منتدى موقع التاريخ

د/إبراهيم أبراش

Ibrahem_ibrach@hotmail.com

 الانتخابات وحدها لن تحسم أزمة النظام السياسي الفلسطيني

- مقترح للخروج من الأزمة -


ولأن القضية قضية وطنية تتعلق بمصير الشعب فهي تخص كل الشعب، إلا أن الواقع يقول بأن هذه القضية أصبحت محتكرة من طرف النخبة السياسية الحزبية ، وحيث أننا لا نستطيع أن نستورد نخبة من الخارج كما نستورد السلع الأفضل (ولو كان هذا ممكنا لفعلناه) ، فمفروض علينا البحث عن مخارج للأزمة من خلال هذه النخبة بالرغم من كل ما يمكن تسجيله من تحفظات عليها، وأهم هذه التحفظات هو تعاظم تأثير التداخلات الخارجية وما يترتب على ذلك من تبعية مالية وعقائدية وسياسية لهذا الخارج ، وعليه فإن كل مسعى لتشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة مستقلين – وإن كان يعكس حسن النية – إلا أنه لن يحل المشكلة إلا مؤقتاً لأن القرار الرئيسي سيبقى بيد من يملك السلاح والمال ومدعوم خارجياً – حماس وفتح – . إذن ما الحل ؟ وكيف يمكن الخروج من المأزق الخطير الذي تفاقم بعد دعوة الرئيس لانتخابات مبكرة ؟

لن نعود للحديث عن المسئولين عن المأزق ، ولن نتحدث عن حلول دستورية ، لأن المشكلة لن تحل إلا سياسياً وتوافقياً ،ولكن لا بد من التذكير بداية بما سبق وإن تطرقنا إليه في أكثر من مناسبة وحذرنا منه وهو:

1- أن الانتخابات والديمقراطية عندنا جاءت خارج سياق الخصوصية الفلسطينية ، وهي أننا ما زلنا نخضع للاحتلال والصراع يفترض أن لا يكون على السلطة بل في مواجهة الاحتلال .

 2- لا يمكن أن يحدث تداول سلمي على السلطة بين أحزاب ذات استراتيجيات متناقضة ، فالتعددية في الأنظمة الديمقراطية تكون محكومة بمبدأ (الاختلاف في إطار الوحدة).

3- تجييش الشعب وانتشار السلاح والحالات العسكرية في ظل غياب إستراتيجية مقاومة و غياب مرجعية مشتركة لهؤلاء المسلحين والحالات العسكرية، لا يخدم المقاومة الحقيقية ولا الديمقراطية الحقيقية.

4- الانفلات الأمني والذي سبق الانتخابات الأخيرة لم يكن عفوياً ، بل تقف ورائه قوى منظمة لا مصلحة لها بالاستقرار السياسي غير معنية بالمصلحة الوطنية ، بل تعمل لمصلحتها الخاصة أو تخدم أجندة خارجية .

5- كل ما يجرى ليس عفوياً ولكنه جزءاً من مخطط إسرائيلي وخارجي وبأدوات داخلية تشارك فيه جهلاً أو تواطؤاً ، يهدف لحرف المسيرة النضالية الفلسطينية عن هدفها الحقيقي وصيرورة القضية لإمارة حمساوية دينية في غزة وسلطة حكم ذاتي محدود لفتح في الضفة الغربية تتآكل مع مرور الزمن، وخروج الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة ثم إجراء الانتخابات التشريعية ومشاركة حماس بها ، جزء من هذا المخطط .

6- تغليب الانتماء الوطني والمشروع الوطني على كل ارتباطات خارجية ، سواء كانت عقائدية أو سياسية ، فالفلسطينيون أدرى بمشاكلهم من غيرهم وهم المهددون بوجودهم وبهويتهم ، الأمر الذي يتطلب توطين كل الإيديولوجيات – توطين الإسلام السياسي – وتوطين فكر التسوية والسلام ، بمعنى التوافق الوطني على مشروع التسوية والحل السلمي بدلاً من إلحاق أنفسنا بمشاريع تسوية أمريكية وإسرائيلية.

ومع ذلك ليس أمام الشعب الفلسطيني ونخبته الحاكمة وغير الحاكمة إلا البحث عن مخارج وطنية للأزمة ، لأن الأطراف الخارجية لا تستطيع ، وإن كانت تستطيع فهي لا ترغب في إيجاد حلول على قاعدة مصلحتنا الوطنية . الرئيس تحدث عن انتخابات مبكرة ، ولكنه ترك الباب مفتوحاً للتوصل لحكومة وحدة وطنية ، ونتمنى أن تنجح هذه الجهود مع أن تفاؤلنا بدا يضعف بعد الأحداث الأخيرة وبعد ما بدأنا نسمعه من اتهامات متبادلة تصل لحد التخوين ، وبعد اتضاح قوة التأثير الخارجي على القوى السياسية سواء كان تأثيراً مالياً أو إيديولوجياً ، فمثلا الحديث عن حكومة أو حركة (ربانية) لا يساعد على تشكيل حكومة وحدة وطنية ، فكيف سيشارك (الربانيون) مع العلمانيين في حكومة واحدة ؟ كما أن الاستقواء بأمريكا وبالأوروبيين لا يساعد على تشكيل هذه الحكومة ، إذن ما العمل ؟

فحتى لا تتكرر أخطاء الانتخابات السابقة ، وكحل جذري يقوم على اعتبارات سياسية واقعية، يجب الحسم في موضوع الثوابت والمرجعيات الوطنية من حيث ماهيتها ؟ ومن حيث من يتحدث باسمها؟ وكما سبقت الإشارة ، فهذه الأمور لا تحسم من خلال صناديق الانتخاب ، بل من خلال التفاهم والتراضي قبل اللجوء للانتخابات، وعليه نتمنى على أولي القرار الاتفاق على الثوابت والمرجعيات ويمكن أن تكون وثيقة الوفاق الوطني هي الأساس ، ثم اللجوء للانتخابات الرئاسية والتشريعية ، بحيث لا تكون المنافسة بين أحزاب لكل منها إستراتيجيتها ورؤيتها الخاصة للثوابت الوطنية ، بل التنافس على مَن سيمثل ويحكم باسم هذه الثوابت، والحزب أو الأحزاب الحاكمة لن تحكم على أساس برنامج حزبي بل على أساس برنامج العمل الوطني المتفق عليه ، والمعارضة لن تعارض من خلال العودة لبرنامجها الحزبي ، بل ستعارض في إطار برنامج الوفاق الوطني ، فهي ستراقب وستحاسب الحكومة والرئاسة على مدى التزامها أو خروجها عن برنامج الوفاق الوطني .

هذا تصور لحل يجمع من جانب ما بين خصوصية الحالة الفلسطينية باعتبار الشعب الفلسطيني ما زال يواجه الاحتلال، ومن جانب آخر الاستجابة للتحدي الديمقراطي ، فديمقراطيتنا في هذه الحالة ستكون ديمقراطية خارج السياق وحالة غير مسبوقة في تاريخ البشرية ، إنها ديمقراطية الضرورة إن صح التعبير . قد يقول قائل : إن هذا التصور يلغي التعددية السياسية التي هي أساس الديمقراطية! والرد بسيط وهو إنه عندما يكون الشعب في مواجهة عدو يحتل الأرض فلا مجال لتعددية إلا إذا كانت في سياق التنافس على مقارعة الاحتلال وليس التنافس على سلطة موهومة وخاضعة لاحتلال ، وأي تعددية سياسية أو حزبية خارج إطار ثوابت وطنية ستكون تعددية مضرة بالمصلحة الوطنية ، فالأحزاب هي لمصلحة الوطن وليس العكس ، والأحزاب تُكيّف برامجها وسياساتها بما يخدم المصلحة الوطنية المُتفق عليها بالتراضي، وليس تكييف المصلحة الوطنية حسب إيديولوجية ورؤية كل حزب سياسي أو حركة سياسية .


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا