منتدى موقع التاريخ

د/إبراهيم ابراش 

العلاقة ما بين رجل الفكر ورجل السلطة في التجربة الفلسطينية

- رسالة إلى صديق سلطوي -


إشكالية العلاقة بين رجل الفكر والسلطة ورجالاتها علاقة قديمة، قًًِدم الفكر والمفكرين وقدم السلطة السياسية ،الاولون يُحيلون إلى ويعبرون عن  العقل والعقلانية المتحررة من آسار المصلحة والايديولوجيا الضيقتين ،والآخرون يحيلون للمصلحة ولموازين القوى و للصراع والتنافس على السلطة ولو كان على حساب المصلحة الوطنية والمبادئ وخصوصا عندما تَغيب الديمقراطية الحقيقية التي تنظم الصراع وتؤطرة داخل ثوابت المصلحة الوطنية .

فقديماً أُعدم أفلاطون من طرف النظام الديمقراطي الأثيني لمجرد انه انتقد الديمقراطية الاثينية ونعتها بالغوغائية ، وفي زمن لاحق وفي عالمنا الإسلامي تعرض ابن رشد وابن حنبل لمحن جمى من نبذ وإقصاء من وظائفهم واتهامات بالتجديف لمجرد أنهما أعملا العقل بما لا يرضي السلطان وحاشيته الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على السلطة الدينية ، وفي زماننا –قبل أن يَحل زمن الديمقراطية الأمريكية ، ونقولها بأسف بأنها شكلت رادعاً للحكام المستبدين - عجّت السجون بمعتقلي الرأي وغيّبت باطن الارض الآلاف منهم وما بين باطن الأرض وغياهب السجون اختفى الآلاف دون أن يُعرف لهم مصير.

توافق السلطة وتصالحها مع المثقفين والمفكرين هو ذلك المستحب صعب المنال ، لأنه في حالة صيرورته واقعاً  تتجلى السلطة كحالة مثالية أو كالمدينة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون والفارابي وكل الطوباويون الحالمون ، إلا أن صعوبة تحققه لا يعني إستحالته المطلقة ، فما بين العدم والمطلق كثير من الاحتملات والفرص ، والديمقراطية هي إحدى هذه الفرص . صعوبة تماهي المفكرين - بكل ألوان الطيف الفكري والثقافي - مع السلطة لا يمكن اختزاله بالقول بأن عالم الفكر هو العقل المجرد أو أنه عالم المُثل و ما يجب أن يكون ، وعالم السلطة هو الواقع بكل تناقضاته وصراعاته ، لأن هذا الابتسار للعلاقة يُسقط عن الفكر حقيقة تحوله ليصبح  فكراً علمياً ، فالسياسة علم والاجتماع علم ، بمعنى أن الفكر وخصوصاً السياسي يُستمد اليوم من الواقع وعالم السياسة هو الذي يقترح حلولاً واقعية بمعنى القابلية للتطبيق لمشاكل الواقع .

المشكلة تكمن في رأينا في رغبة السلطة السياسية وتحديداً المُفتقرة للشرعية أو ذات الشرعية المأزومة ، رغبتها في توظيف رجال الفكر وعلماء السياسة ليصبحوا أبواقاً لخطابها ومدافعين عن نهجها الذي لا يُمثل غالبا المصلحة الوطنية . ومن هنا يمكن أن نلاحظ ونفهم لماذا هذه العلاقة أقل حدة في الأنظمة الديمقراطية ، بل تعرف حالة من المصالحة والوفاق نلمسها من خلال سعي السلطة لاستيعاب رجال الفكر داخلها أو توفير كل الإمكانات أمامهم للإبداع  ، ومتوترة وشبه منقطعة في الأنظمة غير الديمقراطية حيث لا تتورع هذه الأنظمة عن محاصرة وإقصاء المثقفين ورجال الفكر أو تجاهلهم وكأنهم غير موجودين ، بل ودفعهم للهجرة إن لم تستطع تسخيرهم لأغراضها أو رشوتهم .

في الحالة الفلسطينية تأخذ العلاقة ما بين رجال الفكر والمثقفين من جانب  والسلطة ورجالها من جانب آخر طابعاً مختلفاً في الجزئيات وليس في الجوهر ، نظراً لاختلاف مفهوم السلطة ومفهوم الفكر والثقافة لاختلاف دور رجال الفكر والثقافة . فالسلطة الفلسطينية ليست سلطة سيادية وهذا يغير من مهامها من جانب ومن قدرتها على ممارسة التسلط من جانب لآخر . فكونها تخضع لسلطة احتلال وكونها سلطة هي امتداد لحركة تحرر وطني مأزومة أو على الاقل لم تصل للسلطة نتيجة نصر بل ضمن اتفاقات سياسية كانت على حساب المشروع الوطني التاريخي ، وكونها سلطة انتقالية بمعنيين :انتقالية من حركة تحرر لسلطة دولانية ،وانتقالية بمعنى الانتقال من سلطة ذات شرعية  ثورية وتاريخية إلى سلطة ذات شرعية دستورية – وتحدياً مع الانتخابات الرئاسية فالبلدية ثم التشريعية التي تجري هذه الايام- ، هذه الخصوصية تجعل السلطة بحاجة أكثر من أية سلطة أخرى لرجال الفكر والثقافة ليساعدوها لتأسيس مشروعها الوطني الجديد ولمساعتها في هذه المرحلة الانتقالية المعقدة محلياً ودولياً والتي تحتاج لقوة الأفكار المبدعة والخلاقة أكثر مما تحتاج لقوة العسكر والميليشيا التي قامت بما تستطيع ولكنها لم تزد الأمور إلا تأزماً .

داخل السلطة الفلسطينية وجد قادة آمنوا بأهمية الفكر والمفكرين وآلمهم ما آل إليه حال السلطة بعد أكثر من عقد من وجودها ، حيث سادت أوضاع لم تكن فقط طاردة للأحلام الكبيرة ، بل أيضا لرجال الأعمال والمستثمرين الفلسطينيين ولرجال الفكر الذين لم يتورع بعضهم عن ترك أماكن عملهم المتميزة والمريحة في الغربة والعودة لما تبقى من أرض لتأسيس ما يمكن أن يكون وطناً بنهج جديد ، حاول بعض هؤلاء القادة نسج علاقة ما مع المثقفين ورجال الفكر إيماناً منهم بأهمية دور هؤلاء في بناء الدولة وإدراكا بأهمية المرحلة أو رغبة في الانفتاح على قوى وشرائح اجتماعية كانت مهمشة أو مغيبة أو حتى لمجرد الظهور بمظهر رجل السلطة المستنير بالنسبة للبعض أو لتغطية القبضة الحديدية للسلطة بقفاز حريري بالنسبة لآخرين ، ولم يكن أمام رجال الفكر الغيورين على المصلحة الوطنية إلا التجاوب مع رجال السلطة المتنورين إيماناً منهم بأن أعظم الأفكار ستظل مجرد أفكار نظرية إن لم تجد قوة تسندها ، ورجال السلطة المتنورين هم القوة التي تبث الحياة لفكر المفكرين وتمكنهم من صيرورة فكرهم واقعاً .

وهكذا وبالرغم من العلاقة المتوترة ما بين المثقفين والسلطة في العالم العربي – حيث نلاحظ بأن غالبية رجال المعارضة العربية هم من رجال الفكر والمثقفين – إلا أن عدداً كبيراً من المثقفين ورجال الفكر الفلسطينيين وتحديداً من يعيش داخل الوطن مدوا أيديهم للسلطة وبحثوا عن نقاط التقاطع معها وليس اللالتقاء أو التماهي ، وحاولوا تكثيف نقاط التقاطع ، بحيث كانت كل خطوة من السلطة نحو المصلحة الوطنية أو الديمقراطية كآلية لإعادة بناء النظام السياسي ليصبح أكثر قدرة على تحقيق المشروع الوطني ، وكل خطوة من المفكرين تقوم على تفهم خصوصية السلطة وصعوبة التحدي الذي تواجهه ، تساعد على جسر الهوة ما بين الطرفين ، فليست السلطة بالضرورة عالم الشر وليست الثقافة والفكر عالم الخير ، ولكن هل ينسى رجل السلطة بأنه رجل سلطة والسلطة مصالح ؟ وهل ينسى رجل الفكر بأنه رجل فكر والفكر مبادئ ؟

فحيث أن منطق السلطة وآلية عملها يقوم على المصلحة – قليلاً ما تتماهى المصلحة الوطنية مع مصلحة رجال السلطة - فلم يتورع رجال السلطة عن توظيف وتسخير كل شيء لمصلحتهم ، حتى رجال الفكر يصبحون حسب هذا المنطق مجرد أدوات لتحقيق أغراض السلطة ، صحيح أن رجل الفكر والثقافة لا يسعى لأن يعكس الآية ويسخر السلطة لمنطقه أو يسودها لأنه بالأساس غير مؤهل لان يكون رجل سلطة تنفيذي ، وصحيح أن السلطة الفلسطينية بالرغم من مشاكلها فإن تبوّء موقع فيها هو مصدر رفاهية ، بالرغم من كل ذلك ، فإن رجل الفكر الذي يحترم فكره يمكنه أن يوازن ما بين خدمة السلطة الوطنية واحترام نفسه وفكره ومبادئة ، رجل الفكر يشعر بالسعادة عندما يُشيد به رئيس السلطة أو رجالاتها ، وتكون سعادته أكبر إذا ما قربوه دون مساومة واستوعبوه دون رشوة ، ولكنه يشعر بالإهانة ويفقد نفسه إذا ما طُلِب منه التخلي عن مبادئة إرضاءً للسلطة أو تطلعاً لموقع أو وظيفة ، أكثر ما يسيء لرجل الفكر محاولة تجريده من مبادئه والتلاعب به كمجرد قطعة نرد يمكن تحريكها من هذا المربع لذاك المربع ، مع أنه حتى في لعبة الشطرنج مثلاً لكل قطعة قيمتها وأهميتها واللاعب الجيد هو من يُحسن استعمال كل قطعة حسب موقعها وأهيمتها . وإذا كان رجال السلطة منقسمين جماعات وتيارات ومتناحرين فيما بين بعضهم البعض ، فرجل السلطة العاقل هو الذي يجنب رجال الفكر هذه التناحرات ويعذرهم إن وضعوا أنفسهم خارجها . علاقة رجل الفكر برجل السلطة – علاقة صداقة أم علاقة عمل - يجب أن لا تقوم على تغييب ما يمنح لكل طرف كينونته ومبرر وجوده : المبادئ لرجل الفكر والسلطة - سلطة الأمر والنهي وعلاقة تبعية وخضوع في إطار القانون - لرجل السلطة ، وحيث أن التماهي بين الطرفين بعيد المنال الآن   فستبقى العلاقة ما بين الطرفين كاللعب على أوتار مشدودة .

وأخيرا أقول لرجال سلطتنا الوطنية  بصفتي أحد المنتمين لرجال الفكر بشكل او آخر، يُسعدنا أن نتقاطع معكم بل أن نلتقي ونتماهى إن كان ذلك ممكناً ، وتسعدنا كلماتكم الطيبة بحقنا ، ويسعدنا حمايتكم لنا ولو معنويا ، ولكنكم لستم مصدر قوتنا ومواقع السلطة إن كانت على حساب المبادئ  ليست مرامنا ، قد تجدون منا من يُباع ويُشترى ، وتجدون منا وفينا مَن يساوم على المبادئ ، ولكن منا وفينا الكثيرون الذين يحترمونكم دون مصلحة ، يدافعون عن الصحيح من مواقفكم ولكن بأسلوب وبعقلية رجال الفكر لا بأسلوب من يُحسبون عليكم من الموظفين وطالبي المصلحة ، ستجدون فينا ومنا مَن يخافون عليكم بقدر ما يخشون سوء ظنكم فينا وسوء فهمكم لنا ، وإن تخلصتم من بطانة السوء التي تحيط بكم من أنصاف الجهلة والأميين تستطيعون التمييز ما بين الغث والسمين من رجال الفكر والثقافة ، وستجدون دوماً من يَصدقكم القول ويقف لجانبكم دون انتظار ثمن أو حتى كلمة شكر . نعم نريد رجال سلطة أقوياء ولكننا نريدهم أيضا مستنيرين ومتفتحين حتى على من يخالفهم الرأي دون أن يخالفهم الهدف .

9/2/2006

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا