل "حركة فتح ـ المجلس
الثوري"
وناجي علوش الذي عاد لأصوله القومية الثورية ومنير شفيق الذي فضل العمل
ضمن التيار الديني الإسلامي،ومع ذلك حافظت حركة التحرر الوطني الفلسطيني
(فتح) وبالرغم من طول عهدها بالعمل السياسي على وحدتها ولو شكليا.
إلى ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو وتسلم حركة فتح لسلطة الحكم الذاتي لم
تكن الانشقاقات مهددة لوحدة وتماسك الحركة لعدة اعتبارات أهمها:
1-
طبيعة برنامج الحركة المرن والذي يسمح بتعدد الرؤى والمواقف بحيث كان
يمكن لأي منتسب للحركة كفرد أو جماعة أن يمثل تيارا فكريا دون أن يتعارض
ذلك مع برنامج وسياسة الحركة.
2-
تمسك الحركة بالثوابت الوطنية ،فكل التنازلات كانت من المنظمة وباسمها
وليس من تنظيم حركة فتح الذي كان يوظف مرونة المنظمة وتنازلاتها دون أن
يصدر عنه قرارات تعترف بهذه التنازلات .
3-
هيمنة قيادة فتح على المنظمة وضع بيدها سلطات وصلاحيات تجعلها الطرف
القوي في مواجهة أي منافس أو متمرد عليها.
4-
دعم كثير من الدول العربية والأجنبية لنهج حركة فتح المعتدل في مقابل
حركات انشقاقية ذات توجهات قد تكون محرجة للأنظمة العربية ودعمها يحملهم
تبعات سياسية هم في غنى عنها.
5-
غالبية الشعب الفلسطيني بما في ذلك فصائل منظمة التحرير، كانت مع وحدة
الحركة ولو شكليا تخوفا من تبعات انهيارها على مجمل المشروع الوطني وعلى
منظمة التحرير.
6-
وجود أبو عمار على رأس الحركة كمؤسس للحركة وبشخصيته الكارزماتية ذات
القدرة الكبيرة على المناورة والمساومة ،ساهم في وحدة الحركة تحت عباءته
.
7-
المركزية المالية للحركة حيث كان الراحل أبو عمار يحتكر كل مفاتيح الوضع
المالي للحركة (مدخولات ومصروفات)سواء كرئيس لها أو رئيس لمنظمة
التحرير،مما مكنه من شراء ولاء كل من يفكر بالتمرد أو قطع الدعم المالي
عمن يتمرد بالفعل.
8-
ساد في حركة فتح نهج عدم الحسم بأية قضية خلافية ومحاولة خلق توازن أو
توافق موهوم ومصطنع بين قوى متعارضة ومتصارعة ، إما بإسكاتها بالمال أو
بالمناصب أو بالتهميش أو بالبوس على اللحى .
9-
غياب الحسم والمحاسبة والمتابعة وممارسة سياسة الحشد وتكثير العدد دون
فكر موحد أو أيديولوجية مشتركة.
ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو كانت المحاولات الانشقاقية تجد تبريرا لها
بالقول بالحفاظ على الثوابت الوطنية ومواجهة ما كانوا يعتبرونه تفريطا
ومساومة من القيادة المتنفذة بالحركة ،أو رفض هذه القيادة وضع حد للفساد
الذي يسود الحركة ،ولكن بعد صيرورة حركة فتح حزبا حاكما لسلطة حكم ذاتي
فقد تداخلت أسباب التصدع والانفلات التنظيمي،ومع ذلك استمر المنافسون
لعرفات على زعامة فتح يشعرون بالعجز لأن أبو عمار زعيم تاريخي ومنتخب
فيما غالبيتهم بدون تاريخ نضالي أومن الحرس
القديم ولكن بدون شعبية داخلية ومنهم من نُصب مسئولا بإملاءات خارجية أو
بفعل توازنات عائلية وقبلية داخلية ، هذا ناهيك عن أن أبو عمار يتوفر على
ملفات لعديد منهم حول سرقاته ومفاسده وحول الأموال التي استلموها منه
كمساعدة بعناوين مختلفة ، ويملك أبو
عمار في يده كثير من المفاتيح أهمها المفتاح المالي يدير بها كل
مكونات حركة فتح السياسية والعسكرية والاجتماعية، فيما أغلب المنافسين
بدون تاريخ نضالي أو بدون شعبية أو يفتقرون إلى قوة المال في زمن روحه
المال .
ما بعد صيرورة حركة فتح حزبا حاكما مرت الخلافات والصراع على السلطة داخل
فتح بثلاث مراحل تتداخل مع بعضها البعض أحيانا وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى الصراع على منافع السلطة
وتمتد من بداية تولى السلطة عام 1994 إلى حين اندلاع الانتفاضة ومحاصرة
الرئيس أبو عمار ،
فخلال هذه المرحلة ظهرت بوادر الصراع ما بين مَن يُطلق عليهم أسم الحرس
القديم (اللجنة المركزية ومن يدور في فلكها وعلى رأسها الرئيس أبو عمار)
ومن جانب آخر من ينعتون بالحرس الجديد (اللجان الحركية ) وهذا الانقسام
كان يعكس أيضا تباينا في المواقف والنظر للأمور ما بين الخارج والداخل ،
فالحرس القديم هم الذين أتوا من الخارج أو جماعة تونس ،والحرس الجديد هم
شباب الداخل وخريجو السجون،إلا أن هذه التباينات أو بدايات الانشقاق
المستتر لم تكن قد تبلورت على أسس أيديولوجية أو سياسية وطنية فكلا
الطرفين مع التسوية والحل السلمي ومع خارطة الطريق،بل كان صراعا مستترا
على المراكز والمناصب والصلاحيات ،أنه صراع على السلطة ومن اجل السلطة ،
كان صراعا بين جماعات عرفاتية – العرفاتية هي نهج وظاهرة حكمت الحياة
السياسية الفلسطينية طوال أربعين سنة، ويتحد العرفاتيون في مواجهة قوى
أخرى فلسطينية وخارجية ّإذا هددت سيطرتهم على السلطة ويختلفون فيما هو
دون ذلك- دون تجاهل دور التأثيرات الخارجية في الموضوع وخصوصا الدور
الأمريكي .
المرحلة
الثانية الصراع على دور ووظيفة السلطة
تفاقمت الخلافات في حركة فتح مع القرار غير المعلن لأبي عمار بالعودة
لنهج المقاومة المسلحة بعدما تأكد بأن إسرائيل غير جادة بالتسوية وكان
مقتل رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين مؤشرا على نكوص إسرائيل عن نهج
التسوية ،إلا أن هذا التوجه العرفاتي لم يجد استحسانا من تيار فتحاوي
أرتبط بالتسوية وظيفيا وماليا وارتباطا خارجيا ،وهو تيار وإن وجد دعما
وتشجيعا أمريكيا وإسرائيليا إلا أنه كان ينطلق من رؤية سياسية تجد قبولا
عند قطاع من الشعب ممن ارتبطوا وظيفيا برموز هذا التيار و من فئة من
المثقفين ورجال الأعمال والمال، ومفاد هذه الرؤية أن الفلسطينيين جربوا
الخيار العسكري في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية مواتية أكثر من الظروف
الراهنة ولم يحققوا أهدافهم الوطنية وبالتالي يجب عدم زج الشعب مجددا
بدوامة العمل العسكري .وقد أخذ هذا التيار بالاتصال من وراء ظهر ياسر
عرفات بأطراف إقليمية ودولية لاستجلاب الدعم السياسي والمالي ونجحوا بذلك
بدرجة كبيرة بحيث بات هذا التيار متحررا ماليا من الهيمنة المالية لأبي
عمار وقادرا على مواجهة التيار العرفاتي التقليدي علنا بل وصل الأمر
للتراشق بالتهم عبر الفضائيات مما أثار استياء الجمهور.
نتيجة هذا الوضع حدثت حالة استقطاب وصلت ذروتها مع الضغوط التي مورست على
أبو عمار لإيجاد منصب رئيس وزراء وإسناد هذا المنصب لأبي مازن الذي أصبح
قائدا للتيار المعارض للنهج العرفاتي ونقطة استقطاب للحرس الجديد مع أن
أبو مازن ينتمي تاريخيا وجيليا للحرس القديم .بعد تولي أبو مازن لمهامه
كرئيس وزراء تعرض لانتقادات شديدة من اللجنة المركزية لحركة فتح كان
أهمها في اجتماع للجنة المركزية مطلع يوليو 2003م حيث أنصبت
الانتقادات على أسلوب تعاطيه السياسي و الأمني مع ملف المفاوضات وكيفية
تعامله مع حكومة شارون التي تستبيح ألأرض وتحاصر الرئيس أبو عمار ،واتهمه
البعض بأنه يتصرّف كسياسي يفتقر للدراية السياسية، بل إن عرفات وصفه بعد
قمة العقبة بتاريخ 3-6-2003 بأنه (خان قضية و مصالح شعبه) ، وردا على
ذلك قدّم أبو مازن استقالته من اللجنة المركزية لفتح ، مبررا ذلك
بافتقاده لدعم حزب السلطة (فتح) لتنفيذ برنامجه السياسي المُعتمد من
المجلس التشريعي ، وتوترت العلاقة بين الطرفين ولم تنجح وساطة فلسطينية
بالتقريب بين المواقف ،ولكن عمر سليمان مدير المخابرات المصرية تمكن من
ذلك ولكن إلى حين.
إن كانت هذه الخلافات التي ظهرت للعلن وقسمت القاعدة الفتحاوية بشكل
ملحوظ، لم تؤد لإحداث عملية انشقاق تنظيمي إلا أنها عززت من انعدام
الثقة، من جهة العرفاتيين النافذين المدعومين من جمهور فلسطيني ومن قوى
المعارضة الإسلامية المتعاطفة معهم والمتخوفة من نهج الحرس الجديد ومن
التوجهات السياسية لحكومة أبو مازن ،و من جهة أخرى أبو مازن وبعض وزرائه
وخصوصا محمد دحلان المدعومين من الولايات المتحدة ودول أوروبية وقطاع من
النخبة السياسية الفلسطينية. وحتى لا تؤدي هذه الأزمة لانهيار حركة فتح
فقد تم التوصل لحل يسمح لأبي مازن بممارسة مهامه مع الالتزام بشروط
وضعتها اللجنة المركزية للحركة وأهمها :
1- التأكيد بأن الوزارة هي وزارة فتح، و من ثمّ لا بد من إقرارها في
اللجنة المركزية لفتح.
2- وزارة الداخلية لا يتولاها سوى عضو في اللجنة المركزية لفتح وذلك لقطع
الطريق على محمد دحلان الحليف القوي لأبي مازن من تولي هذه الوزارة .
3- تشكيل لجنة أمنية عليا تشرف على الأجهزة الأمنية برئاسة عرفات.
تشكيل لجنة عليا للمفاوضات تتولى إدارة هذا الملف .
المرحلة الثالثة: حركة فتح بدون أبو عمار(مَن يملأ الفراغ ؟)
بعد رحيل أبو عمار طفت الخلافات داخل فتح على السطح ، تجلت اللحظة
الحاسمة في وصول التصدع داخل فتح في الانتخابات التمهيدية داخل الحركة
تمهيدا للانتخابات التشريعية العامة في يناير 2006 ثم تقدم فتح بقائمتين
انتخابيتين واحدة تمثل القيادة التقليدية وخصوصا اللجنة التنفيذية
والأخرى تمثل من يسمون بالحرس الجديد ويتزعمها فعليا محمد دحلان عضو مجلس
ثوري ووزير داخلية في عهد حكومة أبو مازن،وفي واقع الأمر فقد جرت محاولة
لتوظيف الانتخابات لإحداث انقلاب داخل فتح فيما لو نجحت قائمة الحرس
الجديد .. وصول الأمر لهذا الحد من الخطورة على وحدة الحركة يعود لفشل
الحركة في التقريب بين المواقف خلال السنوات الماضية ،وإن كان وجود محمود
عباس رئيسا للسلطة ولمنظمة التحرير قد بدا وكأنه يدعم مواقف التيار
المعارض للجنة التنفيذية ومكنه من القدرة على ترجيح قيادة الحركة لصالحه
،إلا أن سعي أبو مازن للعب دور الحاكم والحكم في حركة فتح ومد ظله على
الجميع ،ووجود حماس كطرف منافس وقوى وخصوصا بعد نجاحها الملحوظ في
الانتخابات المحلية ثم التشريعية حال دون حدوث الانشقاق أو الانقلاب وقد
لعبت أطراف محلية وخصوصا مصرا دورا في لملمة الحالة الفتحاوية تمهيدا
لمخطط اقليمي ودولي كان يُمهد له لتغيير مكونات النظام السياسي
الفلسطيني بإدماج حماس في السلطة.
كان أخطر ما ميز هذه المرحلة من التصدع داخل فتح هو التلويح بالحسم
العسكري حيث لاحت نذر تمرد عسكري أو انقلاب مسلح و لجوء القيادات
الفتحاوية للاستقطاب العسكري بدلا من الاستقطاب السياسي ،فتكاثرت
الجماعات المسلحة بتسميات متعددة، وإن كانت كتائب شهداء الأقصى هي أكبر
هذه الجماعات ويمكن اعتبارها بديلا عن قوات العاصفة التي كانت الذراع
العسكري لفتح قبل التسوية ،إلا أن حالات عسكرية كثيرة عرفتها الساحة
الفلسطينية أثارت كثيرا من التساؤلات حول مصادر تمويلها ومرجعيتها
وأهدافها السياسية و العسكرية.وإن كان الراحل أبو عمار هو من عمل على
تشكل هذه الجماعات عندما تأكد بأن إسرائيل غير جادة بالسلام وذلك
لتوظيفها للضغط ولتحسين شروط المفاوضات ثم تعزز وجود هذه الجماعات بعد
تزايد شعبية حماس بسبب لجوئها للعمل العسكري ،فكان لزاما سحب البساط من
تحت أقدام حماس والجهاد الإسلامي بمنافستهم في نفس الميدان ،بالرغم من
هذه النشأة فقد وظفت هذه الجماعات لاحقا من طرف الأقطاب السياسية
المتصارعة في فتح بعد أن ضعفت المبررات السياسية والأيديولوجية
للاستقطاب ،وحيث أن أقطاب فتح كانت بحاجة لهذه الجماعات ليس بطبيعة الحال
لمحاربة إسرائيل وربح رهان الحسم العسكري معها بل لتوظيفها في فرض نفوذها
داخل مناطق السلطة كل قطب في مواجهة منافسيه وجميعهم في مواجهة تنامي
نفوذ حركة حماس ،فقد أصبحت هذه الحالات العسكرية أهم ورقة يمكن توظيفها
لمن يريد الحسم داخل حركة فتح بالإضافة إلى التسابق على كسب ولاء عناصر
الأجهزة الأمنية والاتحادات الشعبية كالشبيبة الفتحاوية واتحاد المرأة
واتحاد العمال وكانت غالبية هؤلاء يمنحون ولاءهم لمن يدفع أكثر من
القيادات المتنافسة .
دون مكابرة ودون تهويل أو تهوين ،نجزم بالقول بأن حركة فتح تعيش سنوات
عجاف و أوضاعا لا تحسد عليها ، البرايمرز الفتحاوي وما تلاه في سياق
الاستعداد للانتخابات التشريعية لم يكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير
أو القطرة التي أفاضت الكأس ،وكانت الهزيمة في الانتخابات النتيجة
الحتمية لكل ذلك.
وبالرغم من ذلك تمكنت حركة فتح من الحفاظ على وحدتها التنظيمية ،وربما
يعود السبب إلى أن القوى السياسية الأخرى تعرف أوضاعا أكثر صعوبة سواء
على المستوى العقائدي أو على مستوى الممارسة السياسية والعسكرية،كما أن
قدرة هذه القوى على أن تكون حاملا للمشروع الوطني شبه محدودة ،ولأن
حركة فتح تمثل الاعتدال والوسطية ولها تاريخ نضالي وعلاقات متشعبة.
ولأن القوى السياسية الأخرى غير مؤهلة لحمل وقيادة المشروع الوطني بشكل
منفرد،وقد تجلى ذلك بعد المأزق الذي تشهده حماس مع توليها رئاسة
الحكومة،فإن من المبرر التفكير بأن الحركة تعرضت للتآمر- تآمر خارجي
وتآمر داخلي ناتج عن جهل أحيانا وعن تخطيط خبيث حينا آخر- لإضعافها
تمهيدا لتدميرها ،وتجلى ذلك من خلال المؤشرات التالية:
1 –إغراق الحركة بالعمل السلطوي وتحميلها كل أوزار وأخطاء السلطة، وقد
انجرت الحركة وراء منافع السلطة ولم تفصل بين الانتماء الوظيفي للسلطة
والانتماء التنظيمي الحركة.
2 –إرتكاس الحركة نحو العمل العسكري بصيغته الجهادية- العمليات
الاستشهادية- بطريقة فجة وغير مدروسة ،في محاولة منها لمنافسة حماس
والجهاد ،ونسيت الحركة كل الدروس المستفادة من تجاربها خلال ثلاثين عاما
.
3- إفساد النخبة السياسية التقليدية للحركة- اللجنة المركزية ومن يدور
في فلكها- بالمواقع والامتيازات ،مما افقدها التأهيل للمحاسبة والمتابعة
،حيث لم تعد قدوة يحتذي بها.
4 –قلة
رجال الفكر والمنظرين القادرين على تجديد فكر الحركة بما يتناسب مع طبيعة
المرحلة والانهيارات الكبرى التي يشهدها العالم . ومَن تبقى من مفكري
الحركة استمروا في اجترار خطاب الماضي بصيغة ممجوجة وفاقدة المصداقية.
5- الحالات العسكرية لعبت دورا سلبيا، حيث كان وجودها على حساب التنظيم
بما هو تنظيم وفكر ووحدة القرار، وهذا لا يعني رفض وجود هذه الحالات بل
ضرورة خضوعها لقرار ولمرجعية سياسية واحدة.
6 –مصادرة الحركة كتاريخ وإمكانيات من قِبل ثلة من المغامرين والمتطلعين
للسلطة تحت شعار صراع الأجيال أو ضرورة التجديد-وليس جميع هؤلاء بالضرورة
خارج الصف الوطني الفتحاوي بل عجز القيادة التقليدية عن القيام بمهامها
دفعهم للقيام بهذا الدور المغامر والانقلابي.
7-نقص الوعي الفكري والتنظيمي عند غالبية القاعدة الفتحاوية أدى لتفشي
روح اليأس والإحباط لديهم وبالتالي غياب الدافعية لتجديد الحركة أو
الدفاع عنها.
8- تجاهل الحركة لفلسطينيي الخارج ،وكان من الممكن أن يلعب هؤلاء دور
الحاضنة للتنظيم وحملة مشروع التجديد والتطوير بعيدا عن صراعات وحسابات
الداخل الناتجة عن واقع وجود السلطة والاحتلال.
9- عدم اتفاق القيادة الفتحاوية على طبيعة المرحلة والموقف من التسوية
والمفاوضات ،وصراعها على المواقع والصفة التمثيلية الخ.
10 –غياب الرئيس أبو عمار كشخصية كارزماتية عن مجتمع ما زال يؤمن
بشخصانية السلطة أو دُفع لذلك ،ترك فراغا في القيادة الفتحاوية.
11-غياب التأطير الفكري والأيديولوجي الموحد لأبناء التنظيم ساعد على خلق
ولاءات ارتدادية كالولاء للعائلة أو المنطقة ،والتمييز بين الداخل
والخارج .
12- قبل أن تفرض إسرائيل والولايات المتحدة مشروعهم التسووي خلقوا رجال
التسوية وحاملي هذا المشروع ،ومن المهام المُسندة لهؤلاء،تحطيم تنظيم فتح
أو تفريغه من محتواه الوطني والنضالي وللأسف فأن عددا من هؤلاء هم من
أبناء التنظيم.
هل من سبيل للخروج من المأزق؟
لم نفقد الأمل بتشكيل قيادة وحدة وطنية ببرنامج وإستراتيجية وطنية ،تكون
الفصائل والأحزاب مجرد تيارات فكرية فيها تخضع لمرجعية وثوابت واحدة،وما
زلنا نعتقد بأن التنصيص على الانتخابات في اتفاقية أوسلو وفي خطة خارطة
الطريق ومن ثم التأكيد الشخصي للرئيس الأمريكي بوش على إجراء الانتخابات
التشريعية في موعدها بالرغم من معرفته بالخارطة السياسية الفلسطينية
وموازين القوى فيها إنما كان بهدف حرف النضال الفلسطيني عن مواضعه وإدخال
الساحة الفلسطينية في مواجهات داخلية كما نلمسها اليوم.وحيث أن الواقع
يقول بأن حركة حماس ببرنامجها العقائدي لا يمكنها أن تستوعب القوى
السياسية الأخرى اليسارية والعلمانية بما فيها حركة فتح ،وحيث ان حركة
فتح ما زالت القوة الثانية في الساحة الفلسطينية ،فأن الفرصة ما زالت
متاحة من اجل استنهاض الحركة من كبوتها ،للأسباب التالية وبالوسائل
التالية :-
1- طول عمر الحركة ليس مبررا للقول بانتهاء دورها أو شيخوختها ،فالأحزاب
الديمقراطية في الغرب وحزبا العمال والمحافظين في بريطانيا والحزب
الجمهوري والحزب الديمقراطي في أمريكا عمرهم أضعاف عمر حركة فتح وما
زالوا يمارسون السياسة باقتدار .
2- تغير الظروف والأحوال ليس مبررا أيضا للقول بنهاية حركة فتح، فبعض
الأحزاب والقيادات أقدم عهدا من حركة فتح أو مزامنة لها كالجبهة الشعبية،
وحركة حماس موجودة قبل أن يشهد العالم التحولات الأخيرة.وخارج الوطن ما
زالت جبهة التحرير الجزائرية على رأس العمل السياسي، والحزب الشيوعي
الصيني استوعب المتغيرات الدولية وكيَف نفسه معها دون أن ينهار.
3- ما زالت حركة فتح تمثل الوسطية والاعتدال ولذا فهي تحضا بأكبر نسبة من
التأييد في الشارع ، في مقابل أيديولوجيات مأزومة للأحزاب الأخرى ،وكل ما
تحتاجه الحركة هو تجديد فكرها ومنطلقاتها وتنقيته مما علق به من أوهام
ومبالغات ،وتجديد النخبة السياسية.
4- يجب تخفيف الحديث عن الشرعية التاريخية والحديث بدلا من ذلك عن شرعية
الانجاز ،فجيل جديد لم يعد مهتما بالشرعية التاريخية وما كانت عليه فتح
بقدر اهتمامه بواقع الحركة وممارساتها اليوم ،والرغم مما اعترى سلوكيات
فتح السلطة من أخطاء فهناك انجازات يمكن أن تعطي صورة مشرفة عن الحركة.
5-يمكن التفكير بعمق وحذر بتأسيس حزب وطني سياسي بعيدا عن الحالات
العسكرية، و بقيادة من غير الذين تولوا مناصب في السلطة، يستوعب أبناء
الحركة على أسس جديدة وفكر جديد وبشكل متدرج.
6- يجب الاعتراف بنهاية المرحلة التي كانت فيها فتح تتماها مع منظمة
التحرير أو تستوعب منظمة التحرير وتطرح نفسها كممثلة للشعب الفلسطيني
،فاليوم توجد قوى حزبية جديدة وبالتالي تحتاج حركة فتح لفكر جديد وبرنامج
جديد تتميز به عن بقية الأحزاب ،أي التعامل مع حركة فتح كتيار ثالث-
باعتبار اليسار تيار والجماعات الدينية تيار مناقض - وليس كحزب حاكم.
7- ضرورة إدخال تغييرات على القيادات الاتحادات الشعبية كالشبيبة
الفتحاوية والمرأة والعمال وغيرهم ،فهؤلاء شكلوا ولاءات مستقلة غير
ملتزمة وكانوا جزءا من الانفلاش التنظيمي إن لم يكن سببا له.
8- تثبيت العضوية والفصل ما بين الانتماء للتنظيم والعمل قي أجهزة
السلطة.وهذا المطلب أصبح أكثر إلحاحا بعد خروج فتح من الحكومة.
9- دفع رسوم العضوية بانتظام وتوفير ميزانية للتنظيم مستقلة وكافية.
10-ضرورة عقد المؤتمر العام وكل المؤتمرات المؤجلة ولو أدى الأمر لبتر
وطرد بعض العناصر أو الزعامات المتخوفة على مواقعها المكتسبة .فعدد أقل
وأكثر تنظيما والتزاما ،أفضل من كثرة غير ملتزمة وغير منظمة .
11- في كل المنعطفات التاريخية لا بد من التضحية بكل من يشكل عائقا أمام
تطور العمل السياسي الوطني وإن أدى الأمر لبتر بعض الأعضاء الفاسدة ،ولو
أن الحركة أعملت مبدأ الحساب والعقاب لبعض رموز الفساد لما وصلت إلى ما
وصلت إليه ،وما زال من الممكن القيام بذلك ولو أدى الأمر لخروج البعض من
الحركة أو انشقاقهم عنها .
12- يجب سحب البساط فكريا من تحت أقدام القوى السياسية الناشئة التي تطرح
نفسها كتيار ثالث ،ذلك أن حركة فتح كانت وما زالت تمثل التيار الثالث في
مواجهة تيار اليسار والتيار الإسلامي ،
وهذا يتطلب صياغة جديدة لمنظومة فكرية تعبر عن فكر حركة فتح كحركة
الوسطية والاعتدال ، حركة فتح حركة سياسية وطنية ليبرالية ديمقراطية
منفتحة على كل القوى السياسية وجامعة ما بين الأصالة والمعاصرة . |